الوعي والتصور في رواية «1Q84» لهاروكي موراكامي

تبدو نهاية رواية هاروكي موراكامي «1Q84- الكتاب الأول» شديدة الإرباك لقارئ تصفعه الصفحة الأخيرة، وهي تــــؤذن بانتهاء عالم سردي لم يكتمل، فالقارئ يبقـــى أسير (ما بعد) أو ذلك الإرجاء التفكيكي للمنجز الدلالـــي، المنفلت من بين يدي القارئ، في انتظار الكتاب الثاني. القراءة ترتهن لحـــيوات الشخصيات التي تنزلق في وعي القارئ نتيجة تكوينها الجدلي، وأعني على المستوى النفسي، الذي يبدو شديد الاختلاف، أو بعبارة أخرى تتسم بغرابة تنشـــأ عن حدود تلك الشّخصيات، وتصورها للعالم، وهــذا يتحقــق في ضوء ماضيها الذي يصنع حاضرها، فهي تبدو شديدة التـــوحد، ومنعـــزلة ترغب في أن تُبقـــي كل ما يتعـــلق بها في حـــدود السيطرة، تجنباً لأي ارتطام، وهذا يعـــلل نتيجـــة نشأة أعطبت المسار الطبيعي للحياة، وبناء عليه، فإن تصوّر العالم ينشأ انطلاقاً من هذه الصيغة، أي ما يمكن أن نعتقد بوجوده، أو الإيمان بالحقـــيقة المطلـــقة، فالأشياء ليست كما تبدو عليه، كما جـــاء في الفصل الأول، في حين ثمة حقيقة واحدة، غير أن هذا لا يمكن أن يعول عليه.

الخطاب الحكائي

لا ريب في أن الإشكالية المقصدية في الرواية يكاد يختزلها الفصلان الأخيران اللذان يعكسان منظوري الشخصيتين الرئيسيتين: «أومامه»، و«تنغو». فالحوار الأخير بين «تنغو» وعشيقته المتزوجة حول الحلم والماضي، وأثر القمر على سلوك المرء، إذ ينتج إحدى أهم مقولات الرواية المتعددة، ويمثل خلاصة فلسفية أتقن تخطيطها هوراكي في روايته التي بيعت منها ملايين النسخ في فترة وجيزة. لقد أمسى هوراكي أقرب إلى الروائي النجم، الذي يتهافت القراء على قراءة رواياته، التي تتسم بمتعة تلق غريبة، بغض النظر عن ذاك الإرباك الذي يضمنه هاروكي في مجمل أعماله، ومنها رواية « 1Q84» التي تقترب من بنية ذات تخطيط حكائي ثنائي متواز، ينهض على أكثر من تكتل ثيمي. هذان المساران السرديان من النادر أن يتصلا فعلياً على مستوى الخطاب السردي، إلا من خلال الاستنتاج والربط والتحليل، بغية تحديد مفاصل الالتقاء بين الحكايتين؛ ما يغذّي قيم الإمتاع الناتج عن لذة الاكتشاف الدلالي حسب تعبير رولان بارت.

ينظر إلى تحرير القصة بأنه شكل من أشكال الاحتيال، يشترك فيه تنغو وكوماتسو والوصي على الفتاة البروفيســــور، نظراً لأن الفتاة تعاني من عسر القراءة.

تنهض الرواية في بنيتها السّردية على نسق تناوبي لحكايتين تتقاسمهما شخصيتان: تنغو مدرس الرياضيات، والسّاعي لأن يكون كاتباً، أو ذاك المحرر المنعزل، والمرتهن إلى ماضيه القلق المسكون باضطراب ناتج عن والديه، اللذين يحيدهما نتيجة أحداث شهد جزءاً منها في الواقع، في حين أن البعض منها متعلق في مخيلته عندما كان طفلا (يبلغ عمره سنة ونصف السنة) حيث يتذكر مشهد أمه على علاقة مع رجل آخر غير أبيه، بيد أن الأخير يبدو شخصا غريبا، أو تم تحييده في مخيلة الطفل، فالأب يختلف عن الابن في البنية والسلوك، فالأب يفتقر إلى جسد رياضي، أو ذلك الخيال والإحساس الذي يتميز به «تنغو». يلاحظ أن عالم الأب ينحصر في عمله القائم على تحصيل اشتراكات شبكة تلفزيونية… ومن الأشياء التي يذكرها تنغو اصطحاب والده له في أيام الأحد لتحصيل الضرائب، ما يتسبب بفقدان الطفل جزءاً من طفولة طبيعية، في حين أن تصوراته عن أمه تتلخص بأنها غير موجودة، حيث يشوب وجودها الغموض، أو تم تجاهل وجودها حتى على مستوى وجود صورة لها. وهكذا ثمة علاقة مضطربة بين الأب والابن، فالأول يجعل عالمه في أضيق الحدود، بحيث يكاد يقتصر على شخصيات قليلة، منها عشيقته المتزوجة، وصديقه المحرر «كوماتسو» الذي يعمل في مجلة، والذي يورط تنغو في تحرير قصة بعنوان «الشرنقة الهوائية» حيث تتميز بحبكة مثيرة للانتباه، كونها تتحدث عن مجتمع أو تكتل ديني غامض عاشت الفتاة فيه زمناً مع والديها قبل أن تهرب. ينظر إلى تحرير القصة بأنه شكل من أشكال الاحتيال، يشترك فيه تنغو وكوماتسو والوصي على الفتاة البروفيســــور، نظراً لأن الفتاة تعاني من عسر القراءة، غير أن دوافع كل شخصية للاشتراك تختلف تبعاً للهدف المنشود، فالأول ينطلق من تعلقه بالقصة، والثاني رغبة في المال، في حين أن الأخير يرغب في كشف حقيقة ما جرى للفتاة ووالديها أثناء وجودهما في المزرعة.
الشخصية المحورية الثانية تمثل الشابة « أومامه» التي تعاني من ماضٍ يتصل بعائلتها المتدينة، التي كانت تجبرها على توزيع منشورات دينية، فضلا عن الالتزام بتعاليم لا تبدو مبررة أو معقولة، ما يستدعي لاحقا أن تقوم الفتاة بالهرب لتكوين عالمها الخاص، حيث ينتهي بها المقام بأن تعمل مدربة رياضية، بالإضافة إلى عملها كقاتلة محترفة لدى أرملة تعاقب الرجال الذين يؤذون النساء أو الأطفال. تتشارك الأرملة و«أومامه» تجربة خاصة بهذا الشأن، غير أن هاتين الشخصيتين، ونعني (تنغو وأومامه) يمضيان في مسارين مختلفين على أمل أن يلتقيا مصادفة، لاسيما أنهما قد اجتمعا في الطفولة، حيث دافع تنغو عن «أومامه» عند تعرضها لتنمر في المدرسة، حيث تمكث ذكرى كل منهما مع الأخرى إلى أن تنتهي الرواية بدون لقاء حقيقي، أو فعلي، غير أن بين هاتين الشخصيتين يكمن العالم الذي يتعرض لصيغ تحول في سياق سردي متعدد الموضوعات والثيمات، ضمن أجواء في بعض الأحيان تبدو سيريالية، أو غرائبية.
ضمن التّشكيل الثيمي حديث عن الجماعات الدينية والتطرف والسلطة والحب، فضلا عن التأمل في الكتابة والموسيقى. كل ما سبق يأتي في تعالق غريب مع شخصيات الرواية التي تطفو في السرد بخفة وإتقان، ما يعمق من حالة المتعة، على الرّغم من التحديات التي يواجهها القارئ في تفسير بعض الدوال في هذ العمل الذي نال آراء متباينة من حيث الاستحسان، أو الانتقاد. فاستخدام ضمير الغائب في السرد كان من الأسباب التي دفعت النقاد إلى مهاجمة الرواية من ناحية فنية من جهة، أو لتعدد مستويات الغموض، والاشتغال على أكثر من مستوى ثيمي من جهة أخرى، في حين أن الدلالة المنجزة تبقى في حالة إرجاء.

استخدام ضمير الغائب في السرد كان من الأسباب التي دفعت النقاد إلى مهاجمة الرواية من ناحية فنية من جهة، أو لتعدد مستويات الغموض، والاشتغال على أكثر من مستوى ثيمي من جهة أخرى.

سنة 1984.. الرؤية

تستند الرواية في جزء منها على تقاطعها مع رواية جورج أورويل «1984» التي تتناول حقبة متخيلة للنظام الشيوعي، وما يتبعه من نظام الهيمنة مجسداً بالأخ الأكبر ضمن صيغة تنبؤية غير أن سنة (1984) في رواية هاروكي تتصل بموقع جغرافي آخر، ونعني اليابان، أو مدينة طوكيو، وهي تواجه طلائع أزمنة ما بعد الحداثة، ما يجعل هذا العام شديد الإرباك، كما تقول «أومامه»، فهي تطلق على هذه السنة (1Q84 )، وهذا اسم يتصل بمرجعية الحرف (Q) في اللغة اليابانية، من منطلق أن وعي أومامه يبدو غير مدرك للظواهر التي تتغير، فالعالم يبدو غير قابل لتعريف أو التشكل حيث تفقد اليقينيات وجودها، وهذا ما يُكنى عنه بوجود قمرين في السّماء، ما يحيلنا إلى معنى التأويل، أو معنى تشكل الظواهر انطلاقا من وعينا الخاص، وهي الصيغة التي يشتغل عليها هوراكي، فتبدو شديدة الغموض والتعقيد، كما أيضاً تفسير «الناس الصغار» الذين يتصلون بالطائفة الدينية التي توجد في مزرعة «ساكي جاكيه».
الرواية تصطنع الصّيغ الدلالية لتعيد تقويضها، نظراً لكونها من إنتاج الوعي الذي يعيد تفسير الأشياء، فنحن البشر نعيد هندسة الرؤية في ضوء وعينا وتجربتنا الخاصة، فما نراه قد يبدو للآخرين مغايراً عما يرونه، فتفسير سلوكنا يتصل بما نعتقده، أو ما ننتجه في وعينا، أو كما يتراءى لنا، ومن ذلك صورة الأم في وعي تنغو، أو سلسلة الأحداث التي تنتشر في المتن السردي، حيث يتم تجاهل رؤية أشياء شديدة الوضوح، أو أن اللاوعي يعمل على تجاهلها.
ثمة في الرواية العديد من الدلالات التي ترتبط بنوع من التنبؤ لما يمكن أن تعيه المجموعات المتطرفة، التي يكنى عنها بالناس الصغار، الذين كانوا ضمن المجموعة الدينية التي تتهم بالفساد والتطرف، حيث يتهم زعيمها الروحي باغتصاب الأطفال، ومنهم الفتاة «فوكا أري» صاحبة قصة «الشرنقة الهوائية»، بالإضافة إلى الكثير من الفتيات اللواتي يقدمهن أهاليهن إلى زعيم تلك الجامعة الدينية، وهذا ما يحاكي نمطاً من أنماط التحول في العالم الجديد، حيث يشير الكاتب إلى خطورة الجماعات الدينية بوصفها أصبحت الأخ الأكبر، وعلى ما يبدو فإن هوراكي يقدم نقداً واضحا لفكرة تراجع الدولة، وبروز تلك الجماعات الإرهابية، فالعالم بات مختلفاً عما كان عليه، أو كما توقعه جورج أورويل حيث تراجعت قيم الدولة، وتراجعت قدرتها على الفعل، في حين تقدمت قيم المنظمات الدينية المتطرفة، وهذا ما يمكن أن نلمحه بشكل متكرر من حيث نقد الدولة التي تبدو عاجزة عن معالجة الكثير من المشكلات، ولا سيما الشرطة أو النظام القضائي.

قيمة الرواية تنتج من عدة صيغ ثيمية، غير أنها تسعى لأن تعيد ذلك التشكيل لقيمة السّرد بوصفها مغامرة متقدمة من التقنيات الكتابية التي يحسن هوراكي معالجتها.

يمكن النظر إلى الرواية من عدة أبعاد على مستوى المضامين أو الثيمات التي ناقشها هوراكي، فثمة أكثر من مستوى يبدو للوهلة الأولى المقصدية المركزية، ومنها نقد القيم الذكورية تجاه المرأة الني تتعرض إلى العنف، غير أنها تخرج عن هذا السياق، لتدين بعض الممارسات الشاذة للطوائف الدينية الغريبة، التي ترغب في أن تقيم مجتمعا شبيها بتلك الأنظمة الشمولية المتطرفة، كما بحثتها رواية جورج أورويل، وهذا يدعونا إلى مناقشة تلك المتماثلات أو المتخالفات بين العملين، فالشاهد في الأمر أن العالم في زمن ما بعد الحداثة قد بات قائما في وضعية معقدة، حيث تتخذ الدولة وضعية متراجعة، ولهذا كان العقاب الذي تنزله أومامة بالرجال – بمساعدة الأرملة- نوعاً من أنواع التعويض أو العدالة التي تفتقر إليها المجتمعات المعاصرة تحت لافتة الحرية والملكية الفردية.
لا شك في أن قيمة الرواية تنتج من عدة صيغ ثيمية، غير أنها تسعى لأن تعيد ذلك التشكيل لقيمة السّرد بوصفها مغامرة متقدمة من التقنيات الكتابية التي يحسن هوراكي معالجتها، بحيث يترك نصه مشدودا كوتر قابل للإفلات في أي لحظة. إننا لا نكاد نشعر بأي ترهل سردي، في حين أن اللغة تبدو في مستوى من الألفة، بحيث لا تبدو نافرة، أو خارجة عن زمنها، أو تبدو في وضع اغترابي لعجز الكاتب عن تمثيل زمنه، أو واقعه، أو حتى شخصياته، فشخصيات هوراكي تمتل للغتها التي تبدو قريبة الصلة من حيث تمثيل الانعزال والانحراف النفسي، أو الشّعوري، فاللغة متوحدة، وأحيانا مترددة، كما هي لغة الفتاة «فوكا آري» التي تستعمل لغة نقية بلا تنغيم صوتي، أو علامات ترقيم، كما هي كافة الأدوات السردية التي يضمنها الكاتب بما في ذلك الموسيقى واللوحات الفنية، والأعمال الأدبية الأخرى لكل من أورويل، وتشيخوف، وغيرهما، مما يعني بأننا في مواجهة نص دسم دلالياً، ودقيق على مستوى التلقي، في حين يفيض بالمتعة.

٭ كاتب فلسطيني أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية