عضويتهم في نقابة السينمائيين حبر على ورق وصوت انتخابي فقطالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: رغم ما تواجهه من تحديات تظل الإذاعة هي النافذة الإعلامية الأكثر نضجا، تختار كوادرها بعناية وتشدد في اختياراتها واختباراتها كي تضمن التواصل الذكي مع الجمهور، في محاولة للحفاظ على البقية الباقية منه، بعد هجوم الفضائيات وغزوها التتاري وسيطرتها على الغالبية العظمى من نسبة مستمعي الإذاعة ممن باتوا يفضلون الصورة على صوت الميكروفون العذب. في بداية ظهور التلفزيون عام 1960 كانت مخاوف الإذاعيين من التحول ناحية الوسيط الإعلامي الجديد الذي يشبه ألعاب السحر قوية للغاية، ولكن بعد مرور سنوات تكشف للعامة والخاصة بقاء الرصيد الإذاعي لدى الجماهير كما هو لخصوصية ما تقدمه الإذاعة وما تنفرد به دون منافسها، لا سيما أن عددا من برامجها ارتبط به مزاج المستمع العربي والمصري وأصبح من الصعب الاستغناء عنه، فهناك على المستوى المحلي برامج مثل ‘ربات البيوت، كلمتين وبس، وقال الفيلسوف، غنوة وحدوتة، من كنوز الإذاعة، الغلط فين’، وعلى المستوى العربي تميزت برامج عديدة من بينها ‘ما يطلبه المستمعون أبناؤنا في الخارج في ضيافة صوت العرب’ وغيرها الكثير، أضعف من التأثير الذي كان محتملا للتلفزيون ‘سلباً’، حيث احتمت الإذاعة في تاريخها فترة طويلة قبل أن تطرأ متغيرات جديدة ويصبح لها ألف منافس غير التلفزيون متمثلة في المنظومة الإعلامية وأجيال الأقمار الصناعية المحلقة في الفضاء لتحجب عنها الماء والهواء فيكون تنفسها عملية قاسية وصعبة، بعدما كانت تتسيد وحدها الفضاء وتصدح في الكون المطلق، الغريب أنه على قدر المعاناة وحالة التجاهل تبقى نوعية من جمهور المثقفين تقلب مؤشر الراديو بحثا عن مسرحية مترجمة أو قصة قصيرة في البرنامج الثقافي أو البرنامج الثاني حسب تسميته الأولى.
فمنه نهل جموع المثقفين وبفضله تخطوا حاجز الثقافة الإقليمية وتعرفوا على شعر شكسبير وأدب تشيكوف وبرنارد شو وموليير ودايستوفيسكي ومكسيم جوركي، فقد كان البرنامج الثاني بمثابة أكاديمية تخرج فيها عشرات الكتاب والمبدعين عبر سنوات طويلة، وإلى الآن لا يزال المستمعون يبحثون أيضا عن صوت الإذاعية الكبيرة آمال فهمي ويقفون على ناصيتها مستمتعين بأغانيها المختارة بناء على رغبة ضيوفها فهي صاحبة الأداء الرفيع في التقديم والحوار والأجرأ في مواجهة المسؤولين والتفتيش في ما هو مسكوت عنه. وللصورة الإذاعية بريق خاص عند محمد محمور شعبان ‘بابا شارو’ فأوبريت ‘الداندرمة’ من أجمل ما أبدعت الإذاعة ونقلته إلى مستمعيها صورة حية نابضة بالأحزان والأشجان والرومانسية والدعابة والأحلام وهموم الناس وآمالهم، صورة فلكلورية من واقع الحياة الإنسانية مليئة بالتفاصيل والمشاعر والأحاسيس ومعجونة بالموسيقى المرهفة، ليس ثمة إبداع اكثر من هذا يمكن أن يتحقق في كل فضائيات الدنيا، ومن الصور الشجية إلى الساعات الحلوة مع طاهر أبو زيد، نجم البرنامج الشهير ‘ساعة لقلبك’ مع ملوك الكوميديا محمد أحمد المصري ‘أبو لمعة’ و’الخواجة بيجو’، حيث الضحك من القلب بلا افتعال أو صنعة أو استظراف، ومن طاهر أبو زيد إلى طاهر أبو فاشا نعود إلى الوراء لنعيش في أزمنة اسطورية عبر ألف ليلة وليلة مع شهرزاد وشهريار وصوت المبدعة الراحلة زوزو نبيل بجرسه المتميز ووقعه الذي لا تخطئه الأذن أبدا، فشه زاد ومسرور وريمه وحليمة وكريمة ومشكاح وشاندو وماندو شخصيات كُتبت قديما ومثلت تراثا غنيا أعده للإذاعة أبو فاشا فزاده جمالا وثراء وأكسبه طعما فنيا لذيذا. ولا يمكن أن ننسى في غمرة الانتشاء بالكتابة عن الكنوز أصواتا تميزت في قراءة نشرات الأخبار والتعليقات مثل محمود سلطان وأحمد القصير وسعدية مبروك وممدوح أبو بكر وزينب الحكيم وهمت مصطفى، غير أن هناك أصواتا أخرى أخاذة حملت رصيدا وفيرا من الفكر التنويري مثل أمينة صبري وآمال العمدة ووجدي الحكيم وفهمي عمر وأحمد سعيد وجلال معوض وآخرين، حملوا على أكتافهم مسؤولية التثقيف ومحو أمية قطاع كبير من الشعب لم يكن يعرف الكثير عن قضاياه ولا يملك لغة الحوار، وإذ كانت السياسة والثقافة بالنسبة لهم طلاسم وبفضل الكتابة الإعلامية المدربة انفتحوا على الدنيا وعرفوا من خلال الراديو رموز الفن والأدب والرؤساء والزعماء وشعروا بأنهم شركاء حقيقيون في الوطن، كانت إذاعة صوت العرب هي الحبل السري الذي يصل بين كل الأرحام العربية ويؤكد أواصر الدم بين الأشقاء في العراق وفلسطين وسورية والأردن والبحرين وقطر والكويت وليبيا والجزائر والمغرب والسودان والصومال وسائر الأقطار العربية الأخرى، فالوحدة العرقية والوطنية كانت قائمة بذاتها من دون أية قرارات فوقية أو تحتية والانسجام الاجتماعي متحقق ولا شيء يعوق التواصل غير المؤامرات الخارجية من القوى الاستعمارية والتي كانت تبث سمومها في شرايين الوحدة العربية عبر إذاعاتها الموجهة فيتم الرد عليها بإذاعات موجهة مضادة وزعت في نمو 45 دولة لإحباط عمليات التآمر والوقيعة بين الإخوة في الدم والوطن والمصير، لذا لم تغفل الدراسات السياسية دور الإذاعات العربية والإذاعة المصرية في المحافظات على لحمة الكيان العروبي الواحد على مدى تاريخ طويل وبقيت الإذاعة المصرية إلى الآن حجر الزاوية القوي في المنظومة الإعلامية الحديثة وإن بدا دورها متراجعا وهيمنتها محدودة قياسا على حجم القنوات التلفزيونية وترسانة الاتصالات والأقمار الصناعية، لكن مع وجود كل الافتراضات بتفوق المحطات التلفزيونية والفضائية يبقى السبق للإذاعة امتيازا صحيحا وحقا محفوظا لكل روادها وكوادرها منذ أربعينيات القرن العشرين وحتى الألفية الثانية من القرن الحادي والعشرين، ولعل ما يحفل به الأرشيف الإذاعي من تسجيلات نادرة وإن أهدر بعضها يؤكد حقيقة لا ريب فيها تنطوي على عبقرية مُدخرة وكنوز إعلامية لا يماثلها غير الذهب، ويبقى أن نقول انه بموجب هذا الاستحقاق التاريخي في المزايا لا يصح أن يظل الإعلاميون بغير نقابة تحميهم وتدافع عن حقوقهم ويقضون أعمارهم رهن البحث عن مرفأ ما بنقابة الصحافيين أو السينمائيين، هم في أحسن الأحوال يشكلون مجرد فصيل من فصائلهما ولا يدخلون في نسيجهما الأصلي فليس كثير على قمم كبيرة مشهود لها بالكفاءة والتميز أن يكونوا أعضاء في نقابة مستقلة، لا أن يكونوا تابعين في نقابات أخرى يمارسون أدوارا ثانوية على استحياء ولا يشعرون بفاعليتهم إلا في الدورات الانتخابية فحينئذ فقط يثمنون كأصوات ترفع من تشاء من المرشحين أو تخفضه!