الحدث ليس غير الوسيط المتبل باثارة الكشف عن الخصوصيات والاسرار:
احمد القصواريلاحظ المتتبع لبعض التلفزيونات العربية، لاسيما المصرية واللبنانية منها، بروز موجة من البرامج الحوارية التي تتخذ من التلفزيون وصناعه موضوعا لها، من خلال الوضع الاعتباري للضيوف الذين ينتمون لعالم التلفزيون. وهذا ما يؤكد انخراط التلفزيونات العربية في آليات ومظاهر الإعلام ما بعد الحداثي، حيث تنتفي الرسالة أو الوظيفة أو الغاية ويصبح الوسيط هو الحدث، مع ما تتطلبه من توابل المسرحة والإثارة والإبهار والبحث الدائم عن المثير والصادم والكاشف للخصوصيات و’الأسرار’ الفردية للفاعلين والمهنيين المرتبطين بالوسيط.
لقد اختلقت الفضائيات العربية تصورات برامج حوارية وبرمجتها في شبكاتها منذ مدة، إلا أنها زادت من حدة الحضور في برامج رمضان المنصرم (برامج: حوار صريح جدا، السؤال الأصعب، أنا، الجريئة والمشاغبون، دارك، بدون رقابة…). وغالبا ما تستضيف البرامج فاعلين إعلاميين يعتبرون نجوما للشاشة الصغيرة، أو صحافيين مثيرين للجدل، أو فنانين مسرحيين أو نجوم المسلسلات التلفزيونية أو الأفلام السينمائية.. ممن يؤثثون تلك القنوات أو يشتغلون بها أو تعرض انتاجاتهم في شبكات برامجها، أو نجوم الغناء الذين لا يتحدثون عن ‘حدثهم الفني’ بقدر ما يتحدثون عن حضوهم أو غيابهم عن التلفزيون أو الوسط الفني أو خصوماتهم وخلافاتهم أو مغامراتهم وزيجاتهم وطلاقهم وعلاقاتهم الأسرية والإنسانية وسفرياتهم وأذواقهم وطفولتهم، الخ (يحدث أن ينشط ممثل برنامجا حواريا يستضيف ممثلين، ثم يحضر في سلسلة يمثل فيها). ولعل أكثر ما يبعث على الدفع بفكرة التغذية الذاتية داخل التلفزيون هو أن يصل الوسيط حدا مفارقا، حيث يتحول منشط برنامج حواري معين في قناة معينة إلى ضيف في برنامج حواري آخر في قناة أخرى أو في نفس القناة (مجدي الجلاد، محمود سعد، عمرو الليثي..). هكذا، يبلغ التلفزيون حدا فائقا من التغذية الذاتية والتوالد الذاتي الداخلي، بالشكل الذي يختفي فيه العالم ويتحول التلفزيون إلى جهاز ضخم ينتج نفسه بنفسه من دون الحاجة إلى طاقة خارجية من صميم الواقع الحقيقي المصري أو اللبناني أو العربي عامة. هنا، استحضر أطروحة المفكر الكبير جون بودريار حول اختفاء وموت الواقع التي تتخذ في الإعلام الشكل التالي: لم يعد الإعلام (التلفزيوني بالخصوص) يعود إلى الحدث أو الواقعة، وإنما يقوم بالترويج لنفسه كحدث. والملاحظ أن البرامج الجديدة ذهبت إلى أقصى حد في الإثارة والمسرحة عبر الخروج من نمطية الحوار الكلاسيكي (سؤال/ جواب) من خلال توزيع البرنامج إلى فقرات و’محطات’ وكتابة الأسئلة في الشاشات المؤثثة للأستوديو، أو ترك الضيف ‘وحيدا’ في استوديو مغلق، وسؤاله من وراء حجاب. كما تنزاح هذه البرامج عن الأسئلة ‘الروتينية’ أو ‘الجادة’ لتفتح المجال للبوح والكشف وتقديم الذات وإظهار الخصوصيات والمواقف الإنسانية واستعراض الدروس والعبر وحصيلة الصداقات والعداوات والخيانات والاحباطات والآمال والآلام والأحلام واللحظات المفرحة أو المحزنة، وغيرها من الموضوعات والمحاور التي تصنف في سجل الما هو عاطفي وحميمي وشخصي.
وعلى صعيد الإخراج التلفزيوني، ولى الزمن الذي كانت فيه الكاميرا ‘مسمرة’ على وجهي الصحافي والضيف. صار الأستوديو عالما مصغرا اقرب إلى خشبة المسرح المعاصر أو بلاتوه تصوير فيلم، منه إلى استوديو تلفزيوني كلاسيكي: تحضر الألوان المنسجمة والإضاءة المتنوعة والمتغيرة بتغير الأسئلة والفقرات، مثلما تدخل على الخط الأصوات والموسيقى المصاحبة أو ‘المكسرة’ للأجوبة والأسئلة. كما تحضر التقنيات الجديدة حيث يطلب مثلا من الضيف أن يضغط على هذا الزر أو ذاك لاختيار ‘السؤال الأصعب’ أو قراءة السؤال على الشاشة أو كتابة الجواب على سؤال أخير (بدل الإجابة شفويا، كما يفترض في برنامج سمعي بصري ‘كلاسيكي’). وفي برامج أخرى، يتحول الحوار إلى ‘امتحان’ ينقد فيه الضيف نفسه بنفسه (التقييم الذاتي الموازي والمؤكد للتغذية الذاتية التلفزيونية) في ختام كل محور أو موضوعة من موضوعات الحوار التي تركز أساسا على التجربة ودروس الحياة وتحقيق الذات والرضا والإشباع ودروب الحياة الشخصية.
وعلى صعيد التقديم والتنشيط، بدأت تظهر معالم ‘نجوم الحوار’ الذين صاروا ‘علامة تجارية’ تتصف بالجرأة والبحث عن الحقيقة ودفع الضيف إلى كشف معلومات جديدة وإضاءة جوانب خفية من حياته الشخصية، أو المهنية. وفي بعض الحالات يصبح المنشط هو النجم حيث يتحدث ويقاطع ويبدي الرأي وينتقد وينزعج ويصوب.. فيما قد يظهر الضيف في حيرة من أمره أمام ‘قوة وجبروت’ المنشط – المقدم أو المنشطة – المقدمة. وفي لعبة داخلية لتبادل الأدوار والخدمات، يتحول المقدم هنا إلى ضيف هناك، لدرجة أن الوضع الاعتباري لبعضهم يصير متحركا بين الصحافة والفن والاستشارة، كما يتحول المنشط الذي يفترض أن يقوم بدور الوسيط إلى حدث أو موضوع يتطرق له الوسيط التلفزيوني. من ثم يصير التلفزيون عامة والبرامج الحوارية خاصة عالما مصغرا شبه مغلق ومكتفيا بذاته؛ حيث يقتات ‘بأخبار’ و’حياة’ و’تجارب’ فاعليه من صحافيين وممثلين ومخرجين ومطربين… يشتغلون كلهم في صناعة الانتاجات التلفزيونية.
تأسيسا على ما تقدم، تنعدم الوظيفة الإعلامية الإخبارية أو التثقيفية (المنبثقة من الحداثة وآثارها على الوسائط الحديثة) لتصبح الوظيفة الترفيهية (في شكلها ما بعد الحداثي الفائق والقاتل للرسالة الإعلامية) سيدة الموقف. لذلك، تتخذ هذه البرامج الحوارية أشكالا فرجوية استعراضية ينتفي فيها المعنى والحدث والوظيفة والغاية والهدف، مقابل سطوة المشهد والإدهاش والإبهار وكشف المستور والأخطاء واستعراض الحياة الخاصة، في جوقة كبيرة تنسجها فقرات اشهارية لا أول لها ولا آخر. من ثم تساهم هذه الموجة المتصاعدة من البرامج والمستنسخة هنا وهناك في تكريس وإعادة إنتاج الخواء الذي تبثه الأغلبية الساحقة من الفضائيات العربية. غير أنها وصلت الآن درجة متقدمة بفضل تعزيز الانفصال عن العالم والانخراط الإرادي في التغذية الذاتية والتوالد الذاتي.
ذلك أن التبئير على ‘قضايا’ الإعلاميين والفنانين والمحسوبين على التلفزيون سيحول التلفزيونات العربية رويدا رويدا إلى آلة/ شاشة كبرى تحجب العالم بشكل ما بعد حداثي يفوق كل أساليب الدعاية والتضليل الكلاسيكية (أكاد أقول الحداثية). ومرد ذلك الى المساهمة الإستراتيجية لهذه التصورات البرنامجية في توسيع الهوة بين الوسيط والجمهور والعالم الحقيقي بتعقيداته ورهاناته. يغدو العالم التلفزيوني هو العالم.
يختفي العالم ويتغذى التلفزيون من التلفزيون ومن اجل صناع التلفزيون. ذلك أن السعي الحثيث لإظهار ‘شفافية مطلقة’ للفاعلين التلفزيونيين يخفي فراغا مطلقا في طاقة اشتغال الوسيط التلفزيوني الذي يشبه كائنا حيا توقف تنفسه ومات. ان يعيش التلفزيون بالتلفزيون. هذا إنذار بالمجاعة التلفزيونية التي تبسط سلطانها تدريجيا، حتى انه صار يأكل من جسده. إنها إحدى اكبر علامات ما بعد الحداثة التلفزيونية في الفضائيات العربية.
كاتب من المغرب