د. عبدالوهاب الأفندي(1)باعتراف المجموعة التي نفذت الهجوم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد الأحد قبل الماضي فإن مسيحيي العراق عامة، ومصلي تلك الكنيسة خاصة، لا ذنب لهم في النزاع الجاري، وهم أبرياء من كل جريرة وتهمة. وإنما كانت مطالب المجموعة المهاجمة – حتى إن كانت مشروعة، وهو أمر فيه نظر- لا تتعلق بمسيحيي العراق، وإنما ببلاد أخرى وقضايا أخرى.(2) من المبادئ الثابتة في الإسلام أنه لا تزر وازرة أخرى، ولا يجوز أن يعاقب شخص بذنب آخر. وطوال التاريخ الإسلامي ندر التعرض لفئة دينية انتقاماً من إخوانهم في الدين في مكان آخر. فقد اشتعلت الحروب بين المسلمين والرومان وحلفائهم من نصارى العرب منذ معركة مؤتة ثم اليرموك، وتواصلت عبر القرون. ولكن لم يحدث قط أن تعرضت مجموعة مسيحية للعدوان لأن البيزنطيين هاجموا مدينة حدودية، أو تم طرد فئة من النصارى لأن الأسبان مارسوا التطهير العرقي في الأندلس. بل بالعكس، كانت الفئات المطرودة من اليهود الأسبان، أو من نصارى الشرق بعد الحروب الصليبية، تحتضن وتجد الترحيب.(3) هناك تحريم إسلامي واضح للتعرض للأبرياء عموماً والمؤسسات الدينية خصوصاً، من أديرة وكنائس ودور عبادة ونحوها، حتى في حالة الحرب. وكانت تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين واضحة لا لبس فيها للجيوش المحاربة، بعدم التعرض لغير المقاتلين عامة والمعتكفين للتعبد خاصة.(4) من هنا فإن ما حدث في بغداد الأحد قبل الماضي يطرح تساؤلات مهمة حول الدوافع وراء مثل هذا الخرق الواضح والفاضح لمحكم تعاليم الدين الإسلامي من فئة تدعي أنها من المجاهدين في سبيل الله. وفي مثل هذه الأحوال يسارع البعض إلى اتهام مخابرات الدول الأجنبية على افتعال مثل هذه الأحداث، وواقع الأمر هو أن المخابرات بريئة من هذه الجناية براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ولكنها بلا شك مسرورة غاية السرور من وجود ‘عملاء’ مثل هؤلاء يعملون بلا أجر، ويؤدون واجبهم أفضل من آلاف العملاء المأجورين.(5) في بعض الروايات أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما تحدث في أحد مجالسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‘لا تمنعوا إماء الله مساجد الله.’ وكان ابنه عبيدالله حاضراً فقال معلقاً: ‘والله لا ندعهن فيتخذنه دخناً.’ فقال له عبدالله: ‘أقول لك قال رسول الله لا تمنعونهن فتقول نمنعهن؟ والله لا أكلمك أبداً.’ فلم يكلمه حتى مات.(6) مثل هذا ‘الاجتهاد’ في مخالفة صريحة للنص من باب المزايدة على الله ورسوله هي من علامات المروق من الدين، حتى حين لا تشتمل على عدوان على الآخرين وغمط لحقوقهم وحرياتهم. فقد تبرأ الرسول صلى الله وعليه وسلم ممن تعهدوا أن يزايدوا عليه في العبادة، فأقسموا أن يصوموا الدهر ويقيموا الليل أبداً وحرموا الزواج. ومن تبرأ منه المصطفى فهو في الهالكين وإن صام العمر ونافس الملائكة في التنسك، فما بالك بمن ولغ في دماء الأبرياء المعصومة بحجج واهية غير مقبولة؟(7) لسبب ما عاشت المسيحية وازدهرت في قلب الشرق العربي، خاصة العراق والشام، حواضر الدولة الإسلامية في أزهى عصورها. ولم يكن ذلك بسبب تهاون من الخلفاء وقادة الجيوش، أو جهل منهم بعدم وجود مسلم واحد يقيم في أراضي الامبراطورية البيزنطية أو الدويلات الكاثوليكية، أو بما ارتكبه الصليبيون من مذابح تقشعر لها الأبدان، لم توفر حتى مسيحيي الشرق أو يهود الشام. وإنما كان الفهم هو أن الدفاع عن حرية التدين هو من صلب الدين، ولا علاقة له بجرائم الآخرين وفظائعهم.(8) ما وقع إذن من عدوان سافر ومبيت متعمد على مسيحيي العراق هو عدوان على الله ورسوله قبل أن يكون عدواناً على الأبرياء المعصومين. وهو عدوان على الإسلام والأمة الإسلامية، التي يصورها هذا العدوان على أنها أمة من الهمج البرابرة، لا ترعى ذمة ولا تصون جواراً.(9) مثل هذا التشويه هو ظلم كبير للنفس في حق الأمة التي سنت سنة التسامح الديني في عصور القهر والظلام، وثبتت عليها في وقت كانت فيه حتى الدول التي تتشدق بالدفاع عن حريات البشر مثل الولايات المتحدة تختطف مسلمي افريقيا وتسترقهم ثم تحرمهم بالعنف والقمع من ممارسة شعائر دينهم. وهي اليوم جريمة أكبر في زمان توافق فيه الخلق على احترام حريات التدين، فأصبح المسلمون في الأندلس وغيرها أحراراً يتمتعون بالكرامة وبحقوق أكثر مما هو متاح لإخوانهم فيما يسمى (مجازاً أحياناً) بدار الإسلام.(10) صحيح أن هذه الفئة لا تمثل إلا نفسها، وأن غالبية مسلمي العراق وبقية بلدان العالم بادروا بالتبرؤ من قبيح فعلها. ولكن دعوى هذه الفئة الانتساب إلى الإسلام واستخدامها الخطاب الشرعي لتبرير أفعالها لا بد أن يرتبط في أذهان العالمين بالإسلام وأهله، ويعمق الصورة السلبية للمسلمين. ولمثل هذا الأثر وصف خرق العهود في القرآن بأنه صد عن سبيل الله، لأن سوء سلوك المسلمين قد ينفر الخلق من دين الحق، كما جاء في سورة النحل: ‘ولا تتخذوا ايمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم’. فما بالك إذن بالوحشية وسفك دماء الأبرياء المسالمين في دور العبادة؟