لمن يُرفع الأذان؟

حجم الخط
0

لقد شرع الله سبحانه وتعالى رفع الأذان قبل كل صلاة ليدل على دخول وقتها، فينتبه الغافل ويصحو النائم ويستعد من ينوي الصلاة وليتم المشغول ما بيده، هذا إذا كانوا يسمعون ويعقلون ما يسمعون. والله سبحانه وتعالى شرعه في الحضر والسفر، وفي المدينة وفي البراري وجعل لمن يرفع الاذان الأجر والثواب، سواء لبى الناس ندائه أم لم يلبوا. وإذا كان هذا هو الحال في شأن أفضل دعوة ترفع على سطح الأرض، نداء كله تكبير وتهليل وشهادة بالحق ودعوة إلى خيري الدنيا والآخرة فما بالك بدعوات البشر. الكثير من الكتاب والمفكرين ودعاة الإصلاح يحاول أن يبعث الأمل وينادي بالإصلاح ويحارب التخلف والجهل ويرسم الطريق لمستقبل أفضل. وهذا العمل بطبيعة الحال يحتاج إلى جهد وصبر، وإلى معاناة ووقت له ثمن قيم في حياتهم، وهم في ذلك كله لا يرجون ثوابا من أحد، بل يقومون به تلبية لنداء الضمير الحي وحب الأمل وعشق الإسهام في صناعة المستقبل. وهم يعرفون جيدا أن دعوتهم سوف تجد من يسمعها ويعيها ولو بعد حين، فقليل هي الدعوات التي انتشرت وتحققت في جيل أصحابها، فهم يعرفون أنهم يغرسون الأمل للأجيال من بعدهم، تماما كما يحدث في الحياة فعندما تغرس نخلة أو زيتونة قد تأكل منها ولكن خيرها سيفيد أجيالا عديدة من بعدك، والمثل يقول: غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون، ويمكننا أن نقول: كتبوا فقرأنا وتعلمنا ونكتب فيقرأ الآخرون ويتعلمون من بعدنا، وبهذا تنمو وتزدهر شجرة المعارف والعلوم وبذلك تزهو الحياة وتنمو وتتطور الدنيا. وكل كاتب قادر فاهم للأمور التي يتحدث فيها مطالبا من الله قبل الناس أن لا يكتم ما علم وأن ينشر علمه ليفيد غيره وحكم هذا يقع في نطاق فرض العين الواجب الأداء. وبلاغة التعبير وجمال البيان نعمة من الله على العارف وزينة وكمال لعلمه، أما في حال الجاهل أو شبه المتعلم فإن الشجاعة الأدبية تتحول في كثير من الأحيان إلى قلة أدب مع الناس وتجرؤ على الله سبحانه وتعالى فمن أفتى بغير علم وقع في الزلل واعتدى على حدود ويكون كمن نصب نفسه إلها مع الله. ونقرأ في كتاب الله الحكيم كيف أمر الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم أن ينادى بالحج في مكة ولم يكن فيها يومئذ موحد غيره وأهله في قوله: ‘وأذن في الناس بالحج.’ فنبي الله إبراهيم عليه السلام لم يناقش الأمر ولم يفكر في من سيسمع نداءه أو متى سيلبي الناس دعوته فرفع النداء للحج، وها نحن نرى الملايين تلبي دعوته كل عام بعد آلاف السنين. فنحن نكتب لكل من يرى في كل زهرة تتفتح أملا في الحياة يبعث، وكل من يرى في بزوغ فجر كل يوم عهدا جديدا واعدا بمستقبل سعيد. لهذا علينا أن نرفع الأذان في كل وقت وحين ففي هذه الحياة دعاة واجبهم الدعوة إلى الحق، وليكن نداؤنا ضد التخلف وأسباب التخلف. ليكن نداؤنا ضد الظلم السياسي الذي يسلب الإنسان حقه في تقرير مصيره، وضد الظلم الاقتصادي الذي يعتدي على ممتلكات الإنسان ويتحكم في حاجاته، وضد الظلم الاجتماعي الذي يؤسس لاستعباد الأحرار، وضد الظلم التشريعي والقانوني الذي يزيف ويزور القوانين ويضيع جميع حقوق الإنسان، وضد الغلاة الذين ألبسوا سماحة الإسلام أثواب الجريمة واستبدلوا هدايا الهداية للبشرية بطرود متفجرات تفتك بالأبرياء. ويكفينا شرفا أن نكون مشاعل على طريق الحرية وطريق الخلاص والانعتاق النهائي لشعوبنا. يكفينا شرفا أن نكون شموعا على الطريق نبعث الأمل في الحياة بين بني الإنسان. ونرفع الأذان من أجل الأطفال ومن أجل الفقراء ومن أجل المستضعفين والمستضعفات ومن أجل المحرومين والمحرومات في كل مكان من وطننا الكبير.

د. فتحي رجب العكاري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية