كشف عن أنّ وكالة المخابرات الأمريكية علمت بالبرنامج النووي لتل أبيب عام 1961 الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير أندراوس:
يعتبر المؤرخ النووي الاسرائيلي، أفنير كوهين، الذي يعيش بالولايات المتحدة الأمريكية، ويُدرس في جامعة ميريلاند، الابن الضال في كل ما يتعلق بالترسانة النووية التي تملكها الدولة العبرية، فعلاوة على كونه مرجعية في قضايا الأسلحة النووية في اسرائيل، فقد دعا الدولة العبرية الى التخلي عن سياسة الغموض النووي التي تتبعها حيال برنامجها النووي والاعلان عن نفسها بوصفها سادس قوة نووية في العالم لأن في ذلك مصلحة لاسرائيل نفسها، على حد تعبيره.
جدير بالذكر أنّ كتابه (اسرائيل والقنبلة) أثار عاصفة من ردود الفعل في الدولة العبرية، وباشرت الشرطة بالتحقيق في القضية، الأمر الذي دفعه الى البقاء في أمريكا خشية اعتقاله لدى عودته الى تل أبيب بتهمة الكشف عن الأسرار النووية للدولة العبرية، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ففي كتابه الأخير (أسوأ سر) الذي صدر بالانكليزية، ومن ثم تُرجم الى اللغة العبرية يقول الدكتور كوهين انّ الوقت حان بالنسبة لاسرائيل كي تعلن عن أسلحتها النووية.
وذكر أنه في حين ينظر الى اسرائيل بوصفها سادس قوة نووية في العالم، بامتلاكها ما يرجح أنه مئات من الرؤوس الذرية، فانها لم تعترف قط بامتلاكها أسلحة نووية. وهذا الغموض، في ظل رفض اسرائيل تكذيب التقارير التي تتحدث عن ترسانتها النووية، سمح للدولة الصغيرة أن تمتلك القوة وأن تردع أعداءها بدون ضغوط وتمحيص من المجتمع الدولي تأتي في ظل برنامج نووي أكثر شفافية عما عند اسرائيل، على حد قوله.
وبحسب المصادر فانّه في مجتمع تقبل ثقافته مناقشة أشد القضايا حساسية على صفحات الجرائد وفي الشوارع، فان البرنامج النووي وسياسة الغموض ربما يكونان آخر ما تبقى من المحرمات في المجتمع الاسرائيلي، وبحسب المصادر عينها فانّ الاستثناء الوحيد من ذلك هو كوهين الذي تقول انّه حين يطالب اسرائيل بالمجاهرة بامتلاك السلاح النووي ليس سلاميا، لافتة الى أنّه يعتقد أن الأسلحة النووية منحت اسرائيل بوليصة تأمين هي في أمس الحاجة اليها ضد وقوع صدمة هولوكوست (محرقة) ثانية.
ويعترف كوهين بأن سياسة الخداع والغموض أفادت اسرائيل افادة كبيرة خصوصا السماح للولايات المتحدة أن تسلم بالواقع الاسرائيلي دون أن تقوض علاقاتها مع العرب أو مساعيها لمنع الانتشار النووي في أي مكان.
لكن بموازاة ذلك، يرى المؤرخ النووي كوهين أنّ اسرائيل دفعت ثمنا فادحا من ديمقراطيتها جراء سياسة الغموض النووي، فالمؤسسات التي تشرف على الأسلحة النووية أشد سرية من الموساد (جهاز المخابرات الخارجية الاسرائيلي) ولا يحكمها أي قانون، كما أنّ الرقابة العسكرية سحقت أي نقاش عام بشأن كل جوانب البرنامج النووي تقريبا. وقال: ان الاسرائيليين لا يعرفون أي شيء تقريبا عن كيفية تدشين هذا البرنامج النووي، ولا أين تخزن القنابل النووية، وما اذا كان قادتهم فكروا قط في استعمالها، وهم يركنون الى عدم السؤال عن ذلك أيضا.
جدير بالذكر أن الرقيب العسكري في اسرائيل منع كتاب كوهين، (اسرائيل والقنبلة) الذي ألفه منذ عشر سنوات عن ذات الموضوع عرضه لفترة اعتقال قصيرة، ولكنّ المؤرخ واصل عملية النشر، وما زالت صحيفة ‘هآرتس’ العبرية تنشر مقالات الرأي التي يكتبها كوهين، والتي تشمل القضايا النووية، وكذلك الهجوم على عمليات الرقابة العسكرية التي منعت مؤخرًا عرض فيلم وثائقي عن تقني الذرة الاسرائيلي، مردخاي فعنونو، بحجة أنّه يشمل معلومات تمس بأمن الدولة العبريةجدير بالذكر أنّ كتاب (أسوأ سر) يشمل الكثير من التفاصيل المثيرة التي استقاها كوهين من مواد أرشيفية جمعها من مقابلات مع عناصر رئيسة في البرنامج النووي الاسرائيلي ذات أسماء غير مألوفة في الغالب حتى بالنسبة للاسرائيليين أنفسهم، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، يقول كوهين انّ اسرائيل كان لديها خطة طوارئ قبيل اندلاع حرب 1967 لاظهار القدرة النووية لاسرائيل عن طريق تفجير جهاز في بقعة صحراوية نائية كاستعراض قوة أمام الجانب العربي، كما أنه يصف تصميم واشنطن في أواخر الستينيات على انضمام اسرائيل الى معاهدة منع الانتشار النووي ثم المهلة التي منحها اياها الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون. وكشف أنه في اجتماع اقتصر عليهما فقط في 1969، اتفق نيسكون ورئيسة وزراء اسرائيل غولدا مائير على شروط الغموض وهي أنه في مقابل الموافقة الضمنية لأمريكا على امتلاك اسرائيل سلاحا نوويا، لن تقوم اسرائيل باختبار سلاحها النووي ولن تعلن عن امتلاكها له. والآن بعد مرور أكثر من 40 عاما، يشكل سعي ايران لامتلاك أسلحة نووية، بحسب المؤرخ كوهين، أكبر تحد لسياسة الغموض. ويرى كوهين أن الحاجة الى ردع ايران النووية لا يستلزم من اسرائيل الا أن تعلن قدراتها النووية وأن تتحدث علانية عن الخطوط الحمراء وخيارها في الضربة الثانية وقدرتها على شن هجوم مضاد من الغواصات حتى لو تعرضت لهجوم نووي دمر الدولة العبرية، بالاضافة الى ذلك، يعتقد أنّه حتى بدون ايران نووية، فقد حازت اسرائيل على حق الاعتراف بها عضوا في النادي النووي، لافتا الى أنّ الظروف تغيرت منذ بدأت اسرائيل انتاج سلاحها النووي في الستينيات ومن ثم يتعين أن يتغير معها أيضا مساومتها بالقنبلة، على حد تعبيره.
ولفت موقع صحيفة (يديعوت أحرونوت) على الانترنت الى أنّ كتاب المؤرخ كوهين، الذي جاء تحت عنوان (الطابو الأخير)، يكشف النقاب عن أنّ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أعدّت في العام 1961 تقريرًا رفعته الى المستوى السياسي جاء فيه أنّ اسرائيل ستصل الى القنبلة النووية في العام 1965 أو 1966، ولم تفعل الادارة الأمريكية شيئا من أجل منع تل أبيب من الوصول على القنبلة، وزاد الموقع قائلاً انّه في بداية الستينيات من القرن الماضي، جاء في كتاب كوهين، الذي اعتمد على وثائق سرية لوكالة المخابرات المركزية، والتي سُمح بنشرها، كانت هناك ثلاث دول نووية: أمريكا، الاتحاد السوفييتي وبريطانيا، كما أنّ ثلاث دول أخرى انضمت الى النادي النووي: فرنسا والصين بشكل علني واسرائيل بشكل ضبابي، كما جاء أنّ تكلفة البرنامج النووي الصغير، في ذلك الحين، وصلت الى مليار دولار.