خيري منصور في عصر التعويم الذي شمل المصطلحات في شتى مناحي الحياة، لم تعد مهنة الناقد مفروزة على نحو يحدد لها تعريفا حتى لو كان تقريبيا، فكل من تيسر له ان ينشر رأيا انطباعيا حول نص ما هو ناقد مكتمل النصاب والاهاب معا، هذا على الرغم من ان ناقداً كبيرا مثل غراهام هيو يتساءل عن جدوى مهنته، وينتهي الى ان النقد يتعامل مع حصى النهر الماكث في القاع وليس مع الماء او التيار، لهذا يصبح سهلا حتى على الكسيح ان يقطع النهر الجاف عدة مرات بخلاف ما قاله هيراقليطس عن استحالة قطع النهر مرتين لأن جريان الماء لا يتيح ذلك، واذا كان النقد بمعناه الكلاسيكي وكما وصفه ستانبلي هايمن باعتباره قنطرة بين المبدع والمتلقي او المرسل والمرسل اليه، قد استقال من هذا الدور، فان ما حاول الاستعاضة به من ادوار بديلة يراوح الان بين تأنّق نظري عاجز عن التطبيق وبين نقد مدرسي يفقر النّصوص بدلا من اثرائها، لأنه يحرمها من المستويات المتعددة للقراءة من خلال التأويل ..نعرف نقادا او بمعنى أدق اشخاصا حملوا هذا اللقب واستثمروه في كتب وندوات وفعاليات مهرجانية كتبوا عن الشعر وهم لا يملكون اية حساسية او ذائقة تتيح لهم مثل هذه المهمة العسيرة، فهم كمن يتسلق الجبال على خريطة ملقاة فوق ارض الغرفة، او من يتعلم السباحة في حوض ماء او على السرير! لكن غياب الكوابح سواء كانت ذاتية أو مهنية او متصلة بتقاليد النقد باعتباره ابداعا آخر، جعل كل شيء متاحا ومباحا، وها نحن نقرأ على امتداد الوقت ومدار اللحظة كتابات يصعب تصنيفها، تراوح بين الانشاء الانطباعي او تسديد الفواتير، وعلينا ان نقبلها على انها نشاط نقدي، ما دامت لا تجد لها متسعا في الانواع الادبية والتضاريس التي وضعت لها، وحين قال شاعر عربي ان لكل مبدع الان ناقده ولكل قرية مبدعيها كان يقصد ما هو أبعد من هذا، لأن ما تخلخل هو منظومة من المعايير التي افرزتها خبرات انسانية طويلة عبر عدة ألفيات من الكدح البشري. وهذه مناسبة ايضا لاستذكار عبارة شهيرة للناقد هربرت ريد عن التحالف الاستراتيجي بين الكاتب الفج والناقد الاشد فجاجة، فهما يلعبان لعبة مضجرة، وبلا أية ضوابط ويحققان اخيرا مستوى من المقايضة البدائية. والناقد الذي يبحث عن نصّ يتناغم معه ومع تكوينه المعرفي والوجداني يسعى الى تكريس ما هو سائد، وبالتالي يكون محروما من هاجس المغامرة والكشف، وهذا ما يفسر لنا ما ينشر مما يندرج في خانة كتابة المكتوب او الكتابة المستعملة الرّثة، وكما ان الشعر الرديء لا تعريف له، فإن النقد الذي يتقمص ما ليس فيه لا يمكن تعريفه الا من خلال النقيض، فهو يذكرنا دائما بما يناقضه تماما كما تذكرنا الاشياء بغياب الاصول رغم محاولة التقمص والمحاكاة!’ ‘ ‘كيف يمكن لناشط في مجال القراءة ان يكون ناقدا جديرا بهذا الوصف اذا كانت قراءاته تقتصر على الأدب وحده، بمعزل عن المعارف المتداخلة التي لم تعد موزعة في خطوط طول وعرض؟ ان اهم ما ميّز المنجزات النقدية الكبرى هو موسوعية النقاد الذين ادركوا مبكرا بأن الادب الذي كله ادب هو وجبة من الملح الخالص او السكر المحض حسب تعبير همنغوي. حتى الاقتصاد لم يعد خارج هذا المدار النقدي، وهنا نذكر مثالين فقط لناقدين، احدهما انثروبولوجي هو بيير كلاستر في كتابه ‘ مجتمع ما قبل الدولة’، والاخر لكالدويل، حيث وجد الاثنان، كل واحد بطريقته ووفق منهجه، ان ايقاعات العمل والارتهانات الاقتصادية هي في الصميم من تطور الابداع في الشعر خاصة، وما كان لظاهرة الاغتراب ان تصبح موضوعة رائجة في المساجلات النقدية لولا ان الرأسمالية في ذروة توحشها غربت الانسان عن نفسه وعن السلعة التي ينتجها، ويبدو ان مصطلح الاقتصاد المعرفي لا يزال يفهم على انه متصل بسعر الورق وغابات الامازون الماطرة ومافيات الاتجار بالخشب، وهو في حقيقته ابعد من ذلك بكثير ولا يقل اقتران الاقتصاد بالمعرفة عن اقترانه بالسياسة، لكن الاستغراق المبالغ فيه في الشجن الادبي حال دون الافادة من هذا العلم. لهذا فإن مصطلح الغنائية مثلا ليس حكرا على الشعر كما كرسه النقد المدرسي، انه يصلح لوصف منجزات معرفية أخرى، لأن الرؤية الغنائية باعتبارها أفقية وتحاول ان تكون خارج نفوذ جاذبية التاريخ والواقع قد تتورط بها الفلسفة والسياسة وكذلك فن الرواية ايضا، وما الروايات التي يتحول شخوصها الى أبواق واصداء للمؤلف الا من هذا النمط الغنائي غير المركب، والذي يخلو من اي هاجس صراعي او درامي.’ ‘ ‘ان ما كان ينشر في الماضي القريب في صفحات مخصصة للقراء وانطباعاتهم الانفعالية السريعة أصبح الان نقدا يجب الاحتكام اليه والى ما يفرزه من هذيان، وهناك سببان لعبا دورا في تفاقم هذه الظاهرة، اولهما الدراسة الاكاديمية للأدب والتي تمنح اشخاصا حددت خياراتهم الاكاديمية المجاميع التي حصلوا عليها في الثانوية العامة، وثانيهما وفرة وفائض المطبوعات التي اصبح من المتعذر احصاؤها، فهي بحاجة الى علف لا ينقطع بمعزل عن نوعه وفائدته والمصادر التي أفرزته، وهذا بحد ذاته تعويم آخر، يتحالف مع تعويم المصطلحات، لتكون الحصيلة هذا الركام مما يسمى طبيخ الشحاذين، من يكتبون عن الرواية دون اي اعداد معرفي او تربية جمالية يكتبون عن المسرح والشعر، ومنهم من يشرّح الفيل بإبرة خياطة، ثم يشرح الفراشة او العصفور بسيف او ساطور. انه تخارج كارثي بين المقدمات والنتائج لهذا فالخسارة فادحة ومزدوجة، لأن المنقود لا يتاح له ان يتعرف على الخلل في انتاجه والقارئ الذي تخدعه الألقاب يصبح ضحية لمن ينوب عنه في التفكير والتقويم!ان في نقدنا القديم رغم الهجران الذي تعرض له بسبب مزاعم الحداثوية وغلاتها، ما يستحق ان يعاد اليه الاعتبار، خصوصا ذلك المتعلق بما كان يسمى تثقيف الحواس، فالناقد الذي يتعرف على المعدن من صوت رنينه كان عليه ان يدرب حواسه كالمبدع تماما، لأن الأميّة ليست وقفا على الافكار والمفاهيم، فهناك أنوف امية وآذان صمّاء وعيون تنظر ولكنها لا ترى، وان رأت لا تبصر!!’ ‘ ‘ذات يوم تساءل ناقد الماني عن السبب في عدم اقامة تماثيل للنقاد في ساحات المدن، وهذه مناسبة لتذكيره بأن هناك تماثيل لا حصر لها لنقاد اغتصبوا هذا اللقب في زمن التعويم وحذف الفوارق بين اللبلاب والسنديان والغراب والحمام ..انها تماثيل من نشارة الكُتُب!!!!qadqpt