محمد منصور
من يتابع الكثير من برامج المحطات التلفزيونية اللبنانية، يجد أنها تتقدم لاهثة نحو خرق كل قواعد اللياقة الاجتماعية والآداب العامة التي تعارف عليها الناس في القول والتخاطب… وأستطيع أن أقول بلا أي مبالغة، ان بعض هذه المحطات تعيش اليوم عهد الإباحية اللفظية السافرة. وليس في هذا الوصف أي مبالغة أو تجن، فقد سئمت هذه المحطات على ما يبدو من تنظيم برامج ملكات الجمال التي تظهر فيها الفتيات الجميلات وهن يستعرضن مفاتهن أمام الكاميرات، والمحكمون وجمهور الأستوديو وتلصص الأشقاء العرب في بيوتهم، وربما سئمت أيضاً من برامج تلفزيون الواقع، التي يفترض أنها تكتشف المواهب الغنائية والاستعراضية فإذا بها تستعرض شبكة علاقات غرامية تشجع على صنعها بكل ما تحمله من توابع وإيحاءات لاهبة… كما تراجع هوسها بالقضايا الساخنة التي تجتر حمى الانحرافات الجنسية في برامج التوك شو، على اعتبار أن هذه القضايا يمكن أن تستعاد بين فترة وأخرى، لكنها لا يمكن أن تبقى دائمة الحضور في كل الأوقات.. ولهذا عمد القائمون على بعض المحطات اللبنانية على إطلاق نوع غير مسبوق في الفضاء التلفزيوني العربي، ألا وهو ظاهرة برامج النكات الجنسية والإباحية التي تتمحور على أقوال غاية في البذاءة، طرافتها تتناسب طرداً مع قدرتها على خدش الحياء العام، والولوج في مناطق ما تحت الحزام وما تحت الثياب!
لقد تريثت في الكتابة عن هذه النوعية من البرامج التي بدأتها قناة (أو تي في) قبل أشهر عديدة، لأنني اعتقدت أنها مجرد موجة طارئة ستضمحل سريعاً، وأن الذوق العام سيلفظها انطلاقاً من الصيغة العائلية لجهاز التلفزيون، لكن المفاجئ أن ما بدا موجة طارئة، تحول إلى ظاهرة شائعة تتأصل، وتقدم صورة أخرى عن لبنان… فلبنان المترع بأدب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وتوفيق يوسف عواد، والمترنم بقصائد إيليا أبو ماضي والأخطل الصغير والياس أبو شبكة وسعيد عقل والموسوم بشعرية الأخوين رحباني وملائكية فيروز وشموخ وديع الصافي وشعبيات فيلمون وهبي ووطنيات الأخوين فليفل وتوهج حليم الرومي، وكلاسيكية سعاد محمد ونجاح سلام وغنائيات صباح المرحة… لبنان الذي كان هذا كله، تتشكل صورة جديدة له في فضائياته على وقع نكات جنسية بذيئة في برامج غارقة في الانحطاط الأخلاقي والإنساني، الذي لا يمنع برنامج (أهضم شي) على قناة (إم تي في) عشية يوم الاستقلال (22 تشرين الثاني/نوفمبر) من أن يحتفل بالاستقلال على طريقته، وأن يوجه التحية إلى الجيش اللبناني من خلال مجموعة من النكات التي تتمحور حول الخيانة الزوجية في حياة ضباط الجيش، أو تحويل إجازات الحياة العسكرية إلى مواسم للفحولة الجنسية التي تنهك الزوجات، أو استحضار تجربة أبي العبد (الشخصية اللبنانية البيروتية) في الانخراط في الجيش الفرنسي عبر صياغة هزلية لفهم اللواط في حوار الإشارات والتلميحات! وهذه أقل النكات بذاءة التي استطعت أن ألخص إيحاءاتها كي أعبر عن شيء من مضامين البرنامج، لأن هناك نكات أخرى لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أشير إليها، من دون أن أقع في مستنقع الإباحية والبذاءة… الذي تبقى أفظع جرائمه المؤسفة، مقاربته لمناسبة وطنية ومؤسسة وطنية على قدر مناسبة الاستقلال ومؤسسة الجيش! مقدمة البرنامج ميراي مزرعاني بدت متواطئة تماماً مع هذه البذاءة، فهي كلما اشتط ضيوف برنامجها في خرق الحياء العام إلى درجة الوقاحة، تضغط على جرس لديها، كنوع من التنبيه أو الاحتجاج… لكنها لا تفعل ذلك إلا بعد أن يتم الضيف قول نكتته الجنسية كاملة بكل بذاءتها… وعندما يتكرر ضغط الزر مع إعطاء الفرصة نفسها لمن خرق الحد المسموح به من (قلة الحياء)، يغدو صوت الجرس الحاد مباركة حقيقية لهذا المستوى، ولهذا المسار، ولما يصل إليه في النهاية من إنجاز حضاري يليق بإعلام لبناني جديد، متحرر كل التحرر من تراث لبنان الثقافي والأدبي ومرجعياته الباقية في الوجدان! طبعاً أسوأ ما في الأمر.. أن برنامج (أهضم شي) ختم مهرجان الإساءة إلى مناسبة الاستقلال، بأداء إحدى ضيفاته المغنية مادلين مطر لأغنية الأخوين رحباني والسيدة فيروز (بحبك يا لبنان) كنوع من التحية لوطن يعيش ذكرى الاستقلال، على وقع بذاءة إعلامية لا تجد من يضع حداً لتجاوزاتها المخجلة التي لم توفر أقدس مناسبة وطنية من ارتكاباتها، والتي لم يخفف من وقعها صخب جمهور الأستوديو المنطلق، ولا الضحكات الماجنة لضيوف البرنامج المنتشين بخفة ظل لا تجارى! (جوردان أووردز): سوء تقييم متعمّد!
تفاءلت قليلاً… على قلة ما أفعل هذه الأيام، حين سمعت عن تنظيم مهرجان (جوردان أووردز) للدراما التلفزيونية في الأردن. قلت في نفسي: الأردن بين خمس دول عربية هو الأقل فساداً في تقرير منظمة الشفافية العالمية السنوي، الذي يرصد مؤشرات الفساد في دول العالم سنوياً… والصيغة العربية في الفساد غالباً ما تأتي جامعة مانعة، فهي سلسلة متصلة من التجاوزات والانتهاكات والتزوير لا تتجزأ… والأردن متقدم في سجل الحريات الصحافية نسبياً، ومتجاوز لدول شقيقة مجاورة له، تبدو الصحافة فيها ممسحة تحت رجلي الحكومة لدرجة أنها غير قادرة حتى على انتقاد مهرجان سينمائي يقام في بلدها… ولهذا ثمة ما يدعو للتفاؤل قليلاً إزاء تنظيم مهرجان تلفزيوني في بلد كالأردن ليس غريباً عن هذه الصناعة وعن المساهمة فيها، وخصوصاً في الفترة التي كان فيها الأشقاء الأردنيون ناشطين ومطلوبين عربياً، قبل أن يؤدي الموقف الذي اتخذه بلدهم مع العراق في حرب الخليج الثانية التي فجرها احتلال الكويت… إلى فرض حصار شامل على إنتاجهم التلفزيوني (البدوي في معظمه) وهو ما أدى إلى شل حركة الإنتاج التلفزيوني الأردني شللاً تاماً، وفتح المجال لطلب أكبر على الدراما السورية التي استفادت بدورها من الفرصة، وساعدها في ذلك ظهور الفضائيات وتراجع سوية الإنتاج التلفزيوني المصري في مصادفة ينطبق عليها (مصائب قوم عند قوم فوائد)! لكن عندما شاهدت حفل توزيع جوائز (جوردان أووردز) الذي بثته كاملاً قناة (الدنيا) السورية في إحدى سهرات عيد الأضحى الذي انقضى… أدركت أن تفاؤلي لا معنى له، وأن المهرجان المذكور لا يخرج عن قانون المهرجانات الفنية العربية التي تلعب لعبة التوازنات وحسابات البيع والشراء، في ظل غياب تام للإحساس بالعدالة، الذي يشعر به أي متابع للأعمال التلفزيونية العربية التي تنافست في هذا المهرجان أملاً في مكافأة جهد المجتهد والمتميز، فلم تحصد سوى سوء التقييم وانعدام المعيار الحقيقي.. وإلا هل يعقل أن يكون المذيع السعودي سعود الدوسري، مقدم برنامج (نقطة تحول) على قناة (إم بي سي) هو أفضل مقدم برامج… وهو الذي ظهر طيلة حلقات طويلة من دون أن يدهشنا بأي سؤال استثنائي، أو مداخلة عميقة على إجابات ضيوفه… لدرجة أن أحد الفنانين الكبار الذي استضافه في إحدى حلقات برنامجه، حدثني عن ضجره من بلادته أثناء التصوير، رغم أن الفنان ظهر في صيغة المحتفى به ولم يزعجه أي سؤال محرج! طبعاً المسألة ليست اختلاف وجهات نظر، لأن اختلاف وجهات النظر بين المتميز والأكثر تميزاً شيء، وسوء التقييم المتعمّد انطلاقاً من معايير مجاملة محطة خليجية شيء آخر. وحتى لا أتهم بأنني أطعن بتميز الدوسري بدوافع وخلفيات إقليمية؛ فإنني سأقول أن مواطنه السعودي تركي الدخيل يستحق هذه الجائزة أكثر منه بالتأكيد، وإذا ما اقتصر الأمر على تقديم برنامج فني، فأين سنذهب بالمصرية وفاء كيلاني مقدمة برنامج (بدون رقابة) هذا على سبيل المثال لا الحصر! ومرة أخرى ما دام الكثير من القراء يقرأون وهم يضعون نظرات الانتماء الإقليمي الضيق على أعينهم، فإنني سأعلن أسفي على منح جائزة أفضل إخراج للمخرج السوري نجدت أنزور عن مسلسل (ما ملكت أيمانكم) في ظل وجود مسلسل (الجماعة) المصري للمخرج محمد ياسين، و(أهل كايرو) للمخرج محمد علي. وسأشعر بالظلم الفادح، حين أرى صورة مسلسل (الجماعة) التي تقدم مشروعاً بصرياً يقترب من إنجازات السينما في التلفزيون بأناقة وتعبيرية قل ما رأيتها في عمل عربي من قبل، بينما نرى تراجع مشروع نجدت أنزور على صعيد اللغة البصرية.. إلى مفردات تلفزيونية تقليدية بائسة، خارجة من رحم تجربة عجولة خاصمها الاجتهاد وخانها الحماس… وأنا أتحدى منظمي المهرجان أن يأتوا بحلقتين من المسلسلين المذكورين، وأن يختاروا خمسة نقاد محايدين (ليس بينهم أي سوري أو مصري) ليقارنوا بين العملين في مناظرة تلفزيونية على الهواء مباشرة… أعتقد أن أبسط درجات النزاهة ستكشف أن الجائزة التي ذهبت لـ ‘ما ملكت أيمانكم’ فضيحة حقيقية!
لا أريد أن أتوقف عند باقي الجوائز التي قد نتفق فيها أو نختلف، لكنني أريد أن أقول أن رصيد أي مهرجان يستحق الاحترام هو النزاهة… وتنمية الشعور بتطبيق مبدأ العدالة في تقييم الأعمال المشاركة، لأن هذه العدالة تعني مكافأة الفن الجيد وتشجيعه كي لا ينهزم وينسحب من الساحة، ويصل إلى مرحلة اليأس، التي يشعر فيها المبدع بالقول المعاد المكرور، يتكرر في مهزلة حقيقية عنوانها: (كله عند العرب صابون)؟!
ناقد فني من سورية[email protected]