خضير بوقايلةعلاقات غريبة تسود البلدين الجارين الشقيقين الجمهورية الجزائرية والمملكة المغربية، حالة عجيبة لا أدري إن كان بالإمكان وصفها بالشذوذ الدبلوماسي وإضافة هذا المصطلح إلى معجم مصطلحات العلوم السياسية والعلاقات الدولية. دولتان مرتبطتان نظريا بعلاقات دبلوماسية عادية بل أكثر من عادية بقليل ومنضويتان تحت تجمع إقليمي مصغر هو اتحاد دول المغرب العربي، وخاضعتان في كثير من تعاملاتهما التجارية والمالية إلى اتفاقيات مشتركة خاصة، لكنهما في نفس الوقت تصران على إظهار حالة من العداء والعدوانية والخلاف والضرب تحت الحزام وتحت الطاولة. رسائل الحب والود لم تتوقف لا من هذا الاتجاه ولا من ذاك في نفس الوقت الذي يتراشق فيه الطرفان رسائل وخطابات العداء والبغضاء، وهذا ما أسميه العلاقات الدبلوماسية الشاذة والغريبة، والكلام هنا عن العلاقات الرسمية التي تتجلى في تصريحات ومراسلات المسؤولين الحكوميين بدءا من قائدي البلدين وانتهاء بآخر موظف مخول بالخوض في لغو السياسة والدبلوماسية، أما ما يجري بين شعبي البلدين وعلى رأسهم الإعلاميون والمثقفون فذلك شأن آخر، لكنه لا يخرج عن نطاق تلك القناة الكبيرة التي تلعب برؤوس هؤلاء وهؤلاء.
ولمن لا يعلم فإن أصل الخلاف بين الجارتين الشقيقتين حدودي ونفوذي، فالجزائر والمغرب لم ينعما منذ استقلالهما بحالة من الطمأنينة والاستقرار والسكينة في علاقاتهما في نفس الوقت الذي يحاول فيه النظامان الحاكمان الظهور بمظهر الأخ الذي لا يريد إلا الخير لشقيقه بينما هو يكيد له أفظع المكائد من وراء الستار، ولعل أصدق قول ينطبق على هذه الحالة هو بيت الشعر القائل (يريك من طرف اللسان حلاوة.. ويروغ منك كما يروغ الثعلب). أما ظاهر الخلاف والعداء فكان قضية الصحراء الغربية التي أراد المغرب أن يضمها إلى مملكته بعد أن تخلى عنها المستعمر الإسباني سنة 1975، بينما تصر الجزائر على أن تلك الأرض يجب أن تتبع كيانا جديدا هو الجمهورية الصحراوية، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نعيش حالة توتر وقلق محتارين بين أن نعتبر أنفسنا في المغرب والجزائر شعبين شقيقين يربطهما التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك وما إلى ذلك من الشعارات التي حفّظونا إياها عن ظهر قلب، وبين أن يصنف كل منا الآخر في خانة الخصم والعدو اللدود وما إلى ذلك من الأوصاف التي علّمونا كيف نخزّنها في لاشعورنا العام.
ولعل الكثيرين من الأشقاء في الجزائر والمغرب يتفقون على أن حالات أو مراحل التباغض والتجافي تطغى على فترات الود والتصافي التي زالت تقريبا من سماء المنطقة منذ بداية التسعينات. فالجزائر رفعت لواء البوليساريو والدعم المطلق لقضية الصحراء الغربية وخاضت بها حربها الدبلوماسية ضد المملكة المغربية الشقيقة، والمغرب من جهته حمل نفس القضية عنوانا لتهجمه على الجزائر التي تعبث بالوحدة الترابية المغربية من خلال إيوائها ونصرتها (للانفصاليين) الصحراويين، ولا دليل في الأفق يبشر بقرب حل هذا الخلاف المزمن، بل لعل ذلك يؤدي بنا إلى التشاؤم بنهاية غير سعيدة للدولتين المستقلتين الجارتين تماما كما انتهى الحال بدول المماليك في آخر أيام العصر الأندلسي، عندما انشغلت تلك الدويلات بالتقاتل والتناحر بينها بينما عدوها يستجمع أنفاسه وقوته حتى حاصر الجميع وقضى عليهم إلى غير رجعة، والاستعمار (بصيغة الجمع) الزاحف نحونا قد دك ديارنا ودخلها دون استئذان بينما نحن في غمرة العداوةء بيننا ساهون.
الأجواء التي سادت البلدين على وقع أحداث مخيم مدينة العيون الأخيرة ليست إلا جزءا ظاهرا من جبال البغضاء والشحناء التي يحملها كل أخ ضد أخيه الآخر، وهنا لا بد أن أشير إلى أن كثيرا من الذين يقرأون كلمة الأخ سيعلقون سرا أو جهرا قائلين إنها كلمة سوء لأنهم لا يرون في الطرف الآخر ما ينطبق عليه وصف الأخ، ولمن يشك في هذا عليه أن يتوقف قليلا عند ما يكتب من تعاليق في المنابر الإعلامية المختلفة وفي المنتديات ليرى كيف أن الجزائري أو المغربي لا يتورع عن وصف أخيه بأقبح الأوصاف وأرذلها، إلى درجة أن أصبح الجزائري في نظر أخيه المغربي والمغربي في عين شقيقه الجزائري أقبح وأشد عداء من الصهيوني الذي يعيث في بلاد فلسطين فسادا وعُلوّا.
هل القضية الصحراوية يستعصي حلها إلى هذا الحد؟ وهل دبلوماسيتا البلدين الشقيقين عاجزتان عن التوصل إلى حد أدنى من التفاهم من أجل إنهاء هذه المشكلة بطريقة حضارية قانونية وأخوية؟ أنا شخصيا أشك في ذلك، بل أرى أن النظامين وجدا في هذه الحكاية ملاذا آمنا لإلهاء الرأي العام عندهما بقضية ظاهرها وطني وسيادي ومصيري وصرف تفكيره عن القضايا المصيرية الهامة التي ترهن مستقبل البلدين والشعبين. الصحراء الغربية صارت فزاعة يلهو بها النظام الجزائري ونظيره المغربي وهما لا يتوانيان عن تأجيج نار الفتنة بينهما ليعمرا في الحكم من دون أن يهمهما إن كان شعباهما يحترقان ويذوبان وهما أيضا عالقان في شباك الفقر والفساد والجهل. والمصيبة أن هذه الفزاعة لم تبق حكرا بين أيدي النظامين الشقيقين، بل انتقلت عدوى هذه الفتنة إلى القوى الإقليمية والدولية الكبرى فوجدت فيها هي الأخرى ضالتها لتشجيع النظامين على التركيز على كل ما يؤخر ويوتر العلاقات بين الإخوة لتجني كثيرا ولأطول مدة ثمار التناحر والتسابق نحو التسلح والعداء والبغضاء.
لعل كل هذا معروف وكلام قديم بالنسبة لكثيرين، لكن الذي دفعني في الحقيقة إلى إثارة هذا الموضوع هو الرسالة العجيبة التي بعث بها الأربعاء الماضي فخامة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى أخيه وصديقه العاهل المغربي الملك محمد السادس، رسالة بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لعيد استقلال المغرب المجيد، أكد فيها حرصه على توثيق العلاقات والتضامن بين الشعبين الجزائري والمغربي، كما ورد. وقد جاءت بعد أسابيع قليلة من خطاب الملك محمد السادس الذي اتهم فيه الجزائر صراحة بالوقوف في وجه تحقيق المغرب وحدته الترابية بسبب دعمها للبوليساريو. وأيضا في خضم حملة حقودة ومريرة تشنها وسائل الإعلام هنا وهناك ضد هذا البلد وذاك، حملة أكتفي منها بالتذكير ببعض الأوصاف التي يطلقها تلفزيون الجزائر الحكومي والرسمي على النظام المغربي، حتى صرنا نسمع (قوات الاحتلال المغربي)، أو (العدو) المغربي، أو (المحتل المغربي)، وحديثي عن تلفزيون الجزائر فقط ليس تبرئة للتلفزيون المغربي بل لأن ذلك ما أتابعه وأهتم به. ففي كل يوم ومباشرة بعد انتهاء مقدم أو مقدمة نشرة الأخبار الرئيسية من قراءة الأخبار المحلية نجد أنفسنا أمام فضيحة جديدة عنوانها قضية الصحراء الغربية والمستهدف منها النظام المغربي، أي خبر مهما كان سخيفا أو مكررا فيه ما يغيظ حكام المملكة المغربية الشقيقة لا بد أن يجد له حيزا بعد الأخبار الوطنية مباشرة، ومع ذلك لا يجد فخامة الرئيس الجزائري أي حرج في أن يراسل أخاه هناك في بلد الاحتلال ويهنئه ويرطب أذنه بأعذب الكلام.
وليسمح لي القارئ الكريم لأعيد هنا أهم ما جاء في رسالة صاحب الفخامة إلى أخيه صاحب الجلالة لعل أحدا يساعدنا في فهم هذه الظاهرة الجديدة في تسيير العلاقات بين دولتين شقيقتين جارتين لكنهما متخاصمتان ومتباغضتان. يقول فخامته في رسالته التي تلى علينا مقدم نشرة أخبار التلفزيون الجزائري أهم مقاطعها في مقدمة كل الأخبار الوطنية: (يسعدني والشعب المغربي الشقيق يحيي الذكرى الـ55 لعيد استقلاله المجيد أن أعرب لجلالتكم باسم الجزائر حكومة وشعبا وأصالة عن نفسي عن أصدق التهاني، راجيا من الله العلي القدير أن يحفظكم وأفراد الأسرة الملكية الكرام ويديم عليكم نعمة الصحة والسعادة ويحقق على يدكم المزيد من الخير والرفاه لشعبكم الطموح الساعي دوما إلى التقدم والرقي)، ثم يضيف: (إننا في غمرة هذه المناسبة السعيدة نستحضر ما سجله التاريخ لشعبينا الشقيقين من صفحات مشرقة ومن تضحيات أثناء الكفاح المشترك من أجل انتزاع الحرية والاستقلال الوطني، ومن منطلق وفائنا لذلك التاريخ النضالي المشترك أجدد لكم ما يحدوني من حرص أكيد على توثيق العلاقات والتضامن بين الشعبين بإرساء الأسس التي تمكننا من بناء علاقات ثنائية جديرة بخدمة مصالحهما المشتركة، وإذ أجدد لجلالتكم ولأسرتكم الملكية الشريفة تهاني الصادقة، أسأل الله جلّت قدرته أن يشدّ أزرنا وينير سبيلنا ويوفقنا لما فيه خير بلدينا وشعبينا الشقيقين ويكلل جهودنا المخلصة بالنجاح في تحقيق ما تصبو إليه أجيالنا الحاضرة والآتية من مستقبل كله ازدهار ومنعة ورفاه). هل نقول آمين؟!’ كاتب وصحافي جزائري[email protected]