في شعرية خالد علي مصطفى: بين قطب الوعي والمعنى وقطب الحلم والتفلّت

حجم الخط
0

سامي مهدي

خالد علي مصطفى شاعر فلسطيني مجتهد ومبدع، ولكنه مغبون على صعيد النقد والدراسة. فالنقاد العراقيون يعدونه شاعراً فلسطينياً، على الرغم من عراقية شعره في خصائصه الفنية العامة ومن دوره المتميز في حركة الشعر العراقي منذ ستينيات القرن العشرين، والنقاد الفلسطينيون يعدونه شاعراً عراقياً، على الرغم من أنه أعمق فلسطينية من كثيرين هماً وشعراً. وبقي حقه مهضوماً بين هؤلاء وهؤلاء، لا ينصفه إلا نفر من زملائه الشعراء الذين يعرفون شعره ودوره، وفلسطينيته وعراقيته. أما هو فيبدو زاهداً في الأضواء، وعازفاً عن التدافع بالأكتاف، لا يهمه إلا شعره. لقد جمعتني بخالد صداقة حميمة يزيد عمرها على ما يقرب من خمسة عقود، جرت بيني وبينه خلالها حوارات طويلة وقصيرة كثيرة، حول الشعر وغيره، فاتفقنا معاً في الكثير من الآراء والأفكار، واختلفنا في الكثير منها أيضاً، ولم يفسد الاختلاف ما بيننا من ود، وبقي لكل منا منهجه في كتابة الشعر والنظر إليه. ومقالي هذا عن شعره ليس أمدوحة مجانية تدخل في إطار الإخوانيات المكتوبة، بل نظرة نقدية خاصة بي أردت بها إلقاء بعض الضوء على هذا الشعر. أصدر خالد حتى الآن ست مجموعات شعرية هي: موتى على لائحة الانتظار، وسفر بين الينابيع، وسورة الحب، والبصرة – حيفا، والمعلقة الفلسطينية، وغزل في الجحيم. وهذه الأخيرة صدرت عام 1993 وهي آخر إصداراته حتى الآن، ولكننا نعرف أن لديه شعراً كثيراً غير منشور قد يزيد على مجموعتين شعريتين، فهو كسول في جمع قصائده ونشر مجاميعه. ولو بحثنا عما كتب عن مجموعاته الست المنشورة لما وجدنا إلا القليل، وأكثر هذا القليل عابر وسريع يقع على هامش الشعر، أو ينظر إليه من خارجه، فلا يتغوره ويعمل النظر والتأمل فيه، ربما لصعوبة تلقيه والتفاعل معه. فهو ليس شعر محافل ومنابر كأغلب الشعر الذي يكتب عن فلسطين، بل شعر قراءة صبورة متمعنة لا يصمد فيها إلا من يخلص لها. ومقالنا هذا قراءة خاصة في مجموعته ‘ غزل في الجحيم’ نريد التعرف من خلالها على طبيعة هذا الشعر والتوقف عند بعض خصائصه الفنية، فنحن نعتقد أن هذه المجموعة تمثل شعره كله خير تمثيل، وخاصة في طوره الأخير. تتكون مجموعة ‘ غزل في الجحيم’ من تسعة أقسام، لكل قسم منها عنوانه الخاص، والقسم يتراوح بين قصيدة واحدة كقصيدة ‘ سفر التكوين الفلسطيني’ وتسع عشرة قصيدة كقصائد ‘ السونيتات الفلسطينية’. وسننتخب من هذه الأقسام ثلاثة هي: كتاب الرؤى، والسونيتات الفلسطينية، وسورياليات، لأننا نرى أن الأقسام الأخرى تنويعات عليها، وهوامش وتعليقات على متونها. خالد علي مصطفى من أوائل الشعراء الستينيين الذين حاولوا الكتابة بلغـة أخرى غير لغة شعراء الخمسينيات في العراق، نعني غير لغة شعر بدر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة. فقد سعى إلى الكتابة بلغة غير قياسية، لغة استعارية، تقيم مفرداتها علاقات غير مألوفة في ما بينها، علاقات ذات أفق سوريالي إن صح التعبير، ولكنها تنشئ في الخفاء نسيجاً دلالياً يفضي في النهاية إلى رسالة ذات طبيعة آيديولوجية قابلة للتأويل. وقصيدة هذه طبيعتها لا بد من أن يتنازعها قطبان: قطب تنظيمي عقلي يحتفي بالمعنى ومعنى المعنى ويحرص على توصيل رسالة، وقطب ثان حلمي ( فوضوي) ينزع إلى التفلت والانفتاح على مديات أخرى غير محسوبة، أو غير متوقعة في الأقل. وهذا يتطلب من الشاعر جهداً واعياً يهيمن على الفوضى وينظمها، ويحفظ نسيج القصيدة الدلالي من أية خروق تمنعه من توصيل الرسالة أو تأويلها تأويلاً متماسكاً. والشاعر خالد شاعر عقلي بطبيعته، ونعني بهذا أنه حاضر الوعي في كتابة قصيدته، حفيّ بتنظيم فوضاها وإتقان نسجها، بل هو أقرب إلى أن يكون ( شاعراً محككاً) إذا شئنا استعمال المصطلح القديم. ذلك لأنه شاعر ذو رسالة، ورسالته ذات جوهر آيديولوجي، وهو يحرص على تبليغ هذه الرسالة تصريحاً أو تلميحاً، بالقول المباشر أو بالتأويل. ويبدو لنا من قراءة مجموعة ‘ غزل في الجحيم’ أن خالداً كان، في ما مضى، أكثر هيمنة على فوضى قصيدته الداخلية، وأشد حرصاً على تماسك نسيجها مما هو عليه في هذه المجموعة. فجملته أصبحت أكثر نزقاً وأقل حرصاً على وضوح الدلالة وتماسكها، وأميل إلى الانفتاح والتشظي في آفاق بعيدة: رأيت صوتي يستدير حول عوذةٍ يسحب من ورائه حنجرةً تساقطت من الغصون علبة مثقوبةً تساقط الصدى من الثقوبْ الرقبة تشبثت بالعتبة وانتظرت رقصتها حتى يجيء الجرح بالقمرْ قلت: انتظرْ أما ترى البحر يفر من سجونهِ ويختفي بجيب سائح يزور مقبرةْ؟ رأيت صوتي يتوارى خلف قنطرةْ ويسكب الأطفال في البوق. صحت بك: انتظرني كل الذي أعرفه أن كهوف طنجه يزّاحم الأحبار فيها، يستبدلون المنّ والسلوى بأوراق السفنْ صحت بك: انتظرني واختطف الرهبان صوتي، ثم وزعوه بين الجوق والكراسي وأعلنوا أن اعتراف النمل ضل تحت نعل الملك الحكيم فلتحذروا الجمر إذا جاء، ولا تفاوضوا الثلوج؛ قد أينعت مزارع الكليم واصطفت الجمال فوق شفرةٍ تأهباً لرحلة القلب إلى البروج. هذا مقطع من قصيدته ‘ رؤيا رقصة القبور’ وهو يقدم لنا الكثير من الصور الغريبة، ولكنه لا يقدم من الدلالة إلا القليل. فإذا صح هذا، ولا نحسبه إلا صحيحاً، فإننا نرى أنه يناقض كون قصيدة خالد قصيدة رسالية. فالقصيدة الرسالية تتطلب نسيجاً دلالياً متقناً يمكن القارئ من الوصول إلى تأويل متماسك يقترب كثيراً من الرسالة التي يريد الشاعر إبلاغها، إذ بعكسه تتشتت الدلالة ولا تصل من الرسالة سوى أطياف متشظية لا يكاد القارئ يمسك بشيء منها. والملاحظ أن هذا التناقض ظاهرة عامة من ظواهر هذه المجموعة. فلو أخذنا قصائده المعنونة بـ ( كتاب الرؤى) مثلاً لما أمكننا تأويلها بشيء يتعلق بالهم الفلسطيني إلا إذا استعنا بموجّه ٍ وضعه الشاعر خارج متونها، وهذا الموجه هو عنوان ثان ذو طابع تفسيري وضعه الشاعر تحت العنوان الأول للقصيدة هو ( فلسفة فلسطينية؟!)، وكأنه أدرك أن رسالة قصائد ( كتاب الرؤى) لن تصل إلى القارئ من دون إضافة هذا العنوان. ذلك لأن متونها كتبت بلغة فيها قدر كبير من الاعتباطية، وأدت هذه الاعتباطية إلى تشتيت الدلالة حتى لم يعد في الوسع الوصول إلى نسيج دلالي متماسك قابل للتأويل تأويلاً يتعلق بالهم الفلسطيني من دون الاستعانة بهذا العنوان. صحيح أن الشاعر استخدم رموزاً تاريخية وإشارات أسطورية لترصين الدلالة من جهة وتوسيع آفاقها من جهة أخرى، مثل: المن والسلوى، والملك الحكيم ( سليمان) والكليم ( موسى) وغيرها، ولكنه لم يقدم لنا متناً يقودنا إلى ذلك الهم الكبير إلا بالكثير من التجوّز. فهذه الرموز والإشارات تتخذ نسقاً اعتباطياً هي الأخرى، وما لم نستعن بعنوان ( فلسفة فلسطينية) يتعذر علينا تأويلها بشيء يتعلق بالهم الفلسطيني. ومع ذلك دعونا نستعين بهذا العنوان ونحاول التعرف على ماهية هذه ( الفلسفة) التي يريد الشاعر إبلاغها إلينا بكتاب رؤاه. يتألف هذا الكتاب من خمس رؤى وضع الشاعر كلاً منها في قصيدة، وأعطى كل قصيدة من هذه القصائد عنواناً خاصاً بها فهي: رؤيا رقصة القبور، ورؤيا الساعة، ورؤيا هبوط الحبيبة، ورؤيا مريمية، ورؤيا سوط الحبيبة. فماذا تقول هذه الرؤى؟ كل رؤيا من هذه الرؤى هي مجموعة رؤى في حد ذاتها تتراوح بين طراوة الأحلام وعذاب الكوابيس. ولقد قرأنا قصائدها مرات عدة، واستعنا في قراءتها بموجهات خارجية إضافة إلى عنوان ( فلسفة فلسطينية) أهمها معرفتنا الخاصة والحميمة بشخصية الشاعر ومنجزه الشعري، ولكننا لم نستطع التوصل إلى نسيج دلالي متماسك يقودنا إلى التعرف على هذه ( الفلسفة) أو الاقتراب منها بشكل معقول ( ربما كان هذا لقصور فينا) بل عثرنا بدلاً من ذلك، على تكوينات دلالية غامضة تتخلل تكوينات تشكيلية فيها آمال ضائعة وانتظارات عقيمة، وفيها تمزقات وفقدانات وانكسارات، إذا التأمت معاً أعطت ذلك الإحساس الذي لا بد لكل مهموم بفلسطين وقضية تحريرها من أن يحس به وهو يرى آماله تضيع أملاً بعد أمل في طريق لا تبدو له نهاية سارة حتى الآن، بل خاصة الآن. إذن، فلسنا بإزاء شبكة من الدلالات تقدم لنا ( فلسفة) بل بإزاء ( رؤى) مشتتة تربطها روابط لغوية، أكثر مما هي روابط دلالية. فلم سمّى الشاعر هذه الرؤى فلسفة فلسطينية؟ ولم ذيّلها بعلامتي استفهام وتعجب؟ وعم كان يستفهم؟ ومم كان يتعجب؟ أغلب الظن أن الشاعر استخدم كلمة ( الفلسفة) كما يستخدمها العوام، وهو استخدام ساخر في ما يبدو، فالفلسفة تعني هنا الثرثرة الكثيرة حول أمور ليست بها حاجة إلى كلام كثير. ومع ذلك يختزل الشاعر رؤاه بمقطع دلالي ينهي به آخر قصيدة من قصائد ( كتاب الرؤى) الخمس ويقدم فيه خلاصة فلسفته: لم تلح للطريق نهاية خمدت في الجرار غصون الحريق وبدا الصبح في حلة الشنقِ. . بعد قليل تغني العصافير بعد قليل تنادي الأزقة بعد قليل يؤذن فجر الخيام ضياء المجرّات بعد قليل يطول القليل يطول يطول ويهدأ في لحظة كل شيء. ما قلناه هنا عن قصائد ( كتاب الرؤى) يمكن أن نقوله عن قصائد أخرى في المجموعة منها: قصائد ( السونيتات الفلسطينية) وقصيدة ( سفر التكوين الفلسطيني). فالسونيتات لا نعرف أنها فلسطينية إلا من عنوانها، وسفر التكوين لا نعرف أنه فلسطيني إلا من عنوان قصيدته، وهذا في ظننا لا يتفق مع كونها قصائد رسالية. فالقصائد الرسالية ينبغي أن تعتمد في إبلاغ رسالتها على متونها وليس على عنواناتها. وإذا كان لا بد لعنواناتها من أن تلعب دوراً موجهاً، فلتكن إذن مجرد أسهم تشير. أما الأصل فهو المتون لا العنوانات. وهذه وجهة نظر خاصة لا نتشبث بها من أجل إصدار حكم معياري على الرؤى وكتابها. * * * نأتي الآن إلى قسم آخر من أقسام مجموعة ‘ غزل في الجحيم’ وهو القصائد التي يجمعها عنوان ( السونيتات الفلسطينية). ويتكون هذا القسم من تسع عشرة قصيدة يغلب على بناها السطحية نسق نظمي صارم، طالما تفلت منه الشاعر في قصائد المجموعة الأخرى. فهي جميعاً سونيتات، وهي جميعاً تخضع للنسق الشكسبيري في نظم هذا النوع من القصائد. فكل سونيتة تتألف من أربعة عشر شطراً وتنقسم إلى أربعة مقاطع، الثلاثة الأولى منها رباعية الأشطر والرابع ثنائيها، وتخضع السونيتات كلها إلى نسق واحد من أنساق التقفية هو: (أ ب أ ب) و (ج د ج د) و (هـ و هـ و) و (ز ز). وهذا أنموذج منها عنوانه ( الثلاثة): صعد البيتَ إلى السطح، رأى خلف السهول زرقة البحر تزيح الأفق عن حقل الذهب ربما يبحر في كف أبيه منجل – كيف الوصول؟ ما حصاد الأب؟ قمح أم حطب؟ * * * ما تزال الدور في شمس الضحى مسترخية والدكاكين بنت بالقرش والقرشين أهرام الزمان كيف يا أمي أباري نجمة فوق الضحى مستلقية لم تجبه. . فدعاه الحقل كي يربح للقمح الرهان. * * * هبط البيت إلى السهل على ألف جناح أين يا طفلي تمضي؟ إن درب الجلجلة نصب الخيمة في ألواح موسى واستراح ولم السرعة والمنجل وجه المقصلة. * * * سقطت رجلاه في السهل، فلم يدرك أباه لم يجد في البيت أماً. . فارتدى حلماً وتاه! ويمكن للقارئ أن يقسم السونيتات التسع عشرة إلى قسمين أولهما: ذكريات الطفولة، وثانيهما: تأملات الكهولة. ففي سونيتات القسم الأول يستنطق الشاعر ما تبقى في ذاكرته من صور انطبعت فيها من أيام طفولته في فلسطين، أو من مسيرة النزوح إلى العراق، أو من معسكر اللجوء في الشعيبة في جنوبه. أما في الثانية فيقدم لنا تأملات شاعر مثقف بلغ الكهولة وخبر الحياة وصارت له فيها نظرات خاصة. وهذا ما يرشح السونيتات التسع عشرة لقراءة خاصة من خلال ثنائية: الطفولة ـ الكهولة. غير أننا نريد الانصراف إلى القسم الأول منها مدفوعين بأكثر من دافع أحدها انحيازنا العاطفي إليها. ويتألف هذا القسم من ثماني سونتيات هي الثماني الأولى في ترتيب نشرها في المجموعة، وعنواناتها هي: حمى، مباراة، شارع في حيفا، (شركة) الموت، الثلاثة، قنينة الحبر، شارع في جنين، تهريب. ويبدو ابتداء أن هذه السونيتات تضع المناهج النقدية النصية موضع الشك والتساؤل، وهي تتجه بالاتهام إلى نظرية ( موت المؤلف) وتستبعد إمكانية أن يكون نقدها نقداً ذا معنى إذا كان محض ( نص على نص). صحيح أنها يمكن أن تقرأ قراءة نصية كغيرها من القصائد، ولكن مثل هذه القراءة ستكون من قبيل التأويل المفضي إلى التقويل، وستبتعد عن حقيقة القصائد ابتعاداً كبيراً، وستكون القراءة في النهاية محض متعة فنية أنانية. أجدر بهذه السونيتات إذن أن تقرأ في ضوء ما يتوفر حولها من موجهات القراءة خارج المتن، وفي مقدمتها سيرة الشاعر. فهذه السيرة ليست مجرد سهم يشير إلى ما تنطوي عليه متون القصائد، بل هي أضواء قوية كاشفة تخترق بنيتها السطحية وتنفذ إلى بنيتها العميقة وتضيء جوانبها المختلفة، وهي توفر للقارئ من عناصر التوجيه ما لا توفره العنوانات، على الرغم مما في هذه من إسهاب وشرح. فعنوان مثل ( تهريب ـ معسكر الشعيبة ـ بصرة ـ 1950) لا يكفي لإضاءة القصيدة ما لم نعلم أن الشاعر لاجئ فلسطيني أقام مدة في معسكر الشعيبة القريب من مدينة البصرة في أول عهده باللجوء. وعنوان مثل ( شارع في جنين ـ 1948) لا يكفي لإضاءة سبيل قراءة القصيدة التي يتصدرها ما لم نعلم أن هذا الشارع كان محطة من محطات نزوح الشاعر وأهله من فلسطين إلى العراق. فكيف إذا كان العنوان مجرداً مثل عنوان ( الثلاثة) عنوان الأنموذج الذي قدمناه؟ ويبدو أن الشاعر نفسه حريص على أن نقرأ سونيتاته هذه في ضوء سيرته الذاتية، فهو وضعها تحت عنوان (السونيتات الفلسطينية) ووضع لنصفها عنوانات فرعية تدل على سيرته، ثم عزز هذه العنوانات بتواريخ تقودنا إلى عهد طفولته وصباه، وأكثر من ذلك رتّب سونيتاته في المجموعة ترتيباً زمنياً، فالأولى تقودنا إلى طفولته المبكرة، والثامنة تقودنا إلى عامه الحادي عشر (1950). سنقرأ هذه السونيتات إذن في ضوء موجهات من سيرة الشاعر سمحت علاقتنا الشخصية به بأن نعرفها منه مباشرة. فقد حدثنا غير مرة، وفي أوقات متباعدة، عن صور وأطياف معينة ترسبت في ذاكرته من أيام طفولته في فلسطين، ومن أيام نزوحه إلى العراق وأيام إقامته في معسكر أعد لإيواء اللاجئين مؤقتاً في الشعيبة، ووجدنا هذه الصور ماثلة في هذه السونيتات، إذ زرع في كل واحدة منها طيفاً من أطياف تلك الصور واتخذ منه أساساً لبنائها، وهذا يعني أن الذاكرة هي النواة المولدة فيها. غير أن الذاكرة ليست هي المولد الوحيد في هذه السونيتات، بل ثمة مولد ثان يعمل إلى جانبها هو: الخيال. فعادة ما تبدأ السونيتة بصورة من نتاج الذاكرة، صورة تنبثق من ذلك الماضي البعيد هي أقرب إلى الطيف منها إلى المشهد الواضح ولكن لتأثيرها من القوة بحيث تفعل فعل الشرارة التي تشعل حريقاً، فهي تحفز المولد الثاني ( الخيال) على الاشتغال ليتولى ملء فراغاتها وترتيشها وإكمالها وتأطيرها. وقد يبيح هذا المولد لنفسه أن يتلاعب بأصل الصورة فيضيف إليها بعض التفاصيل، أو يغير بعض تفاصيلها بتفاصيل أخرى، فهو من النشاط بحيث يستطيع أن يفعل هذا، والشاعر يمنحه حرية أن يفعل حين يريد، ولكن وعيه يتدخل في النهاية، وفي جميع الأحوال، فيضع للسونيتة خلاصة يستصفي بها حكمته الخاصة، ويوجه من خلالها رسالته ( وهي في الشطرين الأخيرين عادة) متبعاً في ذلك النهج الشكسبيري. إذن، فكل سونيتة من هذه السونيتات نتاج: ذاكرة، وخيال، ووعي. ذاكرة تفعل فعل الشرارة، وخيال يفعل فعل الحريق، ووعي يجعل من هذا الحريق فعلاً ذا مغزى. وهذا يضع السونيتات الثماني في نسق بنائي خاص بها ميزها عن السونيتات الإحدى عشرة التي وصفناها بـ ( تأملات الكهولة). فهذه الأخيرة لا تخضع لهذا النسق، وليس للذاكرة دور بنائي أساسي فيها، ولهذا اختفى منها عنصر الحكاية الذي فرض وجوده على سونيتات ( ذكريات الطفولة) ومنها الانموذج الذي قدمناه. ( صعد البيتَ إلى السطح، رأى خلف السهول / صورة البحر. . ). هذه هي الصورة التي تقدمها الذاكرة في سونيتة ( الثلاثة). ففي ذات ضحى صعد الطفل خالد إلى سطح بيته في قرية ( عين غزال) القريبة من حيفا، ورأى من هناك زرقة البحر الأبيض المتوسط وهي تتلألأ تحت شمس الضحى، فأخذ بهذا المنظر، وكان أن علق بذاكرته، وظل مرتسماً فيها، لا يذكر قريته إلا ويذكره، ولا يتحدث عنها إلا ويتحدث عنه، حتى ظهر في مطلع هذه السونيتة. ولكن ظهوره هنا، كما ينبغي أن نلاحظ، إخباري، فالمنظر ليس سوى طيف بعيد، ليس سوى لحظة كان قد مر عليها عند كتابة السونيتة أكثر من أربعة عقود، وليس في وسع الشاعر أن يقول عنه الكثير إلا إذا اشتغل المولد الثاني، أي الخيال. وهذا ما حدث فعلاً، فأثر هذا المنظر في نفس الطفل وفي ذاكرته كان من القوة بحيث شغل هذا المولد، فإذا به يصطنع حكاية الأب الذي يخرج إلى الحصاد، والطفل الذي يتبعه على جناحي حلمه، والأم التي تحاول أن تعيده إلى أرض الواقع المر، وأخيراً تدخل الوعي فأعطانا صورة الطفل وقد سقطت قدماه في السهل فلم يدرك أباه ولم يجد أمه حين عاد إلى البيت، ولم يبق له سوى أن يرتدي حلمه ويتوه. ترى أينبغي أن نؤول هذه السونيتة؟ أفلا نفهم من الشطرين الأخيرين أنها تقول لنا: إن الفلسطيني يتيم تائه، وإنه ليس له في تيهه سوى أن يحلم، إن بقي ثمة حلم؟! وعلى هذا النسق البنائي تجري السونيتات السبع الأخرى. * * * هناك قسم آخر من أقسام مجموعة ‘ غزل في الجحيم’ يتكون من ست قصائد هي: بحار، خطيب، صمم، مظلة، حكمة، هدية، ويجمع هذه القصائد عنوان واحد هو: سورياليات. ولكن المعروف عن خالد أنه ليس بالشاعر السوريالي. إذن فحرصه على وصف هذه القصائد الست بأنها قصائد سوريالية لا يخلو من مغزى. من الواضح أن الشاعر يريد أن يخبرنا بهذا الوصف بأن قصائده هذه مختلفة عن قصائد المجموعة الأخرى. وليس هذا فحسب، بل هو ينسبها إلى اتجاه معين في الكتابة الشعرية ويدعونا، ضمناً، إلى قراءتها في ضوء نسبتها إلى هذا الاتجاه حصراً. ولكن دعونا نتساءل قبل كل شيء: هل هذه القصائد سوريالية حقاً؟ تقتضي الإجابة عن هذا التساؤل أن نحدد مفهوم القصيدة السوريالية لنرى مدى تحقق هذا المفهوم فيها. فالركون إلى معيار نظري هنا لا بد منه إذا ما أردنا مجاراة الشاعر في تحديد هويتها وقراءتها بوصفها قصائد سوريالية. إذن ما القصيدة السوريالية؟ ما مفهومها؟ القصيدة السوريالية هي تلك التي تكتب كتابة آلية. والكتابة الآلية هي الكتابة في غياب الوعي بطريقة إرادية. وهناك أكثر من طريقة جربها السورياليون لتغييب الوعي والتحرر من سلطانه منها: التنويم المغناطيسي، والكتابة تحت تأثير المخدرات، والكتابة بالتداعي الحر. فهي بهذا كتابة حلمية، مضادة للعقلانية، متمردة على القيم السائدة، وخارجة عن منطق اللغة المألوف. وهي بهذا المعنى كتابة بلغة استعارية لا علاقة منطقية بين طرفي استعارتها، حتى لتبدو وكأنها نوع من الهذيان المجنون. ولذا تحفل القصيدة السوريالية بما يسمى ( المصادفات الموضوعية) و ( الدعابات السود) والمراشقات اللفظية. غير أن هذا يحدث في القصيدة السوريالية المذهبية، عند من كانوا يتخذون من السوريالية طريقة حياة، وفعلاً للممارسة، ومنهجاً للاحتجاج والرفض والقطيعة، كما هو شأنها عند السورياليين الأوائل، أعني أندريه بريتون وعصبته، وعند مقلديهم القلائل في أوروبا وأمريكا اليوم، وهي بهذه الصورة القصيدة السوريالية التقليدية بمعنى من المعاني، والقصيدة السوريالية الخام بمعنى آخر غير ذلك المعنى، وهي، في أية حال قصيدة مدعية، متبجحة، ليس فيها من الشعر إلا ومضات عابرة، وليس لها من رصيد حقيقي سوى رصيدها التاريخي. أما القصيدة السوريالية التي تملك رصيداً شعرياً فهي تلك التي كتبها شعراء نبذوا المذهبية السوريالية وفضائحيتها وتهريجها، وأصبح كل منهم سوريالياً على طريقته الخاصة، فهم سورياليون مهذبون إن صح التعبير، وهم شعراء كبار، طاقاتهم الشعرية أكبر من قميص السوريالية الضيق، نعني شعراء من طراز هنري ميشو، ورونيه شار، وأوكتافيو باث، وليوبولد سنغور، وغيرهم، شعراء يكتبون قصيدة سوريالية مهذبة، جادة، زاخرة بالشعر، لأن الشعر فيها غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لإدراك غايات أخرى غير شعرية. ترى أين تقع قصائد خالد الست من كل ذلك؟ إنها، على ما نرى، تطمح إلى أن تكون قصائد سوريالية، ولكنها ليست كذلك. فعلى الرغم من أن صورها ذات نزق سوريالي واضح، ولكنها ذات نسيج دلالي منطقي وخواتيم مصنوعة ونهايات مغلقة، خلافاً لطبيعة القصائد السوريالية الحقة. خذ قصيدة ( مظلة) مثلاً: تحت المظلة واقف. قدماي تنتهكان في البستان قانون الرصيف. مرت ثياب دون عري، مرت الغرف المضيئة من ثلوج القطب أقطع معصميَّ ليسبقا شفتيَّ ثم أرقّع العربات من أذيالها. . قد تشمخين من النوافذ. . لا أرى إلاّ المظلة ترتدي رقماً، وتمنحني بطاقة مقعد في باصها الخرب الأخير. لعلنا نلاحظ أن هذه القصيدة ذات بناء سردي حكائي متسلسل، له بداية ونهاية، وهو ينطوي على محمولات دلالية منطقية، ورؤية منطقية للواقع هي الأخرى، وكل ذلك يتعارض ومفهوم التداعي الحر الذي يتخذه الشاعر السوريالي منهجاً في الكتابة. إنها قصيدة شاعر يقف في محطة باصات ذات مظلة، يراقب الباصات في قدومها ورواحها انتظاراً لامرأة يأمل أن تظهر في نافذة أحدها، ولكنه يظل ينتظر دونما جدوى حتى الباص الأخير. وهذه حكاية منطقية مكتملة. أما صورها التي تتظاهر بالنزق ( مثل: قدماي في البستان تنتهكان قانون الرصيف / وأرقّع العربات من أذيالها) فمنطقية هي الأخرى لو شئنا النظر في استعاراتها وشرحها. وحتى السخرية الشفيفة التي تنطوي عليها لا تدخل في نطاق الدعابات السود، بل هي ضرب من التأسي الرومانسي على الذات، وهي لكل ذلك ليست بقصيدة سوريالية، بل قصيدة اعتيادية. وخذ قصيدة ( البحار) مثلاً آخر: بحر تقلص فوق كرسي ونام. بحر تدلى من حزام الذكريات. بحر تأنق في شرايين الرخام. بحر أناخ بحبة. بحر تسلق بهلواناً وارتخى بين العظام. بحر تأبط سلّماً وأضاع ذاكرة البحار. بحر يهرب في أظافره القطار. وجهي على سبّورة ومعلم الأحلام يستوفي ديون الخوف من كل البحار. هذه القصيدة وإن اعتمدت في بنائها على تراكم مجموعة من الصور السوريالية، أو ذات النزق السوريالي، استسلمت أخيراً للمنطق، منطق ( الخاتمة) الحاسمة، وإن شئت منطق ( بيت القصيد). فأمامنا وجه تلميذ يحلم بركوب البحر، والبحر يتحول من شكل كاريكاتيري إلى آخر، ومعلم الأحلام يستوفي من تلميذه ديون الخوف من كل البحار، ويحاول أن يحبط رغبته في المغامرة. والحق أن القصائد الست كلها تستسلم بكل نزقها السوريالي لمنطق مثل هذه الخاتمة الحاسمة، فكلها ينتهي بخواتيم من هذا النوع: كان الطفل يطيح بعهد التابوت ( قصيدة: صمم) وإذا كل هداياه / قطعة حلوى في إضبارة ( قصيدة: هدية) فتحتها. . لعل في بطونها مشاغب / كانت فضاء أملسا / يسقط من أجنحة الجنادب ( قصيدة: حكمة). وكذلك شأن قصيدة ( خطيب) وخاتمتها، وهذا وحده كاف لخروجها على معايير القصيدة السوريالية. وقد يذيل الشاعر خواتيم قصيدته هذه بعلامة تعجب (!) لتكثيف دلالتها وتوكيدها، وهذا ليس من تقاليد كتابة القصيدة السوريالية. إذن فنحن نزعم أن ( سورياليات) خالد ليست بقصائد سوريالية، وحتى عنوانها هذا يبدو عنواناً مصطنعاً، وكأن الشاعر نفسه يشك في سوريالتها. ولذلك نتساءل: أكان من الضروري أن توضع هذه القصائد الست تحت عنوان ( سورياليات)؟ أما كان أرحب لها أن تحرر من هذا العنوان؟ أما كان نشرها من دونه، أو تحت عنوان آخر، سيوسع إمكانات القراءة واحتمالاتها؟ جوابنا عن ذلك متضمن واضح. ونحن نعتقد أن خالداً ما كان ليفعل ما فعل لو كان في هذه القصائد شاعراً سوريالياً حقاً. ولكنه فعله لأنه شاعر عقلاني، تصرف بمنطق الشاعر العقلاني حين أراد تسويغ نزقه الفني. والواقع أن النزق السوريالي ظاهرة عامة من ظواهر شعره. فالصورة في شعره غالباً ما تكون اعتباطية التركيب، وهي اعتباطية تلقائية حيناً ومصنوعة حيناً آخر. ويبدو لي أنه فهم أن الكتابة بلغة مختلفة هكذا ينبغي لها أن تكون. أما القصيدة فهي تخضع، في مجملها، لمنطق عقلي يحاول التحكم بقدر الإمكان بنسيجها الدلالي وتوجيه رسالتها السياسية والآيديولوجية. ومتى ما عز ذلك عليه أعان قارئه بموجه من خارج متنها، مثل العنوان، والإهداء، وربما استعان بالهوامش والملاحظات ( كما في قصيدته الطويلة: سورة الحب مثلاً).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية