رسائل من العراق عن الاحتلال ومسـخ الهوية

حجم الخط
0

خليل قانصو

قال صاحبي، وهو ليس استاذا في العلوم السياسية، ولا اعتقد انه اطلع على كتاب الأمير لمكيافيلي، او بحث في نظرية الجنرال الالماني كلوزويتز عن العلاقة بين الحرب والسياسة، إن الوطن يتحول ويتبدل في ظل الاحتلال. فلبنان في الراهن يختلف عن لبنان الذي كان قبل ان يغزوه الاسرائيليون في سنة 1982. والعراق لم يعد العراق نفسه منذ ان استولى الامريكيون عليه سنة 2003. ان ما جرى في هذين البلدين هو حدث حاسم وفاصل، يلغي امكانية التواصل بين مرحلة آتية من جهة ومرحلة سابقة من جهة ثانية. وبكلام اكثر وضوحا ان الاستعمار هو في جوهره اغتصاب وافتراس، ينبني عليه ان المستعمرين لا يهاجمون بلدا او يعتدون على شعب الا اذا ظهرت لهم مواطن ضعفه وبدت عليه علامات السقم. وما بالك اذا تبينوا ان حال الشراكة الوطنية فيه هي ضغثٌ على ابالة، او ان فئات هذا الشعب ليست متآلفة ومجتمعة، وان بعضها يقبل ان يكون شريكا ونصيرا للمستعمرين ضد بعضها الاخر. ينجم عنه، ان الوطن لا يتحرر ولا تنبعث الكينونة الوطنية الاصيلة والسليمة الا اذا استفاق سكانه من غفوتهم ووعوا ما هم عليه وأرسوا بينهم شراكة وطنية حقيقية، ترتكز دعائمها على الصدق والامانة والعدل. اما اذا تمادوا في ضلالهم، فان الدوائر تدور عليهم، طائفة تلو طائفة، وان مصير الوطن الى التقسيم والضياع. كلما كانت الفريسة اصغر كان افتراسها اسهل. لعلك تلاحظ ان سيرورة بقصد التحجيم تتواصل في بلاد العرب، من دون توقف، منذ ما يقارب القرن من الزمن. فاذا بالهوية العربية تضمر درجة بعد درجة، وكذلك المكان فانه يضيق يوما بعد يوم، وان هناك بالتلازم مع هذه السيرورة، سيرورة ثانية في اتجاه معاكس، تعطي الامريكي والاوروبي او الغربيين بوجه عام حق ادعاء الانتماء الى اسرائيل والاستيطان في فلسطين، متى واينما شاءوا. وباسم هذا الادعاء ودرءا لخطر محتمل على اسرائيل، غزت جيوشهم العراق وعاث مرتزقتهم فيه فسادا، فداهموا المنازل ليلا واعتدوا على الناس ونكلوا بهم. كما وضعوا لبنان تحت رقابتهم ثم راحوا يحكمون بين اللبنانيين، قياسا على موازينهم.

في البدء كانت العروبة هي المدماك الاساس. كان الناس والاقوام في المنطقة العربية على اختلاف اعراقهم ومعتقداتهم افرادا مدعوين الى الانضمام لحركة حضارية، الهدف منها البناء والتقدم والوجود. اما العروبة فقد كانت الركيزة والاطار لهذه الحركة، لذا استخدم المستعمرون كل الوسائل لحجبها خلف طبقة كثيفة من الضباب، حتى يتسنى لهم الهاء الناس وارباكهم بأقاويل تفرق وتباعد بينهم. وفي هذا السياق، يتوجب الاعتراف لهم، بانهم حققوا نجاحات كبيرة، اذ استطاعوا ان يوهمـوا الكثيرين بان الاحزاب السياسية العلمانية العربية تمثل خطرا على المعتقد الديني، وعلى سلامة المجتمعات وان هذا الخطر يتطلب مواجهة عاجلة، قبل ان يتفاقم ويستفحل، ايا كان الثمن والتضحيات، حتى لو ادى ذلك الى مهادنة المستعمرين مؤقتا، وتأجيل رسم خطط البناء والتنمية.

ولا جدال في ان 5 حزيران/يونيو 1967، هو ايضا تاريخ مفصلي. فابتداء منه اتخذت الامور بشكل واضح وجلي، منعطفا جديدا. لقد اظهرت الحرب القصيرة التي وقعت في حزيران/يونيو 1967، وهزيمة الانظمة العربية الوطنية المروعة، وتحديدا في مصر وسورية، الخلل الكبير في ميزان القوى بين دولة المستعمرين الاسرائيليين القائمة على مساحة محدودة والقليلة السكان من جهة، وبين مصر وسورية من جهة ثانية، وهو خلل لم يتمكن نظام الحكم العربي من اصلاحه فهو لم يرفض ان يتحمل مسؤولية الهزيمة التي مني بها والكارثة الوطنية التي تسبب بها وحسب، ولكنه حافظ ايضا على بنيته المتخلفة الموبوءة كوسيلة للمحافظة على نفسه وعلى سلطته ضد قوى المعارضة الداخلية. فكان طبيعيا اذا ان تـُشرّع الابوابُ امام المبعوثين الامريكيين والاوروبيين، اذ لم يبق امام انظمة الحكم العربية سوى المساومة املا بالوصول الى تسوية بينها وبين الاسرائيليين. لقد ساومت هذه الانظمة، وهي ماضية في المساومة رغم ضعفها، ولكن مطامع الاسرائيليين لا حدود لها. وليس مستبعدا ان عظم خطتهم وما قد تنزله من امور فادحة، جعلت هؤلاء الاسرائيليين يتريثون ويفضلون مهادنة (الانظمة)، مقابل اجبارها على التخلي عن الحقوق الوطنية درجة بعد درجة، ايقانا بانه ليس بمقدورها ان تحرك ساكنا، اعتراضا او ضغطا او ردعا. واغلب الظن انه لولا عدم الاطمئنان لرد فعل الجماهير العربية (رد فعل هذه الجماهير، على تدمير العراق كان ضعيفا)، والخوف من ‘انتفاضتها’ من جهة، ولولا الاصداء المحتملة وما يمكن ان تسببه من بلبلة على الصعيد الدولي، لقررالاسرائيليون فعل ما ينوون فعله دفعة واحدة. وما من شك ان هذا كله كان وراء عقد المؤتمرات، واجراء الحوارات، وتكرار حلقات المفاوضات، بين الفينة والاخرى، والعودة على بدء، وتغيير القواعد واستبدال الشروط. اما الغاية فهي بالقطع كسب الوقت حتى تعم الجهالة ويتحقق اضعاف شكيمة الجماهير العربية وكسر شوكتها وبث مشاعر اليأس في النفوس وارهاقها بالمماطلة واثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية. فتتفرق الصفوف وتتشظى المجتمعات، فبانتظار الصفقة الموعودة، صار الطرف العربي المفاوض و’المطبع’ مطالبا بان يلعب دورا كبيرا، بشكل مباشر تارة وغير مباشر تارة اخرى، في ترويض هذه الجماهير وابطال قدراتها على فهم ومقاومة ما يحيق بها من اخطار.

لقد ادى سلوك هذا النهج، كنتيحة من نتائج هزيمة حزيران/يونيو 1967، برعاية المبعوثين والوسطاء الدوليين، في المراحل الاولى الى زعزعة الثقة بالتضامن العربي والى التراجع عن مبدأ وحدة المصير. مما اتاح لنظام الملك الاردني في سنة 1970، فرصة ضرب فصائل المقاومة الفلسطينية وطردها. وفي لبنان شنت الطوائف والمذاهب، الواحدة تلو الاخرى، حروبا على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، كان اخرها الحرب على مخيم نهر البارد وهدمه. والحكومة الكويتية، ايضا، قامت بترحيل الفلسطينيين، الذين كانوا يعملون في الكويت، بعد ان حرر الامريكيون هذا البلد من ‘المحتلين العراقيين’، ثم حذا مجلس الحكم العراقي، برئاسة الحاكم الامريكي، بعد غزو العراق واحتلاله حذو الحكومة الكويتية، وامر بافراغ العراق من الفلسطينيين. وها هم سكان قطاع غزة محاصرون مقاطعون من الاخوة جماعة سلطة رام الله ومن النظام المصري ومن الاسرائيليين، في آن. ولا تسل عن ظروف العيش القاسية في جميع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. هذا غيض من فيض. فلقد بلغت ازدواجية الشخصية العربية في بعض الاوقات حد الانفصام التام. ولم يعد مستغربا ان تسمع من يقول بان الصراع مع الاسرائيليين هو صراع فلسطيني اسرائيلي، وليس صراعا عربيا اسرائيليا، وبناء عليه، يعتقد الذين يروّجون هذا الكلام، عن وعي او عن غير وعي، بان التنكر للفلسطينيين، او التخلص منهم، يزيل خطر المستعمرين الاسرائيليين عن شعوب المنطقة، ويـأتي بالسلام على الجميع. يلزم التذكير، اخيرا، بان الجامعة العربية التي هجرت القاهرة احتجاجا على مبادرة الرئيس المصري الى الصلح مع الاسرائيليين، هي غير الجامعة العربية التي عادت اليها، بعد منفاها التونسي. مثلما ان منظمة التحرير الفلسطينية، التي عرّجت على القاهرة وهي في طريقها الى المنفى التونسي، هي غير المنظمة التي كان مقاتلوها في وقت من الاوقات، في تلال العرقوب في جنوب لبنان.

وليس حظ الاسلاميين، الذين اختاروا المثال الديني، مصدرا يستوحونه نهجا في مواجهة امور هذه الدنيا وشؤونها، بافضل من العروبيين. يظهر ذلك من خلال حملات التشويه والتحريف والترجمات الكيفية التي تهدف الى النيل من الديانة الاسلامية والاساءة الى رموزها. وما من شك في ان الاخطاء التي يقع فيها هؤلاء الاسلاميون، وهي كثيرة، تغذي هذه الحملات وتمنحها مصداقية، لا تستحقها في اكثر الاحيان، اذ يجب ان لا ننسى انهم حاربوا في افغانستان وفي بلاد اخرى، الى جانب الولايات المتحدة الامريكية، قبل ان تنقلب عليهم او ينقلبوا عليها. ومن البديهي ان المثال الديني في السياسة، اصيب في الصميم نتيجة للتقاتل المذهبي في العراق، الذي يشابه في اوج حدته التطهير المذهبي، فضلا عن الفتنة المذهبية التي تتهدد اللبنانيين، في الراهن، والتي يمسك بفتيلها، جهارا نهارا، الامريكيون والفرنسيون. وليس من حاجة، في هذا المجال، الى الاطالة لتبيان النتائج السلبية لاقحام الدين في معترك السياسة والتسويات، فلولا تجربة المقاومة، في جنوب لبنان وفي قطاع غزة، وهي تجربة ايجابية، في المدى المنظور، ولكنها ليست بأي حال من الاحوال كافية في المراحل القادمة، لامكن القول والجزم، بان استخدام الدين في هذا المعترك كانت له عواقب وخيمة. فلا حرج على قائل بان الناس باتوا في حيرة من امر الوقائع التي تـفتعل باسم دينهم. ينبغي، في هذا السياق، ملاحظة العمل الدؤوب لكي يكتنف الغموض مراكز حفظ الدعوة المحمدية ونشرها. وفي هذا المجال تندرج على الارجح الفتاوى التي تنزل على الناس كالسيل الجارف، وظهور شيخ الازهـر امام الملأ وهو يصافح واحدا من اكبر مجرمي الحرب الاسرائيليين. واخيرا جاء دور الاوطان، عندما راحت المذاهب والطوائف والاعراق تتقاسم الفضاء الوطني في ما بينها. في البدء طال الفرز الطائفي في لبنان الاحياء والبلدات التي كان يسكنها المسيحيون والمسلمون معا، ثم ما لبث ان طال مؤسسات الدولة فأُلحق الموظفون، بالدوائر الحكومية الموجودة في المناطق، بحسب انتمائهم الطائفي. وبعد هذا برزت مسألة المذاهب. يحكى ان مؤسسات دينية اعتدت على حرج بيروت وهو ملكية عامة، فاقتطعت منه كل مؤسسة مساحة لها، تحت غطاء مشروع اقامة مسجد او مدرسة او توسيع مقبرة. كان حرج الصنوبر في بيروت هو الوطن. ومثلما انه لا يحق لاحد الادعاء، في هذه الدنيا، انه اصدق ايمانا من غيره، فلا جدال في ان عربا مسيحيين ناضلوا وما برحوا ساحة النضال بقصد استنهاض العرب واقناعهم بان اسرائيل ليست خطرا على الفلسطينيين وحدهم، وانما هي خطر عليهم ايضا، ولا خيار امامهم سوى التصدي لمقاومتها. واغلب الظن، ان العراق يختصّ في هذا الزمان بالعروبة. وبكلام اكثر وضوحا وصراحة، يتساءل المرء عن مبررات الهجوم ضد كنيسة كانت تعج بالمصلين. لقد طرد الفلسطينيون من العراق. وايا كانت الذرائع، فلا يخفى ان ما وراء ذلك هو الغاء الفلسطينيين وتبديدهم. هذا يعني ان شيئا ما تبدل وتغير في العلاقة التي تربط بين العراق وفلسطين والعروبة. يقول البعض ‘العراق اولا’، وهذه جملة تجد اليوم من يرددها في كل قطر عربي. ولكن من ذا الذي قرر وأمر بان على العراقيين المسيحيين ان يغادروا العراق؟ ما الذي تغيـّر وتبدّل؟ انه العراق. ان ما يصيب المسيحيين العراقيين هو ما اصاب اشجار الصنوبر في حرج بيروت، وهذا دليل جلي، على ان العروبة كانت توحد الناس، فكانوا يؤدون العبادات بتواضع ورصانة، ولا يهملون المعاملات في خدمة الصالح العام. ولكن ما ان خبا نور العروبة حتى صاروا اعرابا واحزابا، ‘ما يتعلقون من الاسلام الا باسمه ولا يعرفون من الايمان الا رسمه’. ان اعدام الرئيس العراقي، صبيحة عيد الاضحى كان رسالة موجهة الى المسلمين، وترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم كان رسالة الى العرب، اما قطع المسيحيين في العراق، واصدار حكم بالاعدام على طارق عزيز هما ما تضمنته الرسالة الى العراقيين.’ كاتب لبناني[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية