خريف الحزب الوطني

حجم الخط
0

لم يشهد التاريخ المعاصر ممارسة سياسية بهذا النوع من فقدان الأدوات السياسية، وقلة الوعي السياسي، وإسناد المسؤولية داخل الهيكل الحزبي إلى شخصيات لا تعرف الفرق بين ممارسة السياسة والتجارة في البورصة، فالأولى تحتاج إلى شخصيات فكرية على قدر كبير من التفاني والعطاء في خدمة أفكارها السياسة سواء كانت في الحزب او في المجتمع. والثانية تتمتع بنوع من حب المغامرة والمنفعة الشخصية الضيقة التي تسيطر عليها الناحية المادية المطلقة والفرق كبير، أقول هذا الكلام بمناسبة إعلان يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 ميلاد فكر حزبي جديد على مستوى الممارسة البشرية في الأحزاب السياسية في العالم، وذلك عندما أعلن الحزب الوطني قائمة مرشحيه للانتخابات البرلمانية، فقد تضمنت قائمته 790 مرشحا، على الرغم من أن عدد مقاعد البرلمان لا يزيد على 508 مقاعد، ولم يكتف بمرشحين اثنين للمقعد نفسه في بعض الدوائر، بل رشَّح ثلاثة في عدد منها.

ويعني ذلك أن الحزب الوطني سينافس نفسه، وأن 282 من مرشحيه سيخوضون صراعا ضد زملائهم، الذين يفترض أنهم ينتمون إلى حزبهم وليس إلى حزب آخر، وهذه الحادثة لم يحدث أن حدثت في التاريخ المعاصر منذ أن عرف العالم المعاصر فكرة الأحزب السياسية، واظن ان هذا الحدث سوف يدرس في الكليات والمعاهد والمراكز البحثية المتخصصة في الشأن السياسي على انه الحدث الأسخف في تاريخ الممارسة السياسية في العالم المعاصر، بل وستدرس على أنها التجربة الفريدة التي تؤكد أن الحزب الوطني في مصر هو صاحب الفضل في ابتكار ممارسات سياسية لم يعرفها العالم المتقدم، واننا هنا على أرض التاريخ مازالنا سباقين في ابتداع الأفكار التي يعجز مفكرو الشرق والغرب عن ابتداعها.

إن الحزب الوطني بهذه الممارسة السياسية الضيقة في الفكر والرؤى قد أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه حزب التجار والحرفيين والمصلحجية وباعة الوطن والأرض، وزاد في ذلك أن الحزب يلعب باعضائه لعبة لا تمت إلى الممارسة السياسة بأي نوع من الارتباط، غير أنها نوع من ‘الفهلوة’ فقد قام الحزب بتقديم أوراق مرشحيه قبل إغلاق موعد الترشيح بحوالي ساعتين، مما اضطر اللجنة المعنية بذلك إلى تأخير ميعاد إغلاق اللجنة حوالي ساعتين من أجل عيون اللعبة غير السياسية التي يمارسها الحزب الوطني، ولم تعلن أسماء مرشحي الحزب إلا بعد إغلاق باب الترشيح، وذلك لتفويت الفرصة على الأعضاء الذين لم يتم اختيارهم ضمن قائمة الحزب في أن يتقدموا بأوراق ترشيحهم كمستقلين، ومن ثم ظهرت تصرفات غير حضارية من اعضاء الحزب الوطني، مثل المطالبة باسترداد مبلغ التبرع للحزب الذي فرضه الحزب على أعضائه للموافقه على وضع اسمه داخل القوائم المقترحة، ناهيك عن اتهامات لا حصر لها بين أعضاء الحزب وقيادته.

هكذا اثبت الحزب ورجاله القائمون عليه أنهم لا يمارسون دوراً سياسياً حقيقيا داخل الحركة السياسة المصرية، وهي الحركة صاحبة التاريخ الطويل في المنطقة، بل هي ممارسات أفرزتها النتيجة الطبيعية للتزاوج بين رأسمال المال والسلطة، وهي علاقة غير شرعية ولا ننتظر منها بالطبع إلا أن تلد سفاحاً، وها هي الذرية التي رأيناها في انتخابات 2010 البرلمانية فقد اشتد الصراع بين اعضائه على الترشيح في انتخابات برلمانية يعتبرها معظمهم غنيمة وليست خدمة عامة.

هذا الصراع الذي بدأ منذ أن حل مجلس شعب 1987 لأسباب سلطوية يعرفها الجميع وأعلن عن الدعوة لانتخابات في 1990 وقد قامت كل الأحزاب بما فيها جماعة الإخوان المسلمين بمقاطعة الانتخابات، مما جعلها فرصة أمام كل أعضاء الحزب الوطني للدخول في صراع على من يفوز بمقاعد المجلس الذي كان الأسوأ في تاريخ الممارسة النيابية في مصر لغياب أي نوع من المعارضة بداخله ولم يتفوق عليه إلا مجلس 2005، رغم وجود جزء من المعارضة بداخله إلا أنه كان أسوأ برلمان عرفته في مصر منذ نشأة مجلس النواب في 1866 تقريباً، سواء كانت في تشريعاته أو ممارسات أعضائه وسلوكياتهم داخل وخارج المجلس.

هذا الصراع استمر بشدة من 1990، وظل فى ازدياد حتى انتخابات 2005. وعلى الرغم من أن الحزب استطاع أن يكبح جماح أعضائه في المنافسة على تصدر قائمة مرشحي الحزب حتى عام 2005 ويختار مرشحا واحدا للمقعد الواحد، إلا أنه في انتخابات 2010 اكد أن مصالح أعضائه الخاصة أقوى من أي روابط حزبية، وهكذا ظهر للوجود نوع جديد من الانتخابات لم يحدث أن عرفها العالم أو خطرت ببال أحد من مفكريه السياسيين، وهي إن الانتخابات التي كانت تجري في المقرات الحزبية بين أعضاء الحزب الواحد على من يمثله في الانتخابات، الان تجري انتخابات خريف 2010 في الدوائر الانتخابية نفسها وبين أعضاء الحزب الوطني أنفسهم. وإذا كان هذا الشذوذ الحزبي في الممارسة السياسية يحتمل وجوده في بلاد العالم المتخلف سياسياً مثل بلادنا فمن الممكن أن يحدث في دائرة أو دائرتين، أما أن يحدث ذلك فى نحو 150 دائرة يتصارع فيها 282 من أعضائه كمرشحين على مقاعد البرلمان المصري بنسبة تقترب من 60 ‘ من اجمالي عدد الدوائر، فهذا ما يفتح الباب ليجعلنا نقول ان الحزب الوطني وضع حجر الأساس لنهايته المرتقبه كحزب سياسي يقود الدولة المصرية، ولا ينفعه ارتباطه الحالي بالسلطة أن يمتد عمره السياسي لسنوات مقبلة، فالنظام القادم في مصر أيا كان الشخص الذي سيتربع على عرشه لا أظن أن يرتبط اسمه باسم حزب قاد البلاد نحو نوع جديد من الفوضى السياسية، سواء في الممارسة السياسية بنظم الترشيح للانتخابات البرلمانية أو بالممارسة الفعلية في دوائر الحكم.

ولكي يكتمل هذا المقال بالتأكيد على ان السنوات القادمة حبلى بسقوط الحزب الوطني في دائرة النسيان، حين تتخلى عنه السلطة باعتباره ابن سفاح من زواج غير شرعي بين السلطة والمال، لابد من الحديث عن ترشيح العدد الأكبر من الوزراء في انتخابات 2010 ومدى تأثيره على العملية الانتخابية، بل والعملية التشريعية أيضاً، بنعتبار الوزير سلطة تنفيذية ونائب المجلس سلطة تشريعية فكيف يجتمعان في شخص واحد؟ الأمر الآخر هو قراءة البرنامج الهزيل الذي أعلن عنه الحزب كبرنامج انتخابي له للترشيح لأعضائه، والذي ما زال يدندن حول نفس القضايا والمشكلات التي مازال الحزب وحكومته يتكلم عنها منذ ثلاثين عاماً ولم تحل ولن تقوم حكومة الحزب بحلها نظراً لسيطرة فكر المصلحة الشخصية على المنفعة العامة داخل فكر صناع القرار داخل الحزب الوطني الذي أشرف على السقوط بعد أحداث ترشيحات انتخابات خريف 2010. محمود طرشوبي – مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية