قال ان البرامج الثقافية تحظى بأقل نسبة مشاهدةالتقته: فاطمة عطفة بعد أن راحت المحطات الفضائية تغزو عالمنا بمختلف البرامج الاجتماعية والإخبارية والسياسية، وترش الأجواء بقطرات ثقافية، نرى أن من بين هذه المحطات ما هو رسمي تابع للحكومات، ومنها ما هو مشروع تجاري/ إعلامي خاص تابع لأصحاب رؤوس الأموال، وفي كلتا الحالتين تكون هناك سلطات عليا تمسك بيدها كل الخيوط أو معظمها. ومع ذلك، نرى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الإدارة والعاملين في هذه المحطات من معدين ومقدمين وفنيين بالتأكيد، أي أن أي برنامج يحتاج إلى جهد كبير حتى يصل للمرحلة النهائية ويعرض على المشاهدين. وضمن هذه المهنة المليئة بالمتاعب والمسؤولية، ومن خلال متابعات ‘القدس العربي’ لنجوم الإعلام المرئي العربي والشخصيات المؤثرة والمتميزة، سواء في تقديم البرامج السياسية التي تلقي مزيدا من الضوء على أهم الأحداث الجارية في عالمنا المعاصر، أو في الإعداد والإدارة، التقينا في بيروت عباس ضاهر مدير الأخبار والبرامج السياسية في محطة NBN الذي انطلق من نجاحه في مجال الكتابة الصحافية، إلى مقدم برامج إخبارية سياسية، حتى استطاع أن يقطف ثمرة هذا التميز ويصبح مدير الأخبار في هذه القناة، حيث حدثنا عن تجربته في الإعلام، سواء الرسمي أو الخاص، والمسؤوليات التي تقع على الإعلامي الدؤوب الذي يتواصل مع المشاهد بكل تفاصيل الحياة، ونأمل أن نكون وفقنا في اختياراتنا من لبنان العزيز كما تابعنا مع قرائنا من بلدان عربية أخرى.* أنت مسؤول إعلامي وما زلت في زهوة الشباب، على أي أساس بنيت تجربتك الإعلامية في انطلاقتها وأهدافها؟ وكيف اخترت مهنة المتاعب هذه؟ * في البداية درست الإعلام وامتهنته أثناء دراستي ووصلت للدراسات العليا ثم الماجستير، وكانت لدي رغبة في تطوير هذه الدراسة وصولاً لإطروحة الدكتوراه، لكن ضغط الحياة وضغط العمل وضغط المجتمع الموجودين فيه والظروف المعيشية ووضع العائلة لدي، كل هذا حول المسار من الدراسة الأكاديمية إلى العمل. وبالتالي سلكت طريق العمل فلم يتبق لي وقت للدراسة، وهذا الشيء يؤلمني وأعاهد نفسي أني سأُتابع في يومٍ ما ذلك الطموح. بالنسبة للعمل، أنا بدأت في السنة الدراسية الثانية بالصحافة المكتوبة والتي أنا اِبنها، وأكملت فيها تقريبا أربع سنوات، ثم قمت بواجبي في الخدمة العسكرية، وبمحض الصدفة التحقت بتلفزيون لبنان الذي هو التلفزيون الرسمي، وبعد تلفزيون لبنان انتقلت لتلفزيون NBN الشبكة الوطنية للإرسال، وكان من جملة الخيارات الموجودة أمامي، بعضها من لبنان وبعضها من خارج لبنان، فالتحقت بهذا التلفزيون لأنه كانت لدي طاقة كانت ستتحدد في التلفزيون الرسمي، وخصوصا أنني أعمل في الإعلام السياسي’.* لماذا التلفزيونات الرسمية أو الإعلام الرسمي في كل أقطار الوطن العربي لم تضف شيئا جديدا وكان مصيرها الفشل؟ وكيف بدأت المحطات الخاصة تأخذ الدور الأهم؟ اختلاف هامش الحرية، مثلا؟ * نحن في لبنان لنا تجربة مشابهة في بعض اوجهها لبعض التلفزيونات في الدول العربية، وفي بعض الأوجه الأخرى متفلتة أحيانا لكن بحدود. أنا أقول أن السبب هو محدودية التفكير السلطوي بالعالم العربي، أيا يكن ومهما كان حجم الحرية الموجودة بأي دولة عربية، هناك محدودية بالتفكير. اليوم بدأ الإعلام الرسمي بعملية نقد للإعلام الخاص نتيجة لتفوقه وأصبح الإعلام الرسمي، إن أراد الاستمرار، بحاجة لثورة ذاتية يشرف عليها أساسا المسؤول بالدولة أو في السلطة، ولكن إلى أي مدى سينجح هذا المسؤول أو هذه السلطة، لأنه اعتادت الناس وذهبت لمكان آخر ولحقت الإعلام الخاص. الإعلام الرسمي محدود بفكرة السلطة وبنشاط السلطة وبأن الناس تحكم عليه اليوم، سواء كان في بلدنا أو في الدول الأخرى، تحكم على هذا الخطاب بأنه إعلام السلطة، فأي تفلت يخرج من هذه المحدودية وهذا الإطار يعتبر أنه تابع ويمثل خطاب السلطة، لا السلطة ترغب بذلك ولا العالم العربي اليوم تحديدا يقتنع أن هذا إعلام حر. هنا هو يتحمل مسؤولية الجمهور، يتحمل مسؤولية الإعلام نفسه. نحن هنا في لبنان صار لدينا تفلت، خصوصا أن السلطة لدينا متشابكة مترابطة، مشاكسة، متغيرة، إلى ما هنالك. صار هناك تداخل اعتقدنا للوهلة الأولى أنه سيضيف الى الإعلام الرسمي أيضا نوعا من عدم الانفراد والتنوع هذا من الجانب السياسي، لكن للأسف لم يطبق بشكل جيد. دائما نجد التزام الإعلام الرسمي بوزير الإعلام وبرأس السلطة السياسية، بالإضافة لذلك، فإن باقي الأفرقاء الموجودين هنا لديهم مؤسساتهم الإعلامية، وبالتالي لم يعولوا اهتماما على هذا الإعلام الرسمي باعتبار أن كل طرف لديه وسيلته الإعلامية الخاصة من إذاعة أو تلفاز أو وسيلة مكتوبة، فما هي الحاجة لوسيلة الإعلام الرسمي؟ لا شيء! فبقيت الحاجة مرتبطة برأس النظام المتمثل برئيس الجمهورية أيضا إلى حد ما، كان يتكئ عليه ولا يعتمد عليه. من هذه الجدلية، أنا أعتقد أنها قيدت الإعلام الرسمي. وحتى الآن، على الرغم مما يحكى في الوطن العربي، وعلى الرغم من كل التطورات وكل الحريات الموجودة في بعض الساحات العربية، لا أعتقد أن الإعلام الرسمي سوف يتخطى هذه العقبة، لأن هناك منافسة قوية جدا من الإعلام الخاص، وجزء منها منافسة مادية، وبالتالي تدخل اليوم الأمور المالية التي لا تؤمنها السلطة السياسية إلا إن كانت هذه الدولة تريد أن تدعم هذا الإعلام الخاص، كما في العربية من قبل السعودية أو الجزيرة من قبل دولة قطر. هكذا الإعلام ينطلق وينجح. وأعتقد أن التجربة هي المحك، وقد حاولت بعض الدول أن تخوضها، ولكن محدودية السلطة ومحدودية التفكير السياسي الموجود فيها لم يستطع أن يخرجها من هذا القمقم.* يقولون إن الإعلام مسؤول عن تراجع دور الأدب والثقافة بوجه عام، وهناك من يقول إن وسائل الإعلام تقدم فرصا جديدة متطورة لنشر الإنتاج الأدبي، برأيك ما هي العلاقة القائمة بين الأدب والإعلام وعلى من تعود الفائدة الأكبر؟ * بنظري أن الأدب ظلم في الآونة الأخيرة من قبل الإعلام، ويشمل الظلم جميع المجالات الثقافية. كان الهدف وحتى التقنيات والتحليلات والرؤية بأن الإعلام يخدم الأدب بشكل كبير، لكن للأسف وخصوصا ضمن نطاق عالمنا العربي، وضمن إطار السباق القائم اليوم، لم يخدم الأدب مطلقا. بالعكس، في مكان ما أنا لدي نظرة مختلفة، ربما أضر بالأدب. كان بالإمكان هذه الوسيلة الإعلامية أن تقدم للأدب بنشره وتعميم هذه الثقافة الموجودة، لكن اليوم إن أردنا أن نقيم عملية نقد أو قراءة أو استطلاع لكل الوسائل الإعلامية، فأي من هذه الوسائل تهتم بالأدب وخصوصاً الأدب العربي؟ أعطني اليوم وسيلة إعلامية تخدم بالشكل المطلوب الأدب. لا أعتقد أنه توجد وسيلة إعلامية عربية تؤثر بالرأي العام، تخدم الأدب العربي كما هو مطلوب، بل هناك خدمة لثقافات غريبة وأفكار غريبة، ومنتجات خفيفة لا تليق بالجمهور العربي، ولا بالفكر العربي، ولا بالأدب العربي الذي هو عظيم جدا. أين المسؤولية الإعلامية؟ هي غير موجودة! لأجل ذلك اليوم تحولت الوسائل الإعلامية للمنافسة مع الأدب العربي الموجود، نعم منافسة.. لأن اليوم الجيل الصاعد يتعلم من كل ما يقدمه الإعلام العربي، وكل ما يقدمه الإعلام العربي وبمعظمه هو مناقض للأدب العربي تماما وللثقافة العربية، ولكل المواد الموجودة فيه على تنوعها. أي من الوسائل الإعلامية تخدم هذا الأدب؟ لا يوجد بشكل كامل. أنا اليوم من الجيل الجديد، أريد أن أعتمد فقط على الوسيلة الإعلامية. فكرتنا عن الأدب صفر! أريد أن أقوم بنشاط خاص مواز، مختلف، ربما مناقض لما تقدمه وسائل الإعلام حتى على مستوى بعض الإنتاجات العربية اليوم، إن كان على مستوى الدراما أو برامج ترفيهية وما أكثرها اليوم! قراءة بسيطة لبعض الوسائل الإعلامية في لبنان كمثال: ماذا تقدم اليوم من برامج؟ أعطيني وسيلة تقدم برنامجا أدبيا واحدا للجمهور، لا شيء للأسف! عندك بعض الوسائل تقدم في الأُسبوع أكثر من عشرة برامج ترفيهية هابطة، ولكن لا يقدم برنامج أدبي أو ثقافي واحد يتحدث عن الموسيقى أو الشعر او الفن. نحن هنا في القناة لدينا برنامج اسمه (نعم ثقافة) تقدمه زميلة لي يوم السبت، وهنا أتحدث عن سر مهني يجب أن ألتزم به لكني اليوم من الألم سأتحدث عنه. هذا البرنامج حظي بأقل نسبة مشاهدة في لبنان، بينما برنامج آخر إن قدمنا فيه ترفيها أو ألعابا أو سياسة متصارعة فسيلقى أعلى نسبة مشاهدة. هذا البرنامج نحن نقدمه يوم السبت لاعتقادنا أن يوم السبت هو يوم عطلة، وبذلك سيحظى هذا البرنامج بأكبر نسبة مشاهدة، لأن الناس يستطيعون السهر يوم عطلتهم ولكن للأسف حقق نسبة متدنية جدا.* هل السبب أن الأدب لم يستطع أن يحافظ على جمهوره أم هي الحداثة والعولمة والحياة الفوضوية التي يعيش بها مجتمعنا؟ والمجتمع من دون أدب وثقافة، كيف تتصور سيكون مصير ومستقبل شعوبنا؟ * لدي نظرة معينة حول هذا الموضوع، أنا أحمل بالدرجة الأولى الجميع المسؤولية: الأدباء، الشعراء، المثقفون، والوسيلة الإعلامية تتحمل المسؤولية، هذا التطور الحاصل، وهذه الحداثة المتسارعة التي ألغت اليوم كل الركائز وألغت دور المجتمع، بدءا من المدرسة الأولى التي هي المنزل إلى المدرسة الثانية وهي المدرسة، أصبح الجمهور العربي متلقيا مستهلكا، نتلقى هذه الأفكار ببساطة من دون أن نتفاعل، حتى التفاعل اليوم الذي كان موجودا في فترة من الفترات، من مطالعة وقراءة، ومن عملية التفكير بشكل مشترك ومناقشة القضايا، أصبحنا نتلقى ما يأتينا من الخارج عبر الوسائل الإعلامية. كل برامجنا هي برامج مستوحاة ومستنسخة عن برامج من الخارج، إن كان بالفن أو غيره، حتى المزحة، النكتة العربية، لم يعد لها نكهة.. صارت غربية،.
اليوم استغنينا عن الكتاب واستغنينا عن كل الوسائل التي كنا نعتمد عليها، فكبر الجيل الجديد وغدت علاقته بالإنترنت على حساب علاقته بأُسرته وأمه والمدرسة والمجتمع. فكيف نقيم اليوم جيلا يعتمد على ثقافات متداخلة لا يعرف منها شيئا ولا يستنير بها؟ وهو لا يستطيع أن يميز بين هذه المعلومة وتلك. هذا الضخ من المعلومات أجبر هذا الجيل أن يكون بحالة انشغال للمجتمع بكل عناصره، وضغط الأهل في المنزل والضغوط الاجتماعية كلها، إضافة إلى الجهل الموجود في كل مكان حتى وصل الجهل للمنزل، للتعبير عن راحة الأهل. ولدهم الصغير يتعاطى عن طريق الإنترنت مع أشخاص آخرين ومع كل العالم، وبالتالي لا حاجة اليوم للتوجيه ولمعرفة ماذا يقدم أو ماذا يقرأ هذا الجيل الجديد. أنا لست ضد التنوع الثقافي والانفتاح على العالم وأخذ ما يناسبنا، لكن نحن اليوم نلغي ثقافتنا. إلى متى تستطيع ثقافتنا أن تصمد أمام هذا المد الهائل؟ وأمام هذا الانحصار الحاصل عند بعض الأدباء؟ لا توجد وسيلة إعلامية يعتمدون عليها، فأصبح المجهود فرديا. وحكوماتنا اليوم لا تعير اهتماما للموازنات المالية ولا بالأمور الثقافية والعلمية، غير مكترثة بالمحافظة على ثرواتنا، حتى إن لغتنا بدأت تندثر لأن التعامل بلغتنا أصبح جزئيا، حيث غدونا نستخدم اللغة الإنكليزية والفرنسية وأكثر من ذلك في وسائلنا الإعلامية. من الجدير بنا أن نحافظ على لغتنا بكلماتها، بمصطلحاتها، بمعانيها، بأبعادها، في حين أن نصف مصطلحاتنا التي نستخدمها أصبحت إنكليزية، حتى ونحن على الهواء من مقدمين ومذيعين ما عربوا لنا المصطلحات الإنكليزية، وهذا للأسف كله أثر علينا’.* هناك برامج حوارية في المحطات وفي الصحف أيضا، ماذا تقدم هذه البرامج من فائدة للمشاهد وللمجتمع؟ وهل ما يظهر على الشاشات بين المحاورين ينتهي في النهاية بسهرة يتم فيها التفاهم والتصالح ويبقى المشاهد من دون فائدة ترتجى؟* ‘أنا أجزم أن المشاهد ومعظم ما يقدم له هو من دون فائدة. أي سجال، حتى لو كان ثقافيا لدينا في العالم العربي، لم أشاهد منه أي فائدة. ربما هناك من سيقول اني متشائم جدا، ولكن هذا هو الواقع وأنا أعبر عنه، أنا أعتقد أن كل ما يقدم يجب إعادة النظر فيه، يجب أن تكون هناك ثورة إعلامية تبدأ من الإعلاميين وتمتد إلى الرأي العام الذي نقول، نحن الإعلاميين، إنه يسيرنا وإنه يريد كذا وكذا. نحن يجب أن نضع حدا لهذا الموضوع، فنحن لدينا مسؤولية تاريخية سيذكرها التاريخ. هناك ثقافة تندثر وتنعكس سلبا، إن لم يكن على جيلنا ستكون على الأجيال القادمة، فكفى هذا الاستخفاف. وأعود لأجزم أن ما يقدم اليوم هو أقل من المستوى الذي يجب أن يليق بالوطن العربي’.* هناك برامج حوارية نقدية، هل في جوهرها تقوم على احترام الرأي الآخر، ولكل من الطرفين حق الدفاع والتعبير عن وجهة نظره؟ أين تكمن الفائدة من وجهة النظر للآخر فالحوار أحيانا يشكل خطرا، كيف نستفيد من هذا الحوار؟* ‘كل إعلامي اليوم يريد أن يكون ضيفه مميزا وأن يقدم شيئا جديدا، لكن هل توفر لنا الأجواء دائما ضيوفا من هذا النوع؟ أنا اليوم أقدم برنامجا منوعا، أحيانا في السياسة، أحيانا في الثقافة، في الفن، في مشاكل الناس.. هو برنامج ليس له هوية محددة، اسمه (آخر كلام) وهو يتبع آخر حدث يحدث يؤثر في العالم أو في الرأي العام، قد يكون محليا، عربيا، إقليميا أو عالميا، ولكن في أحيان كثيرة أصطدم بمعوق الضيف، أعتقد أن هناك ضيوفا يملكون مستوى عاليا من الثقافة ومن المسؤولية في تقديم الفكرة التي تحمل الفائدة للجمهور، ولكن أسألك: برأيك وأنت المتابعة، لأي مدى تعتبرين هذا الوجود وهذا الكم من هؤلاء هو كاف لعدد البرامج أولا، ولعدد الأفكار المطروحة والمواضيع المطروحة؟ ومن ناحية تلبية طلبات الرأي العام بشكل صحيح؟ أنا أعتقد، ان هناك عددا قليلا وشحا في الضيوف الذين يوصلون الفكرة المطلوبة’.* في لبنان أو في المشرق العربي بشكل عام هناك شح بالضيوف المميزين، بينما في المغرب العربي هناك مفكرون كبار وعلى مستوى عالمي، أنتم كإعلاميين لماذا يكون تركيزكم فقط على أسماء محددة تستضيفونها؟ لماذا لا تتوسعون نحو المغرب العربي ومناطق أُخرى غنية بالفكر حتى لو كانت التكلفة أكبر؟ وأنا أسألك من خلال موقعك كمسؤول في المحطة؟ * ‘نحن نصطدم بمعوق مادي، أحيانا هناك وسائل إعلام أخرى لا يوجد لديها هذه المعوقات ولا تفعل ذلك، هذه المسؤولية نحن نتحملها كوسائل إعلام، لماذا لا نقدم الجديد، لماذا لا نقدم آخرين، ومن الممكن أنهم يمتلكون كما هائلا من الأفكار؟ لكن هنا على المستوى اللبناني، الرأي العام يصعب عليه التعود على ضيف بشكل سريع، وبالتالي نحن هنا نصطدم بواقع إن كان البرنامج سياسيا أو ثقافيا أن هذا الجمهور لا يعرفه، وبالتالي لا يحصل على تأييد جماهيري ونسبة حضور جيدة. وهكذا أصبح هناك سباق إعلامي، فهو يقاس على من هو الضيف الذي سيستضيفه البرنامج، ومن يكون معه هو شخص مشهور، وبالتالي أصبحنا ندور في هذه الدوامة المذلة. ولكننا في أحيان كثيرة، نحن مجبرون بفعل ضغط الرأي العام الذي يتابع الشخص المسؤول، ونحن من نتحمل المسؤولية، هذا صحيح. نحن يجب أن نجلد أنفسنا ونقول نحن لم نبذل جهدا كافيا كي نعود الرأي العام على وجوه جديدة غنية’.* هناك بعض المحطات في لبنان أو أكثرها تتبع جهة سياسية، تحول الإعلام لإعلام سياسي وغدا جزءا من هذه الجهة، هل على الإعلام أن يلتزم الخط القومي وينقل الصورة الصحيحة؟ أم عليه أن ينقل الصورة السلبية والإيجابية؟ لماذا الإعلام العربي يطرح دوما الشيء الجيد ويبتعد عن السلبيات؟ هل هناك خطوط حمراء ممنوع تجاوزها؟ * ‘أنا أعتقد أن الخطوط الحمراء تندثر يوما بعد آخر، وبالتالي أمام هذه الحداثة الإعلامية والانفتاح والتكنولوجيا، الرأي العام يطلع على كل ما هو موجود من حقائق، وعلى ما هو مفبرك وعلى الوهم وعلى كل شيء. أنا من وجهة نظري أن يقدم الإعلام كل شيء حتى في العلاقة مع العدو، ولكن هناك خطوط حمراء في التعامل مع العدو، يجب أن يقدم الإعلام نقاط الضعف. ولكن أحيانا تكون المعركة قومية ولها طابع يجب أن يقدم نقاط الضعف وأن يتحدث عن الخاصرة الرخوة، ولكن بنفس الوقت يجب أن يحافظ على إبراز هذا العدو على أنه عدو، أن لا يقدم هذا العدو على أنه غير عدو، وبنفس الوقت هو عدو قوي ويملك الكثير من التكنولوجيا ولا بد أن يقدم واقعه بشكل صحيح حتى يعرف الجمهور هذا العدو بشكل جيد’.* هناك دوما في الإعلام المرئي صورة، تأثير الصورة أثناء تقديم الخبر ومدى مصداقيتها؟ * ‘هذه الصورة المشوهة موجودة عن العالم العربي لدى العالم الغربي، ولكن أمامي اليوم الحملات المضادة إن جاز التعبير’.* نجد عناية وسخاء كبيرا يظهر في دول وشركات متنوعة لتنشيط وزيادة شبكات الإرسال الإذاعية والتلفزيونية، هل يعود هذا السخاء لاستخدام الخطاب الإعلامي لتلميع صورة هذه الدولة أو هذه الجهة السياسية ولتعزيز مكانتها في الداخل والخارج؟ * ‘الإعلام العربي اليوم موجه ولكنه يخرج من هذا الإطار تدريجيا، صحيح أن اهتمام جميع وسائل الإعلام العربية نتج عن أنها تريد أن توصل رسالة وتخدم أهدافها، ويخطئ من يظن أن في الأمر غير ذلك. كل وسائل الإعلام اليوم الرسمي والخاص المدعوم رسميا، لأن هناك موضة جديدة هي الإعلام الخاص والمدعوم رسميا في بعض الدول، هذا نتج لتوجيه خطاب ولخدمة فكرة. أساسا لو كانت هذه الفكرة في خدمة الوطن، أنا لا أحزن ولكن هي خدمة لوجهة نظر معينة، لجزء من الوطن. طبعا صار هناك صراع وسجال موجود وسباق بين الدول في عالمنا العربي، ونشأت بعض وسائل الإعلام العربية لأن هناك وسائل أخرى موجودة أو لأن هناك وسائل منافسة أو وسائل للرد على هذه الوسائل الإعلامية. أحيانا في داخل البلد الواحد كلبنان والعراق نجد كما هائلا من الوسائل الإعلامية على الأقمار الصناعية لدرجة أنه أصبح بحالة ضياع، وهذه الوسائل بحالة سباق، ولأجل ذلك ومن موقعي أرى أنه يجب ضبط هذه الوسائل لأن بعضها يقدم تحريضا داخليا ذا طابع مذهبي وذا طابع طائفي، وهم ينبشون قضايا تاريخية قضى عليها الزمن، وبالتالي من أجل من خدمة هذه الأهداف؟’.* تحدثنا معك كإعلامي، حدثنا عن عملك كمسؤول وطريقة تعاملك مع زملائك في العمل؟* ‘أنا عباس ضاهر نشأت وتعلقت بالإعلام ونشأت في بيئة متواضعة جدا، وهي بيئة ريفية وليست مدنية، دخلت الجامعة ودرست، ومن ثم تابعت الدراسة حتى دخلت حقل الإعلام المكتوب، وبالصدفة دخلت الإعلام المرئي. عملت خلال فترة دراستي وخلال مدة قصيرة أصبحت مذيعا للأخبار في التلفزيون الرسمي، ومن ثم مقدما لبرنامج سياسي في التلفزيون الرسمي. صحيح أن في التلفزيون الرسمي هناك هامش ضيق، ولكنه يعلمك العمل ضمن خط معين وضمن نقاط، وبالتالي هذا تمرين كما أعتبره. ثم انتقلت للإعلام الخاص أقدم برنامجا سياسيا، وكذلك مقدما في الفترة الصباحية ومذيعا للأخبار، وبظرف سنة أو سنتين تابعت وثائقية بعض الوثائق على المستوى اللبناني إلى درجة الذوبان في الحالة الوطنية اللبنانية. من حيث التقديم الإعلامي لم أتوسع أكثر، وهذا كان خطأ، وبفعل المتابعة وصلت إلى مرتبة ولم أتدرج سكرتير تحرير أو رئيس تحرير، وإنما أصبحت مقدما لبرنامج ومتابعا، ولكن كنت أتابع كل التفاصيل وصولا مباشرة لمدير أخبار. هي الصدفة في مكان ما، وهو النشاط في مكان ما، وهو التقدير في مكان ما، سمه ما شئت. لكن هي مجموعة عوامل أوصلتني، وأنا في عمر أقل من الثلاثين مدير أخبار، وفريق العمل الموجود ضمن الإدارة التي أوجد فيها، سكرتير التحرير والمساعدون هم أكبر مني، هذا الأمر يحتاج إلى دبلوماسي في التعاطي لكن بعد استلامي الإدارة بسبعة أو ثمانية أشهر لم تعد هناك مشكلة في الموضوع، كان هناك بعض المطبات الشكلية أزيلت بفعل التواصل’.* طبعا مدير للأخبار، هذا موقع حساس وخاصة نحن في فترة حرجة جدا سواء على صعيد القضايا اللبنانية أو الإقليمية أو في مواجهة العدو، هذه المسؤولية وأنت الشاب لو وقع خطأ من قبل الغير في التقديم هل تقع المسؤولية عليك؟ وكيف تتابع وتراقب عمل الآخرين؟ وهل وقع معك خطأ أثناء الأخبار وكيف تتجاوزه؟* ‘صراحة هي مسؤولية كبيرة جدا، في بداية استلامي هناك من لامني لأني في عمر صغير لماذا قبلت بهذه المسؤولية، وإن وقع خطأ ما ستقضي على مستقبلك المهني. كنت أمام التحدي، واليوم أنا أكرس كل جهدي ومعظم وقتي للعمل حتى على حساب حياتي الخاصة. هناك أخطاء وأنا لا أتحمل مسؤوليتها بشكل مباشر، يتحمل مسؤوليتها من يقدم. لكن بما أنني أنا المدير المسؤول، فأنا أتحمل مسؤوليتها وبالتالي أعالجها بالحد الأدنى من التعاطي، حتى الآن لم أمر بالخطأ الأساسي أو المميت أو الخطأ الذي يقضي علي بهذا المكان، ربما نتيجة المتابعة الدقيقة والوعي الكامل لما يحيط بهذه المشكلة، لكن لا أجزم أنه ليس هناك خطأ ما، ليس هناك إنسان معصوم عن الخطأ حتى في مجال التقديم، لكن أسعى أن لا يكون هذا الخطأ. ولكن، أيا يكن الخطأ أنا أتحمل مسؤوليته وأنا لدي الشجاعة الكاملة كي أتحمل هذه المسؤولية بما أنني وافقت على تحمل هذه المسؤولية وأنا في عمر صغير. أعتقد أنني إذا أخطأت ولم يكن هناك متابعة في عملي الإداري، فإني سأقضي على مستقبلي المهني. لقد قمت بعملية فصل بين المسؤولية الإدارية ومسؤولية التحرير والتقديم في البرنامج الخاص بي، أي فصلت بين عباس ضاهر مدير الأخبار والبرامج السياسية وبين عباس ضاهر الإعلامي الذي يقدم برنامجه’.* كيف يكون اختيارك بالنسبة لمقدم البرامج؟ هل تضع أشخاصا معينين تثق بهم كي لا يقع خطأ ما ولا تتعامل مع شخص غير مهيأ إلا بعد تجربة عملية مثلا؟ * ‘أنا صراحة أعطي الفرصة للجميع، وعلى من يثبت نفسه أن يثابر وبالتالي يتابع ويصل لهدفه. ولكن الشخص الذي لا يملك القدرة وقد أخذ فرصته، فلا بد أن يجلس جانبا ويمارس عملا آخر، ربما تكون فرصته فيه أفضل. وبالتالي أنا ضد وضع الشروط، وطبعا هناك إعلامي مميز أكثر من غيره، مميز بالتقديم بالابتكار وبأمور أخرى كل هذا نأخذه بعين الاعتبار وهناك معايير مختلفة، ولكن بشكل عام أعطي فرصة للجميع بأي مجال’.* بالتأكيد الحالة في لبنان عادت تطل بملابساتها، ومن المعلوم أن هناك أزمة، أنت من خلال موقعك ومن حياتك، كيف ترى هذه الأزمة وهل ستتطور أم أنها ستزول؟ * ‘الأزمة السياسية هي أزمة محدودة لأن الأسباب أو الدوافع هي مؤقتة، انظري إلى لبنان اليوم من خلال موقعه الإقليمي والدولي، وبالتالي اليوم الوضع الدولي وما يحيط بنا من تطورات إقليمية لا يوحي بأن الأزمة في لبنان ستتطور. هناك ضابط إقليمي دوما، راعٍ موجود، هذا الضابط الإقليمي والراعي لا خلاف بينهما، بل على العكس قد اعتبر أن هذه التفاصيل اللبنانية لن تفسد في القضية على صعيد الأمن أو على صعيد السياسة، وإنما سيبقى هناك نتوءات، وهذا هو لبنان وهذا ما اعتدنا عليه. ربما هناك أزمة على مستوى الخطاب السياسي، لكن في الواقع لا توجد أزمة، يقتصر الأمر على حدث ما، وأعتقد أن هذا الحدث حينما يوجد له طريق للحل ولن يكون هناك مشكلة’.* الأزمة اللبنانية مرتبطة بالوجود الإسرائيلي وقضايا المنطقة كلها مرتبطة بها، برأيك ومن موقعك قضية السلام وما يسعى إليه محمود عباس من محاولته للوصول لسلام مع إسرائيل، هل ستكون في يدنا ورقة رابحة أم أن كل هذا سيذهب هباء؟ * ‘باختصار أجزم أنه لا سلام مع إسرائيل. تجاربنا واضحة معها منذ زمن بعيد وحتى الآن ومن قبل تأسيس الكيان الصهيوني، حتى من أيام العصابات، لا أمان ولا اطمئنان مع هذا العدو الصهيوني الذي، وهو يقوم بالمفاوضات، لا يتنازل عن أي شيء ولا يقوم بأي خطوة، بالتالي مازال مستمرا في استهداف الفلسطينيين أنفسهم. وإذا فطن بأن هناك طموحات لديه وهو فكرة وجوده المناقضة لأفكار وجودنا في العالم العربي على تنوع وجودنا، فكر متناقض تماما، أنا أجزم أنه لا يوجد سلام لا الآن ولا بعد الآن’.