اسماعيل القاسمي الحسني’بداية أنبه الى أن تناولي لمثل هذه المواضيع التي ترتبط بشكل مباشر بالمؤسسات السيادية للجزائر، لا علاقة له بالأشخاص، وأرفض كذلك بشكل قاطع وصفي بالمعارض، لسبب بسيط هو أني أنا ‘المواطن’ ما يعني أنا الأصل، ومن يخالف مصالحي هو المعارض حتى وإن كان رئيس الجمهورية ذاته أو قائد الجيش، ذلك أن كل السلطات تستمد نظريا وموضوعيا شرعية وجودها من خدمتي، فهي التي تعارض أو تنسجم ولن يكون أبدا المواطن معارضا لذاته، ثم الموضوع لا علاقة له بالأشخاص ولكن بالفكر والمنطق، وإنما هم أدوات تعبير استدل على وجوده واقعا بأحداث جرت على أيديهم موثقة لا غير. المهم، عقب محاضرة ألقاها الجنرال (عرف بالبلاغة وتمكنه من مخارج حروف اللغة العربية) كان موضوعها دور الجيش الوطني في بناء الدولة الحديثة، شرع الضباط في طرح أسئلتهم، كان من بينهم سؤال لافت وغاية في الأهمية: متى يستلم الشباب المشعل؟ أجاب حضرة الجنرال على كل الأسئلة، وعن قصد ترك الإجابة عن هذا السؤال للختام، جاء مضمونها نحن (يقصد جيلهم) من أوقد مشعل الثورة ولن نسلمه لأحد حتى نموت؛ يبدو أن الجنرال أصاب من الناحية العملية في ما يتعلق بالنصف الثاني من الإجابة ‘لن نسلم المشعل حتى نموت’؛ وهذا الطرح تؤمن به معظم القيادات السياسية والعسكرية الجزائرية، دليل ذلك تصريحات قائد الجيش السابق، وكذلك رئيس حكومة أسبق كان الداعي والمروج لانقلاب عام 92، حسب تصريحاته الموثقة، وإن كان مؤخرا اعترف بأنه أخطأ التقدير، ودخل البلد جراء ذلك نفقا لا يعلمون مخرجه ولا إلى أين سينتهي، ملخصا تقديره لواقع اليوم بالكارثي، كما صرح كذلك بذات التصور رئيس مجلس الدولة السابق، الذي تولى بعد عملية اغتيال الرئيس محمد بوضياف؛ القصد أن هذا الجيل بسياسييه وعسكرييه مؤمن بأنه هو من أشعل الثورة ولن يسلم قبسها حتى الموت.
هذا عن التصريحات، أما الواقع فيترجم هذا الاعتقاد بشكل سافر لا يحتاج لاستدلال، فكل رؤساء الجزائر من بعد انقلاب 92 كانوا في عقدهم السابع حين تولوا مهامهم، واليوم يتولى الرئاسة من دخل العقد الثامن، مع ما يرافق ذلك ما تقتضيه السنن الكونية، من عجز وأمراض مزمنة، وفقدان ذاكرة وغيرها، وينسحب الأمر على رئاسة كل المؤسسات، فمن مجلس الأمة إلى البرلمان وحتى المؤسسة العسكرية والأمنية ووزارة الداخلية، كلها تحت يد رجال في العقد الثامن، والمفارقة هنا أن المجتمع الجزائري تشكل طبقة الشباب فيه ما يزيد عن 60′. من المعيب حقا أن نرى الولايات المتحدة الدولة العظمى، وهي تمثل في مشاكلها وحجم مسؤولياتها آلاف اضعاف ما تمثله مسؤوليات الجزائر، يقودها رجال من بيل كلينتون إلى بوش إلى اوباما في العقد الخامس من أعمارهم، كلهم حيوية ونشاط وهمة، وكذلك بريطانيا وفرنسا واسبانيا، والغريب أن مجتمعات هؤلاء تنخفض فيها نسبة الشباب بشكل لافت؛ لكن دعونا من هذه المقارنة ولنعد لواقعنا، ومنه نناقش هذا الطرح المستهجن والذي يقع أصحابه في تناقض مشين.1- الواقع يؤكد أن أصحاب هذا الطرح، من رئيس الجمهورية فما دونه، هم أنفسهم تحملوا مسؤولية الدولة في سن الشباب، حتى الرئيس الهواري بومديدن كان في منتصف عقده الرابع، وكل المسؤولين معه حينها لم يتجاوزوا تلكم السن، بل من المضحكات المبكيات في آن، أن رئيس الجمهورية الحالي تولى حقيبة وزارة الخارجية ولما يبلغ الثلاثين من العمر، وكان وزيرا قبلها وهو في أوائل العشرينيات، نفس الأمر ينسحب على القيادات العليا للجيش، فأعضاء مجلس الثورة مثلا معظمهم في العقد الثالث والرابع، والسؤال هنا لهؤلاء السادة: كيف تحرمون على أولادكم ما أحللتم لأنفسكم؟ طبعا سيقول البعض لم يكن لنا خيار مباشرة بعد الاستقلال. وهذه مغالطة فقد كانت هناك كفاءات عالية، منها ما همش ومنها ما هجر ومنها ما تمت تصفيته، سيعترفون: نعم أخذنا السلطة بقوة سواعدنا. وهل على جيل أبنائكم إن لم أقل أحفادكم الآن أن يفعل ذات الشيء، يعني تدفعونه بالقوة لإحداث انقلاب على جيلكم! هذه منتهى الحماقة والسفه.2- إذا كانت ثورة التحرير هي المستند الشرعي بزعم هذا الجيل للعض على السلطة بالنواجذ حتى الموت، فهل على الجيل التالي صناعة ثورة أخرى يستند إليها لتشريع وصوله للسلطة؟ هذا يعد ضربا من الجنون؛ ثم ألم يكن زعم هؤلاء القوم حين اختطفوا السلطة من الشعب أنهم يسعون لبناء جيل من العلماء والمفكرين، حدث هذا عام 1962 يعني منذ 48 سنة؛ وها هي الجزائر اليوم تفيض بمئات الآلاف من العقول الخلاقة، على علم وكفاءة عاليين (معظمهم بشكل عصامي)، أليس بعد هذه النتيجة التي تدعمها أرقام واقعية من المعيب أن نواجههم بالقول: لن نسلمكم المشعل حتى نموت؟ ألهذا الجواب أعددتموهم! لكن أعجب ما في هذا الموقف البليد، وأشد ملاحظة فيه غرابة، هو أن هؤلاء الذين يتحكمون في السلطة ويتبنون هذا الطرح الغبي، لا أحد منهم على الإطلاق أشعل الثورة، من أشعلها أول مرة معروفة أسماؤهم وعددهم، منهم من شرد ثم استشهد في زمن حكم هؤلاء محمد بوضياف 92، ومنهم من شرد، حسين آيت احمد ولازال إلى اليوم، ومنهم من قتل خارج الوطن وداخله، كل ذلك في ظل حكم هؤلاء الذين لم يكونوا سوى من عامة الشعب وسواده حين فجرت الثورة؛ وحتى إن فرضنا جدلا أنهم قادتها فمتى أصبح الواجب الوطني والديني شماعة تعلق عليها جرائم الاستبداد بالحكم والاستئثار به بغير وجه حق ورمي من يخالفهم الرأي في البحر؟ والنتيجة الخطيرة لهذه العقيدة المفلسة شعور أصحابها بأنهم الملاك الشرعيون لثروات البلد، ولهم مطلق الصلاحيات والحرية للتصرف فيها، حتى بلغ الأمر درجة استدعت من كبار الصحافيين المحققين في الغرب تأليف كتب موثقة بهذا الشأن، لعل من أهمها كتاب ‘violence de la rente p’troli’re ‘ ترجمته ‘وحشية سوء استعمال عائدات البترول’ لكاتبه لوي مارتناز يكشف وحشية العبث بثروات الشعب الجزائري بحجة الشرعية الثورية. هذا المنطق سفه يمشي على قدمين. وأختم مقالي بصورة كاريكاتورية تدعو للسخرية حقا، أعرف إطارات من مواليد الاستقلال من بلغ سن التقاعد وتقاعد فعلا برتبة عقيد، وقائد قطاعه في عقده الثامن لازال يمارس مهامه؛ لقد حرثوا حرث البعير كما يشبه ذلك الفلاحون عندنا، يحرث الجمل ثم يردم حرثه من دون زرع، لكن السؤال الخطير: إلى متى ينتظر هذا الجيل خروج الجيل السابق من دائرة الغباء المغلقة، أفعلا إلى الموت! يعني بعد خراب مالطا.’ فلاح جزائري[email protected]