بيروت ـ (رويترز) ـ من جورج جحا: الكتاب الصغير الذي وزع أخيرا بعد وفاة العلامة السيد محمد حسين فضل الله لم يحتو على آراء وأقوال لم تعرف عنه في معانيها العامة لكنه جاء هنا اذ يوثق ويذكر بكثير من المحتوى الفكري والفهم الديني والانفتاح الذي عرف عن الراحل الكبير.
ومن الأقوال العديدة للسيد فضل الله التي سجلت في الكتاب ما تناول العلاقات الإنسانية والعلاقات بين الشعوب والدول وبين الأديان وآراء له في فهم الدين وانعكاسات هذا الفهم على التصرف البشري للفرد والجماعة. ودعا السيد فضل الله المسؤولين الايرانيين إلى أن ينفتحوا على الواقع الاسلامي كله. وفي ما يشكل نقطة التقاء بين الأديان والأفكار السياسية والاجتماعية المختلفة قال السيد فضل الله ردا على سؤال ‘إنني أومن بحقيقة وهي أن عليك أن تحب الذين يخاصمونك لتهديهم وتحب الذين يوافقونك لتتعاون معهم وإنني أحب الذين ألتقي بهم لأتعاون معهم على البر والتقوى وأحب الذين اختلف معهم لأتعاون معهم في الحوار من أجل الحقيقة.’وعنوان الكتاب هو ‘أيها الاحبّة’ وجاء في 63 صفحة متوسطة القطع ووزعته صحيفة ‘السفير’ اللبنانية هدية منها إلى القراء.
وكتب مقدمة الكتاب السيد جعفر حسين فضل الله وتحدث في ما تحدث عن مواده التي وردت في شكل حوار وامتدت على مدة من الزمن أقدمها يعود إلى سنة 2000. وقال العلامة الراحل ‘إن الحياة لا تحمل الحقد. الحقد موت والمحبة حياة وأنا أريد أن أحيا ولا أريد الموت.’وردا على سؤال عما إذا كان قد استطاع فعلا أن يحب من حقد عليه قال ‘إنني استطيع أن أقول إنني لا احقد عليه وربما يتحول هذا اللاحقد إلى شيء من المحبة العقلية: أن يبتعد هذا الانسان عما هو فيه من خطأ أو ينطلق عما هو فيه من تخلف.’وقال في مجال آخر وفي ما يعكس ما آمن به من آراء فلسفية وصوفية انه يعتقد ان الانسان اذا فكر بانسانيته او بفطرته فانه يلتقي بالحقيقة ويلتقي بالانسان الاخر ويملك ان يحاور الانسان الاخر وان يتعاون معه.’لذلك ان المشكلة في كثير من الناس انهم يعيشون الركام الذي يجتمع فوق الانسانية مما يجمعه الانسان من اطماعه واحقاده ومن الامور الضيقة التي يعيش فيها. مشكلتنا اليوم هي هذا الركام المتخلف في احجاره وفي تعقيداته الذي يطبق على الفطرة فيحجبها عن الانفتاح على الله والحقيقة.’ وتحت عنوان هو (كلمات ووصايا) وبالنسبة إلى ‘القيادة في الجمهورية الاسلامية الايرانية’ قال السيد فضل الله ‘انني اقول لهم ـ اذا كنت في موقع الوصية لهم ـ ان عليهم ان ينفتحوا على الواقع الاسلامي كله باعتبار انهم يضعون انفسهم في موقع القيادة للمسلمين وهم يعلمون ـ ونحن نعلم ـ ان موقع القيادة للمسلمين لا بدّ ان ينظر الى المسلمين بعينين مفتوحتين لا أن ينظر لهذا بعين تختلف عن العين التي ينظر بها لذاك.’وبالنسبة إلى العالم الاسلامي قال العلامة الراحل ‘إنني أوصي ـ إذا كان من حقي أن أطلق الوصاياـ العالم الاسلامي أن يحافظ على معنى الاسلام في عالميته: أن يكون عالما اسلاميا يحمل الفكر الاسلامي إلى الناس ويحمل المحبة الاسلامية إلى الانسان ويحمل المسؤولية الكبرى في كل القضايا التي تتصل بالحياة من اجل ‘أسلمة الحياة’ في الخط الأصيل للإسلام الذي يؤكد الوعي ويؤكد الانفتاح. أوصي بان يتخفف من كل أثقال التخلف ومن كل أثقال الجهل ومن كل أثقال التمزق.
أوصي العالم الاسلامي بأن لا يجعل من الاختلاف المذهبي وسيلة من وسائل إسقاط الأخوة الإسلامية بل أن يواجه الاختلاف المذهبي كحالة تنوع ثقافية تتنوع فيها الأفكار وتختلف فيها وجهات النظر ليكون الحوار هو الأساس في حل هذه المشاكل… وذلك بأن نخلص لما قاله الله فلا نتعصب للخطأ إذا عشنا فيه بل أن ننطلق مع الله والرسول بكل فكر منفتح وبكل فهم واع وبكل موقف مسؤول..’وبالنسبة إلى الحركات الاسلامية قال السيد فضل الله الذي اعتبر في حياته مرشدا روحيا للحركة الاسلامية ‘إن على الحركات الاسلامية أن تعيش معنى الحركة الإسلامية في كل مواقعها وأن لا تتجمد في مذهبياتها وإقليمياتها بل أن تعمل جاهدة من أجل الحركة الإسلامية الواحدة ومن أجل القضايا الإسلامية الموحدة.’أما بالنسبة إلى أهل الكتاب وبشكل خاص المسيحيين فقد استشهد السيد فضل الله بعدة آيات قرآنية وقال ‘إننا نلتقي بالله لأننا لا نختلف معكم به وإن كنا نختلف معكم في شخصية هذا الإله.. وإن ما نلتقي عليه في الواقع الحياتي الانساني فيما هي القيم الروحية والأخلاقية في الخطوط العامة للقيمة الدينية قد يصل إلى ثمانين بالمئة فليس هناك صدق مسيحي يختلف عن صدق إسلامي وليس هناك عفة مسيحية تختلف عن عفة إسلامية وهكذا.. تعالوا لنلتقي على الكلمة السواء في الايمان بالله الواحد وفي مواجهة الاستكبار العالمي الذي يحاول فيه المستكبرون أن يجعلوا انفسهم أربابا للناس من خلال طريقتهم وخطوطهم الفكرية والسياسية والاجتماعية وما إلى ذلك…’اما عن اليهود فقال ‘وأما الحوار الاسلامي اليهودي فمشكلتنا مع اليهود هي مشكلة ‘إسرائيل’ لان اليهود في العالم بشكل عام ـ مع بعض التحفظات ـ يلتزمون ‘إسرائيل’ جملة وتفصيلا. لذلك نحن نقف أمام قوله تعالى ‘ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي احسن إلا الذين ظلموا منهم’.’إن مشكلة اليهود أنهم ـ بلحاظ الدائرة الاسرائيلية التي يلتقون عليها ـ دائما كانوا ظالمين ومن الصعب جدا أن تحاور الظالم لأن الظالم يريد أن يفرض عليك بوسائل القوة ولا يريد أن يدخل معك في حوار.’السيد فضل الله الذي توفي قبل حوالى سنة والذي تعرض لمحاولات اغتيال أدى بعضها إلى سقوط عشرات بين قتلى وجرحى سئل عن لحظة الاقتراب من الموت وذلك إثر نوبة قلبية أصيب بها سنة 2006 فقال ‘لقد عشت هذه اللحظات في حياتي في أكثر من محاولة اغتيال وقد عشتها في الحالة المرضية الاخيرة كما عشتها في أيام القصف (الاسرائيلي) المجنون الذي كان يهز المنطقة التي أعيش فيها ويقترب من البيت الذي اسكنه كنت اشعر بالاستسلام للقدر القادم لانني في كل حياتي كنت اعيش ذلك.’وقيل له لو قدر لك ان تلقي كلمة في الحفل التأبيني الذي يقام لك عند الوفاة فما الذي كنت تقوله؟
فاجاب “من الممكن أن أقول: إن هذا الإنسان عاش حياته منفتحا على الرسالة منذ أن فتح عينيه على الحياة وعمل على أن يتحرك في خطوطها.. وعانى وتألم في درب الرسالة وكان يحاول أن يكون صادقا وأن يكون مخلصا وربما كانت النفس الأمارة بالسوء تأخذ عليه ما يأمله لكنه أكمل الرسالة بحسب طاقته…”