عماد عبد الله السديري السنة 1187 ميلادية المكان مرسيليا مدينة ساحلية صغيرة في جنوب فرنسا… ذات ليلة اختفت فيها النجوم وغطت السماء غيوم داكنة… فتاة فرنسية داخل كوخ بدائي صغير ترفض النوم وتصرخ بصوت عال لتزعج إخوانها السبعة الذين ينتظرون لحظة خلودها إلى النوم. ‘سيلتهمك الغول،’ قالت الأم في محاولة فاشلة لإرغام الفتاة على النوم. لكن حيلتها لم تجد نفعا وثارت ثائرة الفتاة وغدت تصرخ بصوت حاد أزعج بعض الأبقار والأغنام التي كانت تشارك العائلة النوم داخل نفس الكوخ. تألمت بعض البقرات وتبعتها بعض النعاج. لم تجد الأم حلا ولم تخطر ببالها إلا أكذوبة وحيدة تستطيع بها أن تسكت الفتاة لتريح الإخوة السبعة وتزيل المحنة عن جميع من في الكوخ. همست الأم في أذن الفتاة بصوت خافت ‘سيقتلك صلاح الدين الأيوبي إن لم تسكتي فورا وتكفي عن البكاء’. في لحظة انقطع البكاء فجأة ووأدت الفتاة صرختها داخل حلقها ثم بحذر شديد ونظرات حادة وشفاه مرتجفة خبأت رأسها تحت غطاء صوفي أسود. كف الإخوة عن التململ وعم الخوف والرعب والرهبة المكان وسعدت البقرات والنعاج بليلة هانئة هادئة.
هكذا كانت أوروبا في العصور المظلمة خائفة ومرعوبة من صلاح الدين وأتباعه المسلمين. وهكذا هي أوروبا اليوم خائفة ومرعوبة من شبح أو طيف أتباعه. طائرة هبطت اضطراريا بعد تلقي مكالمة هاتفية مجهولة عن قنبلة على متنها ومجمع تجاري أخلي فجأة بعد الاشتباه في وجود قنبلة داخل حاوية للمهملات واجتماع ألغي لتهديدات أمنية دقيقة لم يتم الكشف عنها بعد ومسرحية لم يتم عرضها لعدم التأكد من سلامة المقاعد وحافلة تقل رعايا غربيين حادت عن طريقها لوجود أجانب ذوي لحى طويلة وعملية اغتصاب لفتاة من قبل مجهولين ملثمين يتكلمون لغة تشبه العربية ما زالت الشرطة تلاحقهم وطرود مفخخة لم يتم التعرف على مصدرها أو وجهتها وبعضهم اختطف بينما كان يستمتع بشمس الصحراء الكبرى أو بخضرة جبال وشعاب تورا بورا في أفغانستان… الرعب يعم العالم المتحضر والأعداء يتربصون بحماة الحرية والديمقراطية باسم الدين والقومية. لكن المتهم أدرى بأنه بريء وأن التهمة ملفقة لا محالة. لا بل إن أغلب ما قيل وما يقال عن العرب والمسلمين يكشف عن تشويه مقصود وتحقير منظم لأمة أرادت ومازالت تحلم بأن تجد لها مكانا مشرفا بين أمم العالم. إن الحقيقة واضحة منذ الأزل فأوروبا ترفض أن يصعد إلى الواجهة من يستطيع أن ينافسها أو يقاسمها خيرات العالم. هكذا هي الحضارة الغربية تبحث دوما عن عدو وهمي أو حقيقي لتسكت وتذعن شعوبها وتحافظ على تماسكها وتضع لها منهاجا شاملا تسير عليه:’إما نحن أو أنتم’ أو ‘الغرب والبقية’ أو ‘المركز والأطراف’ أو ‘المتحضرون في مواجهة المتوحشين’ أو ‘أرض النور وبؤر الظلمات’. عبر التاريخ سعى عديد المفكرين الغربيين ولا يزال بعضهم إلى يومنا هذا إلى تشويه صورة العربي والمسلم أو الآخر الذي يعتبرونه تهديدا متواصلا لبقاء ودوام سيطرة الرجل الأبيض على الكون بأسره. ولعل ما قاله المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد يعبر عن ذلك بشكل دقيق إذ يقول ‘هناك غربيون وشرقيون (أي العرب). الغربيون خلقوا ليسيطروا والشرقيون ليسيطر عليهم، وهو ما يعني احتلال أراضيهم والتحكم في شؤونهم الداخلية وتسخير دمائهم وممتلكاتهم لخدمة قوى غربية أخرى’. ذات يوم كانت قرطاج كابوسا مفزعا لروما وجب التخلص منه دون شفقة أو رحمة وذات مرة كان صلاح الدين عدوا وخطرا وشيكا على المسيحية في أوروبا. في القرن السادس عشر كان العثمانيون العدو الأكبر والداء الأعظم لدويلات أوروبا وفي القرن السابق كان الألمان النازيون والروس الشيوعيون المصدر الأساسي للرعب والرهبة في أوروبا والعالم. وفي جميع الحالات كان مصير المنافسين التحطيم والتقزيم والتشتيت والتنكيل. وحتى في أيامنا هذه يحلو لبعض الساسة والمفكرين الغربيين المثقفين جدا أن يعيدوا تمثل التاريخ وأن يكرروا مآسي العصور المظلمة بتخيل عودة أحفاد أسد بن الفرات وصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح ليهددوا أمن واستقرار الغرب المتقدم والعالم الحر بأسره. لم يتذكر أو ربما تناسى هؤلاء أن الفكرة برمتها نابعة من أسوأ الحقب التاريخية التي عاشتها القارة العجوز وأن ما أصاب البشرية من هزات وأزمات ونكسات كان في الواقع نتيجة لسياساتهم الأنانية جدا والخبيثة كثيرا. لا أحد يستطيع أن ينفي حقيقة أن مسلمي اليوم لا حول لهم ولا قوة وليسوا في وضع يسمح لهم بمقارعة أوروبا أو التطاول عليها أو تهديد وجودها وأمن شعوبها. لكن الداء متأصل في قلوب بعض الساسة والأكاديميين الغربيين الذين يميلون إلى زراعة الأحقاد ونشر الكراهية بين أمم العالم خدمة لمآربهم الشخصية وأجنداتهم السرية على حساب كرامة شعوب وأمم تمثل جزءا أساسيا ومحوريا من الثقافة الكونية. إن الشعور بالإرهاب يعبر عن ثقافة تقوم أساسا على رفض الآخر وعدم الاستعداد باطنيا للتعامل معه والتقرب منه. هكذا كانت أوروبا ولا تزال إلى يومنا هذا ترفض أن تتعامل مع الإسلام والمسلمين كحضارة ودين يستحقان الاحترام والتقدير. الغريب في الأمر هو أن بعض المفكرين الغربيين يعانون من وهم تاريخي وثقافي يحول دون فهمهم لطبيعة العرب والمسلمين فتارة يعتبرونهم مصدرا للخطر وبؤرة تهدد أمن واستقرار الغرب وطورا ينقلون قصصهم ويصفون طباعهم وكأنهم حيوانات متخلفة أو كائنات بدائية لم تدرك بعد مرحلة الحضارة. يقول اللورد كرومر حاكم مصر في بدايات القرن الماضي ‘العرب قوم متآمرون، خبثاء، كثيرو الإساءة للحيوانات… العرب لا يستطيعون المشي لا في الطريق ولا على الرصيف لأن عقولهم المريضة غير قادرة على فهم ما يمكن لأوروبي ذكي أن يفهمه فورا: أن الطرق والأرصفة مجعولة للمشي. العرب كثيرو الكذب وكل ما يفعلونه أو يقولونه يتناقض مع كل ما يتميز به الغربيون من وضوح ودقة ونبل.’ ويضيف الدبلوماسي البريطاني السابق في تقريره السنوي لوزارة الخارجية البريطانية ‘لا أجد حرجا في القول بأن العربي يتصرف ويتكلم ويفكر بطريقة تتناقض تماما مع أسلوب الأوروبي’. السؤال المحير الذي يطرح نفسه بشدة هو إن كانت السفارات الغربية ما زالت تتعامل معنا وتتمثلنا كما فعل العديد من الدبلوماسيين والمفكرين الغربيين السابقين. أما السؤال الأكثر إثارة فهو كيفية تعامل الجامعات الغربية مع بعض الكتب والتقارير والأبحاث المسيئة للمسلمين. هل يتم تدريسها كمصادر أساسية ووثائق تاريخية لفهم طباع وأصول العرب والمسلمين؟ أم يتم تجاهلها لما فيها من مغالطات وإساءات لا علاقة لها بأكبر وأضخم حضارات الأرض؟
إن المتأمل في المشهد السياسي والثقافي الغربي يكتشف لا محالة شعورا بالقلق المستمر لدى الدبلوماسي والمثقف الغربي عند التعامل أو التطرق إلى موضوع وقضايا المسلمين. السبب الرئيسي يرجع إلى عدم استعداد أولئك المثقفين والسياسيين لتحدي ثقافة شائعة في مجتمعاتهم تعتبر العرب والمسلمين أعداء تاريخيين أو فئة متخلفة من البشر. أما السبب الثاني فهو لقناعة تلك الأطراف بأن أهل الشرق ليسوا فعلا أهلا للثقة والتقدير. وإلى اليوم ما زال بعض الكتاب الإنكليز يحقرون العرب من خلال كتابة لفظ ‘عربي’ بحـــرف ‘آي’ صغير وإلى اليوم مازالت الثقافة الشعبية الفرنسية تعتبر العرب رمزا للقذارة والدناءة وإلى اليوم مازال بعض الأوروبيين يطلقون أسماء عربية على كلابهم وقططهم. الغرب لم يتخلص بعد من عقده وأحقاده التاريخية الموجهة للعرب والمسلمين فالمثقف الغربي تعلم في المدارس الغربية أنه ذات يوم استحوذ العرب والمسلمون على بلاد الأندلس وذات يوم تمكن أسد بن الفرات من السيطرة على جنوب إيطاليا وأن العاصمة النمساوية فيينا الواقعة في قلب أوروبا تعرضت أيضا للحصار من قبل العثمانيين. لم ينس الغرب أحداث الماضي البعيد والقريب ولم يتخلص من مرض الخوف من العرب والمسلمين. لقد ورث الساسة والمثقفون الغربيون الرعب والرهبة من كتب التاريخ التي يجيدون كتابتها وتزويقها خدمة لقناعاتهم ومؤامراتهم ومآربهم. كلنا يذكر كيف دعت الدول الغربية الأنظمة العربية لضرورة مراجعة محتويات المناهج المدرسية ولم يخطر ببال أحد أن يطالب وزارات التربية في الدول الغربية بضرورة مراجعة كيفية تدريسها لمادة التاريخ وكل ما يخص العرب والمسلمين بشكل عام. لعل الداء الخبيث يقع في قلوب أمثال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الذي عبرت زلة لسانه مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 عن فهم خاطئ وقراءة سيئة للتاريخ والدين والحضارة. الحركة البوشية مازال لها دور قوي ومحوري في صناعة القرار في الدوائر السياسية والثقافية الغربية وأمثال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ممن تلقوا نفس الدروس المغلوطة والمسمومة في المؤسسات التربوية الغربية يعدون قطعا بالملايين. كما أن المؤسسات ذات الصبغة الدينية في عديد الدول الغربية ما زالت تزرع الحقد والنقمة على العرب والمسلمين في أفئدة وعقول كل من يرتادها لأن التاريخ بالنسبة لهم هو تاريخ مسيحي أو لا يكون، تاريخ الخير في مواجهة شاملة مع الشر المستشري خاصة في كل أرض تتنفس وتدين بالإسلام. هكذا هم العرب كما تصورهم وأراد أن يتمثلهم اللورد كرومر السفير البريطاني في مصر في بدايات القرن الماضي قوم لا يبدعون إلا لحظة الغزو، قوم لديهم عشق دفين للقتل والتقتيل. واليوم أيضا مازالت بعض القنوات التلفزيونية والأقلام والأفلام الغربية المضللة تؤكد على نفس المغالطات وذلك باعتبار أن العرب والمسلمين بشكل عام قوم لا يلهثون إلا وراء الهدم والتحطيم والترهيب ولا يعرفون الإبداع إلا لحظة شهر السيف أو الخنجر لقطع الرؤوس والطعن في الظهر. في الواقع لا أحد يستطيع أن ينفي حقيقة أن علاقة الغرب بالعرب والمسلمين بشكل عام كانت ومازالت مبنية على الصراع والتنافس والتنافر المستمر وذلك قطعا يرجع لأسباب كثيرة تجمع بين ما هو عقائدي واقتصادي وسياسي وجغرافي وثقافي. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن التاريخ كما تصوره المؤرخون الغربيون يحتاج إلى قراءة موضوعية وجديدة لإصلاح مغالطاته العديدة ومن ثمة التأسيس لعلاقات نزيهة ومتحضرة تقبل التنوع وتحتمل الاختلاف وتلغي فكرة المركز والأطراف وتنبذ تهميش وتشويه الآخر من أجل تبرير استغلاله والسيطرة على مدخراته وخيراته.’ باحث تونسي في الشؤون العربية