إن الله منذ أن بدأ الخلق أوجد الإنسان، وسخر له ما في السماوات والأرض ما يجعله قادرا على تلبية حاجاته ورغباته، ساعيا في جهود حثيثة من أجل البقاء وإعمار الأرض، ومنذ تلك اللحظة التي انبثق منها الوجود الإنساني، أخذت تضرب في تصورات شتى حتى وقتنا هذا، ولم تكن تعلمها إلا تلك اليد التي أودعت بهذا الكائن الجديد على مسرح الوجود، ليتعدد دوره وتُربط خيوط حياته بمحور الوجود كلّه وتهيئ له الظروف التي تجعل بقاءه وأداء دوره ممكناً وميسوراً، وتتابعه بعد ذلك في كل خطوة، ومعها الخيط الذي تشده به إليها مع سائر خيوط هذا الكون الكبير!
وهذا ما تجلّى واضحاً في سورة الإنسان في قوله تعالى ‘هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا’. وبعد الخروج من هذه التأملات العميقة، يخرج الإنسان منها مثقل الظهر بالتبعات والأعباء، والجد والوقار في تصور هذه الحياة، وفي الشعور بما وراءها من نتائج الابتلاء، ومن غاية الوجود، ومن شعوره بحقيقة وجوده، ومن أخذه للحياة وقيمها بوجه عام.
إن معرفة الإنسان بحتمية الابتلاء ووجوده، تجعله يزود نفسه بوسائل الإدراك، ليستطيع تلقي الاستجابة، وليدرك ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار وهذا الاختيار يكون نتيجة تخيير الله لبني آدم، إما في سلوك طريق الخير ليفوزوا في نهاية المطاف برضا الله وجنة عرضها السماوات والأرض، وإما بسلوك طريق الشر ليلقوا بأنفسهم في جهنم ملومين مدحورين، وهذا التخيير ما جلاّه المولى عز وجل في قوله ‘إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإمّا كفورا’. جعل الله عز وجل لكل عمل خير أجرا، ولكل معصية تقترفها النفس من العذاب والعقاب ما يردعها ويحولها عن فعلها والحوم حول الدناءات، ووعدنا المولى في الوقت ذاته بجنة عرضها السماوات والأرض لمن أعدّ العدة، وأيقن المسير، ونصر الدعوة في زمن قلّ فيه النصير والمعين، فجاهد بنفسه وماله حق الجهاد، وتضرع لله في ساعة ترك فيها الوسادة لأجل سيادة تكون في الآخرة، فامتطى أجود الهمم، وتعالى على سفاسف الأمور، واتخذ من الجنّة نبراسا لا يبيعها بشهوة ساعة، جعلها بين مقلتيه كعروس لا يكون مهرها إلا قهر النفوس، نفر لأجلها خفيفاً وثقيلا، وباع هواه وملذاته في سبيل أن يفوز بقطعة منها، إن سار ثبت، وإن استعد رحل، وإن قال فعل، عاد على نفسه والآخرين من العمل الصالح والخلق الحسن من الخير الوفير، وكل ذلك لا يقبل بأن يكون جزاؤه بأقل من جنة فيها ما لا عين ٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، صدق الله فصدقه بها ‘إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب’ طوبى لهم بالجنة ومآبهم ورجوعهم إلى دار السلام ومسك الختام وعز المقام، في نظرة إلى العزيز السلام.
يواجه الدين الإسلامي الحنيف في العصر الراهن هجمةً إعلامية من جهة، وعولمية من جهة أخرى، تجعل من المفكرين الغربيين والمستشرقين هدفا يصوبون نحوه كل كيدهم وفكرهم، من خلال ما ينفثونه من سموم كتاباتهم ومن خلال وسائل إعلامهم التي تجعل من الدين الإسلامي مهيضة، ما حال بين الوصول إلى الحق واعتناقه.
وهذا ما بدا واضحا في أحد مقولات ماركس حينما أشعلت فتيلة لسانه العبارة القائلة ‘الدين أفيون الشعوب’ وهنا يأتي السؤال أهذه هي الحقيقة التي أعرب عنها ماركس أم هي نوع من التحايل والتوسل بالفرار من سياط أولئك الذين لقوا حتفهم جراء قيود أفكار الصراع الطبقي والرأسمالية التي جعلت من الشعوب قطعانا يأكل بعضها بعضا. هذه الكلمات الثلاث التي جاء بها ماركس هي المشجب الذي استطاع الكائدون للإسلام أن يعلقوا عليها أفعال المسلمين، وأن يجعلوا من هذا الدين القائم على الفكرة والمنهج والعقيدة أفيونا، أي مادة مخدرة ومسكنة ما إن يتناولها الشخص أو تعرض له حتى يكاد يتخدرجسمه وعقله، وهذا ما استخدمه الحاقدون على الإسلام في رفع راية كُتب عليها بخط أسود حتى من لا يستطيع أن يراها بأن تلوح له الرؤيا، بأن دينكم هو الأفيون الذي يخدر عقولكم وأفعالكم ويجعل من أحدكم مشاعا لربه، يضحي بماله ونفسه لنصرة فكرة أو لإعلاء راية عجز الآخرون عن إعلائها في هذا الزمن.. إن وجود هذه الفكرة بحد ذاتها وانتشارها بين المثقفين من العرب والأجانب والمطلعين بالذات على أفكار كارل ماركس في كتاباته التي تهاجم الأديان، مع العلم أنه ليس له كتاب يُذكر في هذا المجال، فقد ترك في ضعاف النفوس نوعا من الريبة والشك والتي تحدوا بالكثيرين منهم الى تلقي تعاليم الإسلام كون ما ستجيء به من قيم وأخلاق وسلوكيات ومنهج ما هي إلا أفيون ستحول حياتهم وواقعم ومستقبلهم جحيما.
إن عبارة ‘الجنة أفيون المسلمين’ هي منافية دينياً وأخلاقيا لما جاء به ليس فقط الدين الإسلامي حتى ما جاءت به الرسالات السماوية، فما كانت الجنة يوما أفيونا من خلالها تُخدر مشاعر المسلمين وأرواحهم، وتجعلهم يتكبدون العناء والمشقة والألم في حياتهم الدنيا في سبيل الحصول عليها كما يقول بعض المساومين على عقيدة هذا الدين الحنيف.
وإذا ما فندنا العبارة هذه سنجد أن النصوص القرآنية الكريمة أشادت إشادة واضحة لخطأ هذه العبارة وهذا ما تجلى واضحا في قوله تعالى ‘إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار’ وكذلك الحال في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم من سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة’. إذاً الحجة واضحة، والبيان كاشف، والبلاغة جاءت في ذلك الدليلين لتُزيل الغشاوة عن أعين قد فقدت حسن البصيرة، وسلامة المنطق، ورجاحة العقل، فالدنيا مزرعة الآخرة، ففيها نسقي السقيا ونزرع البذور، ونحمي الجمار، لنحصد ونجني كل ذلك في آخرة باقية وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فهي السبيل الذي من خلاله يصل المسلم لرضا ربه، وهذا ما تجلى واضحا في الحديث الشريف بأن السبيل إلى الجنة يكون من خلال منفعة دنيوية مباحة يتم من خلالها تحقيق منفعة للناس وإصلاح المجتمعات، فتسهيل الطريق للجنة مشروطٌ إذا بفعلٍ يستوجب على الفاعل دخول الجنة، وبهذا يكون الجزاء من جنس العمل.
ولو تفحصنا في الآيات القرآنية، لوجدنا أنه ما من آية تتحدث عن الإيمان والعمل الصالح إلا كان ذلك مقرونا بالجزاء وهو الجنة، حيث يبطل العمل من دون إيمان، ويفقد الإيمان قيمته إذا لم يُقرن بالعمل. فليست الجنة ونعيمها قصةً يتباكى المتقاعسون لعجزهم عن الوصول إليها، وليست أفيونا لتخدير حزن من يفقد السعادة في هذه الدنيا إنما هي هديةٌ وهبة ٌ وتحفيزٌ إلى من استطاع أن يؤدي الرسالة، ويبلغ الأمانة، ويصون أخلاق الأمة، ويصبر على وعورة الطريق، وقلة الرفيق، فهي محطة التزود الذي يقف بها المسافر في محطات اليأس عندما تواجهه رياحٌ عاتية، فيتنسّم من عبيرها، وينهل منها همةً تعينه على الوصول إليها، فما وُجدت – الجنة- إلا لذوي الهمم والمشمرين لا للمدمنين على أفيون المتقاعسين والكسالى والمتخاذلين أولئك الذين يبيعون الجنة بشهوة ساعة أو درهمٍ بخسٍ يشتري فيه الدنيا.
هذه عقيدتنا، وهذا هو منهجنا، وهذا هو ديننا، من تغلغل الشك في صدره سنقول له ان النصرة لا تكون إلا لهذا الدين وبهذا الدين، فاجعل من نفسك سباّقا، وكن من ذوي الهمم والمشمرين، وفي نهاية المطاف لا تكون السلامة إلا من إلى السلام خطا، ونجا من الوقوع في أن ‘الجنّة أفيون المسلمين’. عدنان جلب