مصر ما تزال فرعونية .. أحزاب بلا شرعية وانتخابات بلا ديمقراطية

حجم الخط
0

فرانسوا باسيلي

مع نهاية الشهر الحالي تشرين الثاني (نوفمبر) 2010 تجري في مصر انتخابات مجلس الشعب، وفي مطلع نفس هذا الشهر في 2 نوفمبر، جرت انتخابات الكونغرس الأمريكي، هذه وتلك الانتخابات التي يفصل بينهما أقل من شهر، تفصل بينهما في واقع الأمر مئات السنوات من التقاليد الديمقراطية التي عرفتها الولايات المتحدة، والغرب بشكل عام، ولم تعرفها مصر أو أية دولة عربية أخرى. والفروق بين هذه وتلك هائلة، يمكن تلخيصها في أنها الفرق بين الجد والهزل، أو بين الواقع الحقيقي والفانتازيا، فالانتخابات الأمريكية كانت تعبيرا صادقا ودقيقا عن رغبة الملايين من الناخبين الذين لم يدفع أحد لأحد منهم لكي يذهب للانتخاب، ولم يمنع أحد أحدا منهم من الترشيح أو حتى من الوصول إلى أماكن الاقتراع للادلاء بصوته. والنتيجة في الانتخابات الافتراضية التي ستجرى في مصر محسومة ومعروفة سلفا، والتغير الوحيد والمؤكد الذي ستحققه هو مزيد من التوسع والتغول للحزب الوطني الحاكم، وتقليص لعدد من معارضيه من كافة الطوائف، وأساليب الحصول على هذه النتيجة قسرا قديمة ومعروفة ومعتادة، وتقول كافة الاحزاب المعارضة الرئيسية ان التزوير في انتخابات مجلس الشورى السابقة هذا العام كان عريضا وفجا، ولا يتوقع أحد أن يختلف الأمر كثيرا في انتخابات مجلس الشعب.

في النهاية فإن ما يحدث هو مسرحية لمسرح العرائس، تتحرك فيها كل الدمى حسب رغبة الممسك بخيوطها من وراء الستار، لتظهر أمام الجميع مؤدية أدوارها المرسومة لكي يضحك بعض الحضور ويبكي بعضهم الآخر، وكم فيك يا مصر من مضحكات، ولكنه ضحك كالبكاء.

الواقع الراسخ وراء كل هذا الجهد الضائع في ما يسمى بالانتخابات أن مصر ماتزال دولة فرعونية تدار بنفس الأسلوب الذي كانت تدار به أول دولة في تاريخ البشرية، التي أسسها الفراعنة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، فقد أسسوا دولة مركزية قوية تحكم وادي النيل جنوبا وشمالا من نقطة واحدة ومن قصر واحد في ممفيس القاهرة الآن ويحكمها فرعون واحد هو نصف إله، وأحيانا يرفع نفسه إلى مرتبة إله كامل متوحد مع رع ومع الشمس والأرض والنيل، ولا يعرف رعاياه فرقا كبيرا بين الخضوع للفرعون والتعبد للإله هذا أو ذاك من آلهة المصريين القدماء. فالفرعون، كان هو صوت الإله وظله على الأرض، أو كان الإله بشحمه ولحمه وروحه التي لا تفنى، فالمصريون هم مبتكرو فكرة الأبدية والخلود التي لم يعرفها قبلهم بشر، فالأمر في النهاية واحد فليس على المصري سوى تقديم فروض الطاعة والخشوع والتقديس والتآليه للفرعون المالك للأرض ومن عليها، وهكذا ترسخت فكرة العبودية للفرعون في الوجدان المصري عبر آلاف السنين ومن جيل لجيل، ومنذ نصف قرن فقط كان الملك فاروق، آخر ملوك مصر، يخاطب المصريين قائلا: شعبى العزيز، إنهم شعبه ورثهم جميعا حلالا بلالا أبا عن جد. فهو الذي يمنحهم حق البقاء ويهبهم هويتهم وقوتهم وامنهم.

وماتزال مصر فرعونية إلى اليوم، مازالت تدار بمركزية بالغة الثقل والترهل وبيروقراطية شاهــــقة الخمــــول واللامبــــالاة والاستغراق تحت أكوام القمامة بوجوه لا تتحرك حتى لهش الذباب الذي يحط عليها. وماتزال دولة الثمــــانين مليونا تدار بالتليفون، كما قال أيمن نور حينما وجد نفســـه مطلق السراح من سجنه فجأة بلا مقدمات ولا أوراق ولا إجراءات. فعرف أن مصر تدار بالتليفون. وهو ما يعرفه المصريون البسطاء بالسليقة وبخبرة خمسة آلاف عام، لذلك يؤثرون السلامة دائما بامتداح الفرعون أو الملك أو الرئيس أو حتى رئيس المصلحة الحكومية أو الضابط الذي يصادفهم في الطريق ويلقبونه اليوم بالباشا. هي إذن انتخابات وهمية لم تفرزها ديمقراطية ولن تفرز هي الديمقراطية، وإنما هي مجرد استعراض لموكب الفرعون الخارج من قصره للتجول في عاصمة ملكه ثم العودة للقصر من جديد بعد أن يخرج الآلاف للاشتراك في الاستعراض المحفلي الكريم، هاتفين راقصين مادحين مرتلين تقودهم جوقة من المطبلين والمزمرين أعضاء فريق الإنشاد والمدح الملكي الخاص.

الحزن الوطنيالمصري الذي لم يستطع عبر أكثر من خمسة آلاف سنة أن يتوصل إلى آلية يغير بها الفرعون، يلجأ إلى سلاحه الوحيد الذي أجاده إلى حد البراعة والتفرد وهو السخرية والدعابة لكي يعبر بهما عن رأيه الحقيقي في ما يحدث، لذلك نراه يطلق على الحزب الوطني الديمقراطي اسم ‘الحزن الوطني’ فإذا في هذه اللفتة البسيطة العبقرية التي قوامها نقطة واحدة غيرت من موقعها، إذا به يمزج سخريته بحزنه العميق لأجل قلة حيلته أمام الكوميديا الدائرة أمامه وحوله بلا أمل في نهاية، فإذا ما تذكرنا أن الحزب الوطني هذا كان قد أسسه الرئيس أنور السادات بجرة قلم وهو في أعلى السلطة، فهرع للانتماء إلى دفئه مئات الآلاف من المصريين الذين يفهمونها ‘وهي طايرة’ لكي يكون لهم من عطايا ورضا الرئاسة نصيب! إنه الحزن الوطني لأنه حزب هبط على رؤوس الأنعام من عل، فهو يعبر عن رغبة الرئيس وليس رغبتهم هم، والغريب حقا أنه لم يقم أي معارض مصري حتى اليوم بالطعن في شرعية الحزب الوطني، فإية شرعية لحزب يؤسسه رئيس الدولة وهو في السلطة؟

لذلك كله كانت دهشتي بالغة وأنا أستمع للسيد جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب الوطني وهو يشرح على مدى يقرب من الساعتين برنامج الحزب الذي سينزل به للانتخابات هذا الشهر. والحقيقة أن حديث السيد جمال مبارك كان مليئا بالمعلومات التفصيلية عن كافة الجوانب المتعلقة ببرنامج الحزب. وكان حديثه مدعما بالأرقام والإحصائيات وبالمنطق الذي لا يبدو عليه أي غبار، وكان يمسك بيده برنامج الحزب مطبوعا بغلاف أنيق. وللحزب شعار يطلقه لم أتأكد إن كان ما يزال هو ‘من أجل مستقبل أولادك’، وكان جمال مبارك يبدو مخلصا وهو يدافع عن برنامج الحزب وخططه المستقبلية وسياساته الجديدة التي استحدثها، كما قال، منذ ما قبل الدورة الحالية، وتحدث عنها باعتبارها فكرا جديدا يطرح لأول مرة في الحياة السياسية المصرية.

كدت أمام هذا الحديث المفصل الموثق المدعم بالأرقام أن أنسى أن هذا الحديث كله عن مصر وعن الحياة السياسية المصرية، ويبدو أن مقدم البرنامج خيري رمضان ساورته نفس المشاعر فتساءل: ولكن هناك من يقول ان مثل هذه البرامج الانتخابية الأنيقة قد تكون فاعلة وذات معنى في أوروبا وأمريكا، ولكننا هنا في مصر: فهل لهذه البرامج علاقة بحياة المصريين حقا؟ ودافع جمال مبارك عن البرنامج الذي وضعته لجنة السياسات باعتبار أن هذا هو الأسلوب الجديد الذي تحتاجه مصر، وقد حاول المذيع أكثر من مرة أن يسأل جمال مبارك عن شعوره نحو المصريين الفقراء الذين لا تشاركهم الجماعات الحاكمة هموم معيشتهم، فيجيب جمال مبارك بأن البرنامج الحزبي هو الحل. لم يسأله مقدم البرنامج عن شرعية حزب تأسس بطريقة غير شرعية، لم يسأله عن معنى الانتخابات ومعنى الديمقراطية في نظام يتحكم فيه الحزب الحاكم ورموزه في إصدر صكوك المنع والمنح لأي حزب جديد يريد أن يؤسس نفسه من القاعدة الشعبية التحتية، لم يسأله عن معنى وعن مصداقية نظام قديم يحكم من ثلاثين سنة حين يتحدث عن فكر جديد وأسلوب جديد؟ من المسؤول إذن عن الفكر القديم الذي أوصل مصر إلى مصاف جمهوريات الموز والمشمش! إن أداء لجنة السياسات، في حد ذاته، قد يكون معقولا باعتبارها لجنة مهمتها التنظير والتخطيط للبرامج التي يريد الحزب تحقيقها، كما أن أداء جمال مبارك نفسه، وهذه أول مرة نراه فيها في حديث طويل به أخذ ورد وليس من وراء منصة الحزب في مؤتمراته السابقة، قد يكون جيدا في حدود إحاطته بما في البرنامج من معلومات وخطط وأرقام وآليات، ولكن الإفراط الذي شاهدته في التعويل على مثل هذه البرامج، والاستغراق في تفاصيلها وأرقامها البيانية بشكل يكاد أن يكون معزولا عن الواقع الشديد البؤس لقطاعات هائلة من المصريين اليوم، وفي معزل أيضا عن الواقع غير الديمقراطى الذي ترزح تحته الحياة السياسية المصرية برمتها، يجعلني شديد القلق على مستقبل مصر، فمادام جمال مبارك مهتما إلى هذا الحد بأليات العمل الحزبي الديمقراطى فالأولى به أن يطالب بحل الحزب الوطني وفتح المجال أمام أحزاب جديدة من دون دخول رموز النظام الحالي إلى أي من هذه الأحزاب، حتى تتكون قاعدة حزبية شعبية سليمة تكون نواة الديمقراطية الحقيقية التي يطمح لها المصريون اليوم.

حزب الوفد وخيانة التاريخ هو حزب ينفرد بتاريخ وطني باهر بلا شك، ولكنه حزب يخون تاريخه، فقد رأيناه في العقدين الاخيرين يفقد بوصلته، فيتحالف يوما مع جماعة الاخوان، وهو الحزب الليبرالي العلماني الذي كان لرئيسه مصطفى النحاس يوما موقف شهير مع الشيخ حسن البنا، طالبه فيه بشكل حاد وواضح بأن يبتعد عن السياسة ولا يخلطها بالدعوة الدينية، ثم رأينا رئيس حزب الوفد مؤخرا يلعب دورا بالغ الخطل، حين ذهب السيد البدوي وشارك في شراء جريدة ‘الدستور’ وطرد رئيس تحريرها المعارض القوى إبراهيم عيسى ليقضى بذلك على أحد أهم منابر المعارضة السياسية، فيما هو يرأس حزبا يدعي أنه حزب معارض، مما يؤكد مخاوف البعض من وجود صفقة بين الحزب الحاكم وحزب الوفد يجني بمقتضاها الوفد بعض المقاعد في مجلس الشعب مقابل القضاء على المعارضة الحقيقية التي كان يمكن أن يقوم بها حزب له مثل هذا التاريخ الزاهي والقاعدة الشعبية العريضة، ولكن من مآسي الواقع السياسي الراهن أن الحزب الوطني لا يكتفي بأنه يملك كل شيء، ولكنه يمنع الأحزب الأخرى من لعب أي دور فعال، في حالة من الجشع السياسي الذي يعتري من يسكر بنشوة السلطة الجامحة التي لا ترى سوى نفسها في المرآة فتروح تعزف على قيثارة ولهها بذاتها بينما روما تحترق!

بشكل ربما أقل فجاجة نرى البعض في الأحزاب المعارضة الأخرى يسقط في غواية السلطة التي يعارضها فيقبل أن يراقصها ولو لسويعات قليلة فيقبل منصبا في هذا المجلس أو ذاك أو يرضى بأن يكون ممثل كومبارس في مسرحية الانتخابات ليظهر على المسرح لفترة يستمتع فيها بشيء من الأضواء والتصفيق قبل أن يطرده مخرج المسرحية مرة أخرى من الساحة. ولكن لابد من الإشادة بموقف عدد من الأحزاب والجماعات المستقلة والمعارضة التي رفضت أن تكون طرفا في هذه المأساة الملهاة الدائرة على أشلاء المصريين المطحونين في العشوائيات المطرودين خارج العصر من قبل نظام فشل في تحقيق أدنى مستويات العيش الكريم لهم ولم يقدم لهم ولأولادهم على مدى ثلاثين عاما سوى التعليم الفاشل والصحة الفاشلة والمدن الفاشلة والقرى الملوثة والدروشة الدينية المتهوسة والتمزق الطائفي والفساد المنهجي والانحسار الثقافي والانحدار الحضاري والانسحاق أمام قوى الخارج المتربصة. هذه الاحزاب والجماعات أبت إلا أن تفضح ألعوبة الاحزاب التي بلا شرعية والانتخابات التي بلا ديمقراطية وتفقأ الفقاعة وتصرخ بحقيقة إن الإمبراطور بلا ثياب، ومنها حركة كفاية والجبهة الوطنية للتغيير ومؤيدو الدكتور البرادعي وأحزاب الكرامة والعمل والغد والوسط والجبهة الديمقراطية واليسار وغيرهم. في هؤلاء كلهم يظل لنا أمل في مستقبل أجمل لمصر والمصريين. ‘ كاتب من مصر يقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية