قمّة عولمة الحروب وشرعنة جرائمها

حجم الخط
0

نصر شمالي

مضت ستون عاماً على تأسيس حلف شمال الأطلسي بعد المجزرة العالمية الثانية. وقد زعم مؤسّسوه يومها، وهم من تجّار الحروب أكلة لحوم البشر، أنّ غرضهم هو الدفاع عن عالم ديمقراطي (رأسمالي) في مواجهة عالم استبدادي (شيوعي) مستقل يقابله ويوازيه ويعادله من حيث القوة بمختلف أنواعها: عالم حلف وارسو، غير أنّ ذلك الزعم لم يكن صحيحاً، بل كان تزويراً للواقع وتبريراً لسياسة سباق التسلح وإشعال الحروب الهائلة الأرباح، التي هي في صلب الإستراتيجية الثابتة للنظام الرأسمالي الدولي.

إنّ نهوض عالمين مستقلين متقابلين، متوازيين ومتعادلين، كانت مجرّد حكاية خرافية تناسب تجار الحروب الذين لفقوها. وما يستدعي الأسى (بل السخرية) أنّ الحكاية الملفقة راقت لبعض القادة الاشتراكيين المتألهين، لأنها تعزز مواقعهم السلطوية، فسكتوا عليها، وتجاهلوا الحقيقة التي يعرفونها جيداً، وهي أنّ قوتهم العسكرية الموازية الرادعة لا تعني توازياً وتوازناً مع القوى الأساسية الهائلة التي ينهض عليها النظام العالمي/الدولي الرأسمالي، وأنّ البلد الاشتراكي القوي المتقدّم، إنما المحاصر، مثله مثل أيّ بلد إقطاعي ضعيف متخلّف، يبقى في المحصلة محتوى من النظام الدولي الرأسمالي السائد، المسيطر على السوق الدولية عموماً. إنّ العالم بشقيه، المتقدم والمتخلف، كان رأسمالياً قبل ظهور الاتحاد السوفييتي وحلفه، وبقي رأسمالياً بوجوده على مدى حوالي سبعين عاماً، ولا يزال كذلك بعد زواله حتى يومنا هذا. لماذا؟ لأنّ السوق الدولية في معظمها وفي أساسياتها بقيت في قبضة الاحتكارات الرأسمالية طيلة تلك العقود، وبقيت محرّمة في معظمها وفي أساسياتها على الدول الاشتراكية الجديدة، المتمرّدة والمحاصرة بإحكام، رغم نهوض حلف وارسو. وبينما كان المعسكر السوفييتي يستمدّ قوته الدفاعية الرادعة من قواه الاجتماعية الداخلية، من عرقها ودمائها ولحومها، كان الاحتكاريون الرأسماليون الاستعماريون يستمدون قوة نظامهم الدولي الهجومية العدوانية من قوى شعوب الأرض كافة، من عرقها ودمائها ولحومها جميعها!

بعد زوال الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو من الوجود، وتسليم القيادة الروسية الجديدة بسيادة النظام الرأسمالي عالمياً (وكذلك القيادة الصينية الجديدة وإن هي حافظت على هيكلية النظام الصيني الاشتراكي) أسقط في يد الاحتكارات الرأسمالية، وبخاصة الأمريكية، فانطلقت على الفور تلفق حكاية أخرى عن معسكر آخر يحلّ محلّ المعسكر السوفييتي، يستدعي بقاء حلف شمال الأطلسي، ويستحقّ المضي قدماً في سباق التسلح وشنّ الحروب، فكان معسكر ‘دول الشرّ، والإرهاب، والإسلام المتطرّف.. الخ لقد صار ملحّاً، ويا للعجب العجاب، تلفيق حكاية أطلسية تضع العراق ثمّ إيران محلّ الاتحاد السوفييتي، وكوريا الشمالية محلّ الصين، وسورية محلّ ألبانيا أو يوغوسلافيا، ومنظمات المقاومة الوطنية والقومية والإسلامية محلّ المنظمات اليسارية، إنّ حلف شمال الأطلسي، الذي يفترض أنّه نهض للدفاع عن أوروبا داخل حدودها في مواجهة حلف وارسو، يجتمع اليوم في لشبونة لإقرار استراتيجية للسنوات العشر القادمة، أعدّها الأمريكيون، تخوّله شنّ الحروب الاستباقية ضدّ أيّ بلد من بلدان العالم، وعلى وجه الخصوص إيران، المتهمة بأنها تعدّ لقصف البلدان الأوروبية بالصواريخ.

إنّ قمة لشبونة الأطلسية هي قمة عولمة الحرب، بانتزاع موافقة معظم الأطراف العالمية الرئيسية على استراتيجيتها الحربية، خاصة روسيا التي حضرت القمة، وإضفاء الشرعية القانونية الدولية على الحروب الاستباقية التي سوف تشنّ عموماً ضدّ البلدان العربية والإسلامية، ابتداءً بقطاع غزّة ولبنان والصومال، مروراً بالسودان واليمن، وانتهاء بإيران وسورية. إنّ أية حرب استباقية يشنها الحلف ضدّ هذه الدول وغيرها سوف تكون باسم القانون والشرعية الدولية، حسب الاستراتيجية الأطلسية المقرّة في قمة لشبونة.

غير أنّ ما تنبغي الإشارة إليه هو أنّ عدداً كبيراً من الحكومات العربية منخرط منذ سنوات في اتفاقيات تعاون مع حلف شمال الأطلسي، تحت عناوين مختــــلفة، منها مكافحة الإرهاب ومنها التصدّي للخطر الإيراني الذي أصبح من وجهة نظر البعض أفظع من الخطر الإسرائيلي، بل إنّ الكيان الإسرائيلي يصنّف واحداً من مجموعة الدول السبع المتعاونة مع الأطلسي في المنطقة الواقعة ما بين الأردن وموريتانيا. ويعود تعاون هذه المجموعة المتوسطية (العربية ما عدا الكيان الإسرائيلي) مع الأطلــــسي إلى العام 1994، أمّا المجموعة الثانية العربية الخليجية فيعـــود الى العام 2004، وبالطبع فإنّ المجموعتين تعتبران موافقتين ضمناً على مقررات قمة لشبونة.

كذلك جدير بالذكر أنّ مشروع إقامة درع صاروخية أطلسية على الأراضي التركية كان على رأس جدول أعمال القمة، وهي بديل لتلك الدرع الأمريكية التي كانت ستنصب على تخوم روسيا، في بولندا وتشيكيا وغيرهما، في سياق عملية اختراق روسيا وتفكيكها، التي انهارت في العام 2008 بانهيار خطّ الهجوم في جورجيا، وفي أوكرانيا أيضاً. وحينئذ سارع كيسنجر إلى الدعوة لوقف المواجهة مع روسيا وبناء أرضية مشتركة للتعاون معها. لقد استجابت الإدارة الأمريكية لاقتراح كيسنجر ببساطة مدهشة، إلى الحدّ الذي دعت معه روسيا للاشتراك في قمة لشبونة. أمّا روسيا فقد تجاوبت ووافقت، فهل هو انحياز إلى الولايات المتحدة وحلف الأطلسي ضدّ الصين وإيران وأفغانستان والسودان والعرب والمسلمين عموماً؟ أم هي البراغماتية الأمريكية السامة، يمارسها ضحاياها الناهضون، فيواجهونها بطرائقها الملتوية وبأسلحتها الخبيثة؟ أليست هذه البراغماتية هي ما تمارسه إيران في أفغانستان والعراق، حيث تخوض ضدّ الولايات المتحدة حرب مواقع تراعي تقاطع المصالح بينهما وإن على حساب العراقيين والأفغانيين أحياناً؟ إنّ هذا يحدث رغم العداء المتأصّل الثابت بين إيران، أو روسيا، وبين الولايات المتحدة، بل إنّ الصين العظمى، المستعمرة السابقة التي أصبحت ندّاً اقتصادياً عملاقاً لكلّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تمارس بدورها مثل هذه السياسة، سياسة حرب المواقع الثابتة وتقاطع المصالح المتحركة، وهو ما لاحظناه مؤخراً في موقفها من قضية الانفصال في السودان، فهل هذا الأسلوب مفهوم ومشروع؟ أم مرفوض لأنه يتمّ هنا على حساب السودانيين، مثلما هناك على حساب العراقيين، وهنالك على حساب الأفغان؟

ولكن لماذا لا يمارس النظام الرسمي العربي سياسة حرب المواقع الثابتة وتقاطع المصالح المتحرّكة ضدّ الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مثل ما يفعل الآخرون ببراعة، بما في ذلك تركيا الأطلسية؟ لماذا لا يستفيد الحكام العرب مثل غيرهم من تعثّر وانكفاء التنّين الأمريكي، بالتعامل معه بأساليبه، بطرائقه البراغماتية، ومن داخله وضمن نظامه الدولي، من دون الاصطدام المباشر وجهاً لوجه مع جبروته الوحشي الأصمّ، المتفوّق إنّما الآيل للسقوط؟ ‘ كاتب سوري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية