مفاوضات التنازل والسمسرة الرسمية العربية

حجم الخط
0

باعتراف الكثيرين من المراقبين الغربيين فإن حل الدولتين أصبح مستحيلاً في ظل الواقع الجديد الذي نشأ بعد بناء السور العازل الذي قطع أوصال الوحدة الجغرافية لأراضي الضفة الغربية وسمح باجتياح المستوطنات لمساحات شاسعة من الأراضي التي تحيط بالمدن والقرى الفلسطينية.

لو كنتَ مواطناً فلسطينياً فإنك لن تكون بحاجة لشرح الواقع المرير الذي تعيشه المدن والقرى الفلسطينية المطوقة بما يعرف بالفضاءات الجغرافية للمستوطنات، لأنك ستعلم حينئذٍ أن الحقول والبساتين التي كانت يوماً مصدر رزقٍ لشعبٍ يعيش على الزراعة والمحاصيل الموسمية قد أصبح ممنوع من الوصول إليها لجني الثمار، لأنه سيتعرض لإطلاق النار من على التلال المحيطة بقريتك أو مدينتك.

هنا في القرية الفلسطينية أو المدينة يمكنك أن تنعم بالمياه مرة واحدة في الأسبوع وعليك أن تقوم بتخزين ما تستطيع منها في خزان معدني إن كان لديك واحداً وهو لا يكفي لسد حاجتك من متطلبات الشرب والطهي والإستحمام إلى حين وصول المياه من جديد في الأسبوع الذي يليه أو ربما يطول الإنتظار لأسبوعين أو أكثر.

أنت لست من شعب الله المختار ولذى فإنك بحاجة إلى الإقرار بأنك مستثنى من الإختيار وعليك القبول بالقليل الذي يجود به عليك أولئك الذين ينعمون بالمياه الوفيرة وتستطيع أن تبارك لهم ببرودة الرذاذ المضغوط من صنابير المياه السخية وهي تروي الحقول والبساتين المحيطة بالمستوطنات التي تجثم على ما كان بالأمس أرضك لتنعم بمياهٍ كانت بالأمس مياهك.

إنه سلام الشجعان، ومن يتنازل عن الحق يمكنه أن ينال نوط الشجاعة الفائقة لأنه تمكن من خذلان نفسه وأهله وتفانى إلى درجة إنكار الذات وبلغ من الشجاعة ما يكفي لجعله يحزن لموت أعدائه ولا يحرك ساكناً لموت أبناء شعبه.

في ظل هذا الواقع تنطلق مسيرة المفاوضات التي دشنها قطار أوسلو الذي مضى على بنائه ما يقارب عقد من الزمن دون أن ينتبه أحد إلى أن هذا القطار لا يملك سكة وأنه لهذا السبب لا يسير ولن يسير بعد أن بنيت في مساره الكتل الإستيطانية والأسوار العازلة التي لا تقبل الهدم لأن هدمها سيكون جريمة بحق الإنسانية.

ليست الأرض وحدها التي تغيرت لأن الشعب الفلسطيني نفسه قد تم تزويره وتم تعريضه لسعقات متتالية من التجويع والإذلال والتهميش وابتذلت كرامته واستنزف شعوره بالعزة والكرامة وأدخل في متاهةٍ كبيرة بقيادة رجال سيقال عنهم يوماً أنهم ورثة مزيفون لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تم التشديد على بقاء إسمها بعد أن تم إفراغها من رسمها أو ميثاقها أو قل مشروعها.

تذهب القيادة الفلسطينية إلى واشنطن بلا شروط للجلوس على طاولةٍ يلتقي فيها العدو المدجَّج بكل أنواع السلاح إلى جانب حليفه الذي دجَّجه بهذا السلاح وحصنه ووفر له الحماية من طائلة القانون الدولي ليشرعن له كل ما هو مخالفٌ للشرعية الدولية، بينما يجلس هو على الطاولة بلا سلاح وبلا أظافر أو حتى أسنان وبجانبه يجلس من يَخِزهُ من تحت الطاولة ليقول موافق… وربما تحالفه الشجاعة أو الحيلة ليقول لست موافق على أن يتم التراجع فيما بعد لتأتي موافقته المباركة التي ستسمى آنذاك على أنها أفضل الممكن… أوليس السياسة فن الممكن؟

السلام مقابل الأمن الإقتصادي المتمثل بوصول المياه مرة في الأسبوع ومنح المزيد من التصاريح للفلسطينيين من أجل العمل في المستوطنات الجاثمة فوق ممتلكاتهم واستمرار دفع الرواتب لأفراد قوات ‘دايتون’ وسيعيش الشعب الفلسطيني حياة من الدرجة العاشرة غر يباً على أرضه وأرض أجداده لتلحق نابلس بحيفا وطول كرم بيافا وربما بعد أن يتم الإعتراف بيهودية إسرائيل أن تبدأ رحلة ‘الترانسفير’ إلى الضفة الأخرى التي سماها شارون يوماً بصحراء إسرائيل التي تنازل عنها بكرمه للعرب، أليس هذا هو السلام الذي نادى به ‘بيبي’؟ المهم أن أفراد الطاقم الفلسطيني المفاوض والنخبة التي تتحدث باسم الشعب الفلسطيني ستحصل على لقاء تتم فيه مراعاة كافة الإجراءات البروتوكولية وسيقفون إلى جانب الرئيس أوباما ويتبادلون الإبتسامات ويستطيعون أن يحصلوا على المياه الوفيرة لبيوتهم وحدائقهم تماماً وبحصة لا تقل عن حصص بيوت المستوطنات وسيتمتعون بحق الإستحمام اليومي وليس الأسبوعي، وسيحتفظون بوثائقهم الدبلوماسية الخاصة، ويستطيعون الإستمتاع بالراحة والإستجمام على شواطئ حيفا ويافا في أي وقت وسيحسون بأنهم قد حرروا كامل التراب الوطني الفلسطيني.

أما السماسرة العرب فبإمكانهم أن ينعموا بالرضى الأمريكي والإسرائيلي ويحصلوا على العمولة والمعونة وضمانة بأنهم في الحفظ والصون من طائلة القانون الدولي حتى لو حرقوا شعوبهم بالفسفور الأبيض كما فعلت إسرائيل مع شعب غزة ومع هذا فإنها لم تتعرض لأي إدانة أو عقوبة بالرغم من أن تقيرير ‘غولدستون’ الذي هو يهودي وصهيوني أدانها وصنف جرائمها على أنها جرائم بحق الإنسانية وأن الغرب أثبت مصداقيته في الوفاء بالوعد بنصرة كل من يظلم شعبه حتى لو حكم بعد انتهاء فترة ولايته وملأ الأرض سجوناً وزنازين.

مع هذا نقول، إن عالم الغيب أوسع وأكبر من عالم الواقع وهو حافلٌ بما لا يحيط به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أو السيد الرئيس أبو مازن أو العبد الفقير كاتب هذه المقالة، وإن غداً لناظره قريب. زياد علان العينبوسي – نيويورك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية