محمد عبد الحكم دياب
ساعات محدودة تفصلنا عن بدء معركة الانتخابات التشريعية المصرية، ومن قلب الحدث يبدو العنف مظهرا غالبا على كل تفاصيلها. وقد لا يخلو ذلك من تعمد وقصد؛ هدفه بث الرعب والخوف في نفوس الناخبين من أجل ألا يقبلوا ويحجموا عن الذهاب إلى مقار التصويت للإدلاء بأصواتهم، وهذا إن حدث لن يكون استجابة لنداءات المقاطعة التى دعت إليها جماعات التغيير، إنما لتهيئة مناخ مطلوب للتزوير. وإيثار السلامة بجانب ما استقر من قناعة بانتفاء الجدوى من انتخابات محددة النتيجة مسبقا، وتزويرها الممنهج مؤكد بخبرات متراكمة على مدى عقود مضت؛ غيبت الثقة في أي وعود أطلقها حسني مبارك أو أي مسؤول كبر أو صغر بالنزاهة والحيدة.
ؤومع ذلك فإن الحالة التي يعيشها الشارع المصري تجعله أقرب إلى المشاركة في الانتخابات من مقاطعتها، كنوع من تحدي العنف والترهيب والتخويف. وفي وقت جددت فيه الحركة المصرية للتغيير ‘كفاية’ نداء المقاطعة للمرة الأخيرة.
أحداث عنف دامية تعم مصر، ومثَّل صدام الأمن والشرطة مع مسيرات الإخوان المسلمين في مدينة الإسكندرية الجمعة قبل الماضية. مثَّل جبل الثلج العائم في بحر العنف المتلاطم، الذي يخفي أكثر مما يظهر، وأثار قلقا بالغا مما يمكن أن تسفر عنه نتائج هذه الانتخابات الموصوفة بالمروعة من قبل مواطنين عاديين. منظمات الحزب الحاكم، وأجهزة الحكم والأمن تندفع على طريق العنف والدم، بلا تحفظ وبخطى متسارعة حتى النهاية، وبدت فاقدة للعقل والرشد، وغير قادرة أو راغبة في التراجع، في معركة بدت بالنسبة لها معركة حياة أو موت. لكن رد الفعل المقابل من قِبَل الشارع بدا على نفس درجة ونوع الفعل؛ حيث الإصرار الواضح على تحدي سلطة الحزب والحكومة والأمن، ومقاومة بطشها وملاحقاتها. وبدت كلها مشاهد في ملحمة تغيير كبرى؛ أضحى التراجع فيها غير ممكن، وترفا لا يقبل به مواطنون يموتون في اليوم ألف مرة من قهر الحكم وصعوبة الحياة.
الصراع الانتخابي هو سدة العنف ولحمته في الوقت الراهن، وزاد عليه تجدد العنف الطائفي المندلع على نطاق واسع بحي العمرانية بالجيزة الأربعاء الماضي. ومن المتوقع أن يبقى العنف بعد أن تضع الحرب الانتخابية أوزارها. وهناك مؤشرات تقول بأن العنف سيستمر إلى ما بعد انتخابات الرئاسة العام القادم. ووصف مصدر مطلع ما يجري بتكسير عظام متبادل؛ بين أهل الحكم بما يملكون من ثروة ووسائل قمع وبطش من جهة، وشارع مستفز ومستنفر من جهة أخرى، ومعركة انتخابية كانت مصدرا للسخرية حولتها الظروف إلى مقاومة حقيقية لحرب أشتعلت ضد الشعب بلا تمييز.
في مشهد آخر كان وائل الإبراشي رئيس تحرير صحيفة ‘صوت الأمة’ الخاصة، ومقدم برنامج ‘الحقيقة’ على قناة ‘دريم’ قد وجه نداء؛ عَبْر صحيفته يدعو الإعلاميين ومقدمي البرامج الحوارية المرئية؛ إلى اعتبار يوم الأحد (غدا) إجازة يتوقف فيها هؤلاء عن العمل، كي لا يكونوا شهود زور في انتخابات، من المتوقع أن تشهد كل صور التزوير والعنف، ووجه الإبراشي نداءه احتجاجا على قيود وضعها وزير الإعلام؛ تمنع النقل والبث المباشر لما يجري على حقيقته، وفق المعايير المهنية السليمة، وأثارت دعوة الإبراشي جدلا واسعا في الأوساط الصحفية والإعلامية.
وتستحوذ انتخابات الغد على أكبر اهتمام محلي وإقليمي وغربي. وهذا الاهتمام الزائد يعود لعلاقتها، كما ذكرنا السبت الماضي، بالانتخابات الرئاسية القادمة، وتعويل أهل الحكم على المجلس التشريعي المنبثق عنها في حسم قضية الاختيار بين التمديد للأب أو التوريث للابن. وذلك الاختيار وإن بدا ثنائيا إلا أنه في حقيقته اختيار واحد يضمن بقاء الحكم واستمراره متوارثا في عائلة مبارك؛ وإذا كان ذلك صعبا في الظرف الراهن، فالتمديد يترك الباب مفتوحا أمام فرص أخرى قد تأتي مستقبلا؛ ينتقل فيها الحكم من الأب إلى الابن.
وهذا الاهتمام لم يمنع من نشوب معركة مفتعلة بين القاهرة وواشنطن؛ بسبب الرقابة الدولية على الانتخابات. ومنذ أن أفصحت وزارة الخارجية والرئاسة الأمريكيتان عن رغبتهما في الرقابة الدولية قامت قيامة المسؤولين الرسميين، فاطلقوا قذائفهم الإعلامية والصحفية رفضا لها، واعتبارها تدخلا في الشأن الداخلي المصري، وجاء هذا اعترافا واضحا لا لبس فيه بأن التزوير أصبح شأنا داخليا واجب الحماية. لذا انبرى الأمين العام للحزب الحاكم ورئيس مجلس الشورى صفوت الشريف في حديث له لوكالة أنباء الشرق الأوسط الجمعة قبل الماضية رافضا الرقابة الدولية، وبعدها جاءت تصريحات وزير الشئون القانونية مفيد شهاب إلى قناة الجزيرة مؤكدة على الرفض، وهذان المسؤولان يعتبران الرقابة؛ إن لم تكن رجسا شيطانيا فهي تطفل سياسي أو مساس بالسيادة الوطنية.
وفي هذا خلط متعمد بين رقابة دولية أضحت عرفا تقبل به الدول في انتخاباتها التشريعية والرئاسية وبين تدخل في الشؤون الداخلية. والرقابة شيء والتدخل شيء آخر. وليس هناك من يقبل بالتدخل الأمريكي أو غيره في الشأن الداخلي لمصر أو غير مصر. ورفضه موقف صحيح، ينحاز إليه الوطني المستنير والغيور. إلا أنه موقف لا يُفهم ولا يُستوعب من أهل الحكم وأركانه، فهم يستجيبون دوما للضغوط والتدخلات الأمريكية والصهيونية تحديدا، وقد أفقرت مصر وأفقدتها مناعتها وأضاعت استقلالها وأضعفت دورها. ونتج عن ذلك فقدان الناس لثقتهم في ادعاءات وأكاذيب المسؤولين الحزبيين والرسميين عن السيادة الوطنية والأمن القومي.
أهل الحكم وموالوهم يجدون راحتهم ومصلحتهم في أحضان الاحتكارات وأجهزة السياسة والأمن الأمريكية والصهيونية؛ يدينون لها بالبقاء والاستمرار. والمجال لا يتسع لحصر التدخلات الأجنبية والصهيونية في الشؤون الداخلية المصرية، ولا بيان الانتهاكات الماسة بالسيادة الوطنية، ولا رصد الممارسات التي تؤكد التبعية، ولا صور التغطية التي تتم لكل ذلك بالافتعال والتدليس. تدخلات سافرة وقبول ذليل بما لا يمكن القبول به في أي بلد مستقل ومتحرر الإرادة غير تابع. ونختار الجدار الفولاذي الفاصل بين مصر وفلسطين، على الحدود مع غزة. نختاره كنموذج لأكثر أنواع التدخل الأجنبي سفورا. وإن كان قد أحيط مؤخرا بالتعتيم ولفه الغموض فهذا لا يغير الموقف منه. فكرة الجدار أمريكية، ومن تولى تصميمه وتصنيعه سلاح الهندسة العسكرية الأمريكية، ومن قام بنقله وأشرف على تنفيذه فنيون وعسكريون أمريكيون على أرض مصرية في تكتم شديد، ولما كشفت أجهزة الصحافة والإعلام أمره بعد إنكار؛ تغنى به مداحو الحكم ودعا له وعاظ السلطان؛ وصفوه بما ليس فيه، بدعوى حماية الحدود من الخطر الفلسطيني وليس الصهيوني. وأشهَرَ المداحون والوعاظ سيوفهم الخشبية ضد تدخل مزعوم في شكل رقابة دولية على الانتخابات.
ولا بد أن يدلي القانون بدلوه في هذا الادعاء، ولن نجد أفضل من الفقيه وأستاذ القانون الدستوري والوزير الأسبق يحيى الجمل وهو يشير في مقال له نشرته صحيفة ‘المصري اليوم’، يوم الاثنين الماضييشير إلى عدم صحة الادعاء بمساس الرقابة الدولية على الانتخابات بالسيادة الوطنية، وأوضح أن المساس بالسيادة يكون بقرار من سلطة تتعارض مع السلطة المصرية، وترغمها على اتخاذ موقف معين في أمر معين، لأن منظمات المجتمع المدني، المنوط بها القيام بمهمة الرقابة لا تملك سلطة، ولا تقدر على فرض شيء على بلد تُبَاشَر فيه مثل هذه الرقابة، وقد أصبحت عرفا دوليا في كثير من بلدان العالم. ونوه في مقاله إلى مشاركة وفود مصرية في الرقابة على الانتخابات في بلاد عدة، ولم توصف تلك المشاركة المصرية أو غيرها بأنها مست سيادة تلك الدول من قريب أو من بعيد. فمنظمات المجتمع المدني.. حسب رأيه.. تراقب وترصد كيفية سير العملية الانتخابية، وكيفية فرز الأصوات وإعلان النتائج، ثم تذيع حصيلة ما رأته وما رصدته بغير تدخل في أي من إجراءات العملية الانتخابية، والمنظمات المدنية والأهلية تملك حرية تساعدها في إعلان الحقائق كما رأتها. ورفض رقابة من هذا النوع معناه الرغبة في إخفاء حقائق بعينها عن الرأي العام، وهذا لا يجوز! ونعتقد أن رأي هذا الفقيه القانوني المعروف لم يسقط من حسابه المنظمات المشبوهة؛ الممولة من هيئات ومؤسسات أمريكية وغربية غير بريئة؛ لها انحيازاتها المعادية لحقوق الإنسان وضد الحريات والديمقراطية. تلك المنظمات المشبوهة ليست ما يقصده، لوجود منظمات ‘صديقة للبيئة’، إذا جاز التعبير، أي صديقة لقضايا حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، منها ما هو مناهض للاستبداد والاحتلال والاستيطان والعنصرية، ومنها ما هو محايد منصف في سعيه لكشف الحقائق أمام الرأي العام، ومِثْلها لا يمثل خطرا على السيادة الوطنية؛ ما هو الخطر الذي يمكن أن تجلبه رقابة منظمة الوحدة الافريقية، ومنظمات دولها الكبيرة غير الحكومية، مثل جنوب افريقيا؟ وكذا هناك منظمات في الاتحاد الأوروبي، وفي دوله المحايدة والديمقراطية؛ مثل سويسرا والنمسا والسويد والدنمارك والنرويج، وحتى بعض منها في عدد من الدول العربية؛ كمصر ولبنان والجزائر والمغرب وموريتانيا وقطر، والآسيوية كاليابان، والإسلامية في ماليزيا ودول في آسيا الوسطى وتركيا، وغيرها كثير.
والفروق واضحة بين تدخل دول وسلطات رسمية، وبين رقابة منظمات حقوقية محلية وإقليمية وأممية، فتدخل الدول يقوم على الإرغام، ويتم بالضغط بأنواعه؛ السياسي والاقتصادي والعسكري. ورقابة المنظمات الأهلية ذات طبيعة أهلية؛ ليس فيها إرغام أو ضغط. ونسأل: أيهما أخطر على الاستقلال والسيادة الوطنية؛ التزوير ومصادرة إرادة الناس ووطأة البطش والعنف البوليسي والبلطجة، أم الرقابة من منظمات وجماعات ‘صديقة للبيئة’؟ قد يعتبر البعض أن هذا كلام متأخر بعض الشيء، فلم يبق من الزمن سوى سويعات على حدث يشد أنظار العالم من كل اتجاه. لكنه كان لازما لكشف التدليس والانتقائية في سياسة حزبية ورسمية في بلد يخوض معركة تسيل فيها الدماء بلا حساب!’ كاتب من مصر يقيم في لندن