عن ثقافة ‘الويكي’: بدائل اخرى للمعرفة خارج الاسوار

حجم الخط
0

نبيل بنعمرو

من بين الوسائل الجديدة التي أصبح حضورها طاغيا عند تصفحنا للويب، المواقع أو الصفحات التي يطلق عليها اسم ‘ ويكي’ (wiki). هذه الكلمة المشتقة من لغة أهل هاواي تعني”بسرعة’ وهي نوع جديد من المواقع الذي يمَكِّن أي مستعمل أو متصفح للويب من كتابة أو تغيير صفحة ما. هذه الإمكانية لا تتطلب معرفة مُلِمة بتقنيات كتابة صفحات الويب، بل يكفي فيها استعمال أي متصفح للويب (Navigateur) كموزيلا فايرفوكس مثلا. لكن لإحداث هذا النوع من المواقع يجب بالطبع استعمال برمجيات معينة من نوع ويكي (wikimedia). إن مواقع ‘ الويكي’ تشكل أحد تمظهرات حرية التعبير على الويب، الشيء الذي جعلها تنتشر وتتكاثر بشكل سريع. ولعل أشهر مواقع ‘ الويكي’، هو موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا ( wikip’dia) لمؤسسه الأول Jimmy Wales والذي كان يعتبر أن فلسفة البرنامج الحر GNU تشكل محفزاً حقيقياً لحرية التعبير على الإنترنت. بالفعل، فلقد أصبحت ويكيبيديا أكبر موسوعة في العالم بفضل انفتاحها واعتمادها على العمل الجماعي في تحرير الصفحات. فإذا قارنا بين ويكيبيديا وبعض الموسوعات الكلاسيكية والتي تعتبر مرجعية، سنجد مثلا أن موسوعة Universali تحتوي على حوالي 30 ألف صفحة، وهي إنتاج فرنسي محض، وأن الموسوعة البريطانية ‘ بريطانيكا’ تحتوي على الأكثر على 65 ألف صفحة، في حين أن ‘ ويكيبديا’ تحتوي الآن على أكثر من 16 مليون صفحة، منها 3.4 مليون بالإنكليزية.لقد أصبح الآن من النادر أن لا يحيلنا بحث ما في غوغل، على ويكيبيديا. بالفعل، لقد أضحى موقع هذه الموسوعة الحرة، يحتل المرتبة السابعة عالميا من حيث التصفح، مع أنه موقع غير تجاري! قوة ‘ ويكيبيديا’ تكمن في كونها حرة، مجانية ومتعددة اللغات. فهي تعتمد أساسا على البرنامج الحر wikimedia، ولا تقتضي الانخراط للتمكن من التصفح أو حتى تغيير محتوى صفحة ما. الى جانب هذا فإن الموقع يوفر المعلومات بـ 250 لغة، وبالتالي تصبح هذه الموسوعة ملكاً للجميع’! بالإضافة الى أن اعتماد ويكيبيديا على الويب، يمكن للمتصفح لموضوع ما أن ينتقل الى مواضيع فرعية داخل الموسوعة عبر الروابط. لقد انتبهت جهات عديدة الى الدور الجديد الذي يمكن أن تلعبه مواقع ‘ الويكي’. هكذا نلاحظ أن بعض المعاهد والجامعات الأمريكية تشجع طلبتها على الكتابة في ‘ ويكيبيديا’ لكي يتعلموا منهجية الكتابة المحايدة بعيدا عن الغلو والتطرف والتقوقع داخل ايديولوجيات الملل والنحَل، ويـتعلمون أن إنتاج المعرفة يخضع حتما لمراجعة الأقران أو ما يصطلح عليه في مناهج البحث العلمي بِـ peer review. يكتشف الطلبة عن طريق ثقافة ‘ الويكي’ بدائل أخرى للتعلم والمعرفة خارج أسوار الجامعة. هكذا تصبح المعرفة ديناميكية ومتغيرة وذلك حسب مساهمات المتدخلين والكتاب، وبالتالي فرغم أن مقالا ما يمكن اعتباره مرجعا في موضوع ما، فإنه ستصعب الإحالة عليه لأنه ببساطة قد يتعرض للتغيير في أي وقت! مع ويكيبيديا، لا تتمثل الخبرة في شخص معين بقدر ما تتمثل في صيرورة عمل جماعي.رغم كل الإغراءات التي انهالت على ويكيبيديا من طرف شركة غوغل على سبيل المثال، فإن الطاقم الذي يقف وراء المشروع أصر على أن تبقى الموسوعة ذات طابع غير نفعي!بإمكاننا أن نتساءل هل كل ما يوجد في ويكيبيديا، يحظى بثقتنا؟ كيف يمكن لهذه الموسوعة أن تبقى في منأى عن الأيديولوجيا؟ ما قيمة الخبرة إذا كانت المقالات قد لا تكتب من طرف أهل الاختصاص بالضرورة؟ ما قيمة المقالات الغير موقعة؟ كيف تستطيع هذه الموسوعة أن تقاوم محاولات التخريب التي تتعرض لها على وجه الخصوص الصفحات ذات الحمولة السياسية والتاريخية؟الجواب يكمن في طريقة تنظيم الموسوعة. إن الشرط الأساسي لكي يصنف موضوع ما في الموسوعة، هو تفوق كاتب الموضوع وشهرته (notabilit’)، وتمكنه من الإحراز على ثقة الآخرين. لكن، يبقى هذا الشرط نسبياً في نظر العديد من المتتبعين لهذا المشروع. من ناحية دقة المعلومات الموجودة في ‘ ويكيبديا’، فإن نتائج دراسة قامت بها مجلة Nature، على عينة من 42 مقالا ً، بينت أن الجودة متكافئة بين ويكيبديا و الموسوعة البريطانية: بريطانيكا’! إن المخاوف بشأن جودة المحتوى في ‘ ويكيبديا’ دفعت لاري سانجر، أحد مؤسسي الموسوعة، إلى إطلاق Citizendium، مشروع آخر على طراز ‘ ويكيبديا’ يتوخى تحسين المحتوى عن طريق إضافة ‘ رقابة لطيفة لخبير’ ومطالبة المساهمين باستخدام أسمائهم الحقيقية. هذا لن يمنع بالتأكيد طاقم ‘ ويكيبديا’ من أخذ صفحات الموسوعة الحرة الجديدة Citizendium التي ستكون قد ‘ استوت على سوقها’ وتضمينها داخل الموسوعة الحرة ‘ويكيبديا’: إنها قوة البرنامج الحر! باحث من المغربqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية