‘زهايمر’، الضحك من غير سبب يفسد المعنى والكوميديا والتراجيديا السوداء!

حجم الخط
0

اللعب بذاكرة الزعيم خطيئة السينما التجاريةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: في روايتها ‘عشق بسيط’ سجلت الكاتبة الفرنسية آني إرنو قبل نحو عشر سنوات كل التفاصيل الدقيقة عن مأساة والدتها مع مرض الزهايمر. فالرواية تحكي تجربة ذاتية مريرة خاضتها الابنة مع الأم حين شاخت ذاكرتها وضمرت خلايا المخ باتت غير مسؤولة، تلهو كطفلة في سن الرضاعة تشع من عينيها براءة لا تشي بأي خبرات من تلك التي تراكمت عبر سنوات عمرها المديد، الذي تجاوز الثمانين، سقطت كل الأحداث والمواقف ومحيت الأسماء والتواريخ ولم يعلق بذهنها سوى ما فصلتها عنه السنوات الطويلة، أما واقعها الآني وعالمها الذي تعيش لحظته فهو غائب تماماً لا تعرف عنه شيئا ولا يمت لها بصلة، قالت إرنو عن أمها المريضة أنها كانت مسجونة في ماضيها تجتره بحنين وتعي كل دقائقه.

أما القريب فهو ذلك العالم المجهول المخيف الذي تدخله لدقائق معدودة في أوقات الصحوة ثم سرعان ما تخرج منه مذعورة!

المحنة جسدتها الكاتبة الفرنسية بعمق بعد أن استفادت من كل أوجاعها وآلامها وصاغتها في نسيج تراجيدي محكم ملك قلوب القراء وجعل الطبعة الأولى من الرواية تنفد فور الصدور، ولا تتأثر بمشاعر الفرنسيين الباردة التي تماثل طبيعة مناخهم الثلجي القارس، أما نحن فقد حولنا مأساة الزهايمر إلى كوميديا وبذل كاتبنا نادر صلاح الدين جهدا مضنيا لخلق مفارقات مضحكة لنستخف بدورنا بالمريض المنكوب ونسخر من أعراضه المرضية وما طرأ على سلوكه من تغير مفاجئ، قبل أن نكتشف خديعة السيناريو العبقرية أن ثمة مؤامرة تحيط بالأب المسكين محمود بك ‘عادل إمام’ لتنفيذ حكم مأمول بالحجر عليه من ولديه الوحيدين فتحي عبدالوهاب وأحمد رزق ومعهما زوجة الأخير، لأن قرضاً بنكياً ضخما استعصى على الولدين سداده فلجأوا إلى تلك الحيلة البلهاء لتكون نواة لدراما اكثر بلاهة، كل ما جاء بها سطحي وملفق ومخيب لآمال الجمهور الذي انتظر أن يرى من نجمه المفضل شيئاً مختلفا، فكان هذا المسخ هو النتيجة، حيث الكتابة السهلة لا تسفر إلا عن نتائج بهذا المستوى يتورط فيها نجوم كبار ويحملون وحدهم دون غيرهم وزر ما صنعته أيادي لم تتدرب كثيرا على الكتابة ولا تعرف قيمة من تتعامل معهم، سواء كان البطل الرئيسي أو الأبطال المساعدين، في حجم أحمد راتب ولطفي لبيب ورانيا يوسف ونيللي كريم، حيث الكل تحولوا الى كومبارس في غيبة الموضوع الحقيقي وذوبان الفكرة الذكية في تفاصيل كوميدية عبثية، حتى أن طاقة الضحك المدخرة والمتمثلة في الفنانة الموهوبة إيمان السيد ظلت مدخرة ولم يستغل منها غير القليل جدا لضيق مساحة الدور في السيناريو المشطور الى نصفين، نصف استحوذ عليه عادل إمام بالكامل ونصف آخر تم توزيعه على بقية الأبطال بمن فيهم عادل أيضا، أي أنه بحسبة رياضية بسيطة يصبح الزعيم المالك الشرعي لثلاثة أرباع المساحة الدرامية، والربع هو النصيب الفعلي لكل من شاركوه التمثيل أو بمعنى أدق وقفوا بجواره أمام الكاميرا، ناهيك عن أن الحدوتة برمتها غنية عن أية حسابات لأن التجربة إذا خرج منها عادل إمام فهي محسوبة بالسلب على كل اصحابها، فليس هناك قضية ولا ظل لقضية إنسانية أو كوميدية أو ‘مهلبية’، رجل ثري أراد أبناؤه أن يهيمنوا على ثروته فحاولوا إيهامه بأنه مريض بالزهايمر ليحصلوا على حكم قضائي بالحجر عليه، بعد فترة وبمحض الصدفة تتأكد ظنونه في وجود أشياء غير طبيعية وغير منطقية تحدث من وراء ظهره وبقليل من الجهد وعن طريق ماسح الأحذية الممثل الشاب محمد رمضان يزداد يقينه بخيانة الأبناء والمحامي أحمد راتب والجنايني محمد الصاوي والعامل البسيط ضياء الميرغني، فيقرر بدوره الاتفاق مع نيللي كريم لاستكمال الخطة وتأديب ابنائه ويتغير وفق الخطة الجديدة مسار الأحداث ويقود المخرج عمرو عرفة الدفة ليصل بنا بدون مناسبة إلى لبنان، فنطالع أجواء جذابة وندخل في غمار حدوتة من نوع آخر قصر منيف ورجل مهيب وتمثيلية ينقصها الحبكة عن أكياس هيروين مغشوش هو في الأصل دقيق فينو أو بلدي، العلم عند المخرج، غير أن لهذه الرحلة ميزة بصرية يعود الفضل فيها للمصور محسن أحمد الذي جعل للصورة أبعادا زادت من إحساسنا بالمكان وكسرت حدة القتامة في مشاهد التصوير الداخلي بفيللا محمود بك المصاب بالزهايمر المجازي وهو الاسم الذي لم يمت للفيلم بصلة اللهم الا إذا اعتبرنا مشهد سعيد صالح بالمصحة النفسية هو العنوان المقصود، فسعيد بالباروكة والثياب المتسخة والماكياج والبول الذي انساب منه على غير إرادته كان حالة مجسدة للزهايمر الحقيقي وليس الزهايمر المضروب، وعلى الرغم من أن سعيد صالح لم يظهر إلا كضيف شرف إلا أنه كان الحالة الوحيدة المشيرة للمأساة المرضية، والفيلم الكوميدي المضحك من فرط غرابته!

لقد اختلطت الأحاسيس وتضاربت المشاعر فمن يرى عادل إمام وهو يحاول إكساب الفيلم طعما أداه بغير قدرة على الإضحاك الطبيعي يشفق عليه من المجهود الشاق الذي يبذله ويتذكر تاريخه الطويل أيام كان الجمهور يستقبل ظهوره على الشاشة بعاصفة من التصفيق الحار ويذهب في غيبوبة ضحك هيستيري لمجرد إشارة أو إيماءة أو حركة عفوية، في اعتقادي أن عادل اليوم كنجم له وزنه وثقله بات يسحب من رصيد عادل الأمس، والخوف كل الخوف أن يستمر السحب على المكشوف حتى يستنفد في الرصيد كله، الضمانة الوحيدة لنجم النجوم أن يبحث عن كاتب محترف ويتخلى عن مساندته للهواة قبل أن يتخلى عن تاريخه، ويا حبذا لو عاد الزعيم لرفيق دربه ومشواره وحيد حامد ليعيدا معا العزف الثنائي على أوتار السينما الشجية ويتجدد إبداع في حجم المنسي وطيور الظلام والغول وحتى لا يطير الدخان وليت أحلام الفتى الطائر تراوده مرة أخرى، عادل إمام مع وحيد وشريف عرفة طعم ثان ومذاق فريد مختلف عن الكوميديا السوداء والتراجيديا البيضاء!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية