رياح التغيير والرياح المقاومة له

حجم الخط
0

لا يمكن لأحد ان يقف بوجه رياح التغيير النهضوي التي نتلمس أحيانا نسائمها وأحيانا أخرى عواصفها لأن التغيير سنة إلهية ونتيجة حتمية لاكتمال تكوين الظروف الممهدة له ولنضوج عوامله في النفوس وعلى الارض. عقود كثيرة مضت على المسلمين والعرب جلبت معها انتكاسات كبرى واجهضت أو أفشلت خلالها معظم محاولات التغيير النهضوي الجدية مع وجود نجاحات واستثناءات هامة سوف نتطرق لها في السياق.

مثلت الاتفاقية الإستعمارية ‘سايكس- بيكو’ المعقودة بين فرنسا وبريطانيا (عام 1916) إنتكاسة كبرى أصابت العرب بعد سقوط الدولة العثمانية (عام 1924) التي مهدت بدورها لإنتكاسة كبرى أخرى تمخضت عن قيام ‘دولة اسرائيل’ على التراب الفلسطيني (عام 1948) وذلك في ظل الانتداب البريطاني لفلسطين وتأسيس بريطانيا لإمارة شرق الاردن الهاشمية وإعلان عبد الله بن الحسن بن علي (عام 1921) أميرا عليها، وفي نفس العام أسست بريطانيا مملكة العراق الهاشمية وتوجت فيصل الأول بن الحسين بن علي ملكا عليها. وبذلك كافأت بريطانيا الشريف حسين بن علي والد كل من الأمير والملك على إطلاقه الرصاصة الأولى (عام 1916) ضد الدولة العثمانية، عدوها الأول.

هلت على العرب رياح التغيير النهضوي بعد نجاح ثورة أو انقلاب عام 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، رحمه الله، الذي أطاح بالملكية المصرية العلوية (نسبة الى محمد علي) الذي أسس مُلكه ومُلك سلالته من بعده في العام 1802، فكان الملك فاروق آخر ملوك مصر من تلك السلالة. رفع عبد الناصر راية الوحدة العربية ومكنته روحه الثائرة وبشائرالتغيير الثوري التي أتى بها من قيادة الشارع العربي (المتعطش للتغيير) على امتداد الأقطار العربية التي كونتها وكرستها خطوط الحدود المرسومة من قبل مهندسي اتفاقية سايكس- بيكو. كانت لعبد الناصر نجاحات كثيرة وإخفاقات كبيرة وبرأيي كانت فردية حكمه وعدم سعيه لتكريس نظام حكم مؤسسي ديمقراطي هي أكبر إخفاقاته. وقد شاهدنا النتائج الكارثية لهذا الإخفاق في المصير المؤلم الذي آلت اليه مصر العظيمة بعد أن خطفه الموت (المحيطة بأسبابه دائرة من الشكوك) قبل ان يتخطى الثانية والخمسين من عمره.

أتى جمال عبد الناصر برياح التغيير وكسب الى جانبه أنصارا كثيرين وجوبه وأنصاره برياح معاكسة تصدت لحركتهم عند كل مفصل أو منعطف وتحالفت ضده قوى عربية حاكمة ومتنفذة بالتآزر مع قوى استعمارية غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية الحامية الأولى للكيان الغاصب الطارئ في منطقتنا ‘اسرائيل’. نجحت مساعي القوى المعادية للتغيير واللاهثة من أجل الإبقاء على الأوضاع الراهنة في إجهاض التجربة الناصرية متكئة على نقاط ضعفها وأولها كما اسلفنا فردية حكم عبد الناصر وغياب المؤسسات الديمقراطية عن نظام حكمه مما أدى للسقوط المدوي للناصرية بعد وفاة عبد الناصر. ومنذ العام 1979 هبت على عالمنا العربي والإسلامي رياح تغيير جديدة من نوع آخر أتت بها الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، رحمه الله، وهو عالم دين مسلم شيعي جعفري، ومثلت هذه الثورة هبة المستضعفين أينما وجدوا في وجه المستكبرين أينما وجدوا واستندت ثورة الخميني من الإسلام منهاجا واستعارت حتى المفردات الثورية من القرآن الكريم ككلمتي المستضعفين والمستكبرين وغيرها من المفردات القرآنية الكثيرة. أسس الإمام الخميني دولة ايران الإسلامية وعلى رأس هرمها الولي الفقيه، على أسس ديموقراطية متينة بدأها بوضع دستور إسلامي أخضع لتصويت الشعب عليه ومن وحي الدستور أرسى نظاما جمهوريا إسلاميا ديموقراطيا قائما على الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية النزيهة فتعاقب الرؤساء على موقع رئيس الجمهورية وكذلك النواب وأعضاء المجالس المنتخبة العليا وعلى رأسها مجلس الخبراء (له صلاحية تعيين الولي الفقيه وعزله) وأعضاء مجالس البلديات المدنية والقروية. وبذلك تكرس النظام الديمقراطي المؤسساتي لدولة ايران الإسلامية الأمر الذي مكنها من الصمود أمام القوى المعادية العالمية الكبرى والإقليمية. منذ اليوم الأول تحالفت الدولة السورية مع ايران الإسلامية فشكلتا معا (إضافة للمقاومات العربية) قوى التغيير النهضوي ودعمتا المقاومات العربية والإسلامية وعلى رأسها حزب الله اللبناني وحركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان ومنذ اليوم الأول وصف الإمام الخميني إسرائيل بالغدة السرطانية ثم رفعت ايران الإسلامية شعار ‘زوال دولة إسرائيل’ من خارطة الإقليم باعتبارها كيانا مغتصبا طارئا ومنذ اليوم الأول سعت ايران وما زالت تسعى من أجل إقليم عربي إسلامي سيد نفسه ينبذ التواجد الأجنبي فيه ولا يحرسه ويقوده إلا أبناؤه.

لا اريد أن أطيل أكثر من ذلك لأقول أن رياح التغيير القوية قادمة من ايران وحلفائها وتتقدم بثبات لكنها تواجه بشراسة من قبل معظم الجيران الذين لا يطيقون فكرة التخلي عن الأوضاع الراهنة ويرفضون التكيف والتأقلم مع الواقع الجديد، وتواجه أيضا من قوى الاستكبار العالمي التي تقاوم بدورها فكرة التخلي عن مشروعها الشرق أوسطي ومن قبل ‘إسرائيل’ التي لم تعد صاحبة اليد الطولى في المنطقة بعد أن تكسرت أذرعها في جنوب لبنان وغزة، لقد أدخل صمود المقاومة وتحديها والثبات الايراني والسوري ‘اسرائيل’ في كوابيس أفقدتها صوابها دفعتها الى فعل المتاح وهو الاستقواء على فلسطينيي الداخل العزل فضاعفت من الاستيطان حتى في بيوتهم، وفي المقابل هيمن على هذا العدو الخبيث الشعور بقلة الحيلة وفقدان المبادرة خارج الحدود فتمكن منه الإحساس بخطر الزوال ‘وإسرائيل’ اليوم لا تنفك تتلمس رأسها لتتأكد من سلامته ومن بقائه قائما فوق جسدها المرتعش. عمر عبد الهادي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية