أَسماء فَقَدَتْ مَشيئَتها

حجم الخط
0

خلدون عبد اللطيفأولى اقترافات الشاعر الأردني الشاب مهند السَّبتي للشعر تأتي عبر مجموعته البِكر ‘سَمِّني ما شِئتَ’ ( منشورات ‘دار الغاوون’ 2010). قصائد السَّبتي محمَّلةٌ بهموم خاصة وعامة يفضي بعضها إلى بعض، وهو ما يَرينُ على معظم نصوصه التي تضمّنتها المجموعة، فتشعر أنها تتوالى وتتسرب من قصيدة إلى أخرى كأنَّها نسخة طبق الأصل عنه وعن مُكابداته، حيث تتسع وتضيق وفق أحوال الشاعر ولغته المعبِّرة، كأنهُ يحاول اجتياز امتحانٍ صعبٍ فرضتهُ عليه اللحظة الشعرية، عدا عن الظهور المُكثَّف لذاته ( الهو) في حالتي مدٍّ وجزر مستمرتين، وتتموَّج بدرجات متفاوتة بين تأكيد هذه الذات حيناً ونكرانها في أحايين أخرى، مُدلِّلَةٍ على أزمة وجودية وقلق متصاعد وتوتر عاصفٍ يصل في كثير من الأحيان حدّ ‘النزق الوجودي’ إذا جازت التسمية، بمعنى أنها قصيدة مُستَفِزَّة ومُستَنفِرَة، تضرب بعرض الحائط كل سكينة واستقرار، ويظهرُ فيها الشاعرُ باحثاً عن الحرية، ومسكوناً بقلق وتوجّس عميقين تجاه أي مجهول، حيث ينطلق من الذات باعتبارها محور وجوده الإنساني ونقطة ارتكازه التي يبني من خلالها علاقاته المتشابكة مع الخارج، دون نزعة تشاؤمية أو سوداوية مفروضة سلفاً على نَصِّه.

عنوان المجموعة الذي يحمل اسم واحدة من القصائد، يَشي لأوَّل وهلة بأنَّ الشَّاعر لا يُبالي كثيراً في مناجياته بالوقوف عند عتبات الأنا ( الاسم حين يغدو قيداً) قدر مبالاته وإيمانه بحتمية تَخَطِّيه نحو ما هو أعمَق: ‘سَمِّني ما شِئتَ / قوساً أو غزالاً / فاعلاً كالسُّمِّ / مَنهوكَ الجَماليَّات / مَفتوناً بِحَرفِ البُعد/ محدودَ الجهات’ (قصيدة ‘سَمِّني ما شِئت’). وهو ليس ذلك المستسلم أو المنكسر، بل المسيطر على اختياراته في أبسط الأشياء وفي أكثرها تعقيداً، بدءاً من الحبيبة وليس انتهاءً بالأم، لكنه رغم اختياراته ( الواقعية) يصدُّ عن قبول ( الواقع) المزيّف والتماهي معه، إلى حَدِّ استبداله بالرؤيا وتفضيلها عليه باعتبارها وسيلته العرفانية للكشف عن المجهول ونافذته التي يطل منها على المستقبل: ‘أختارُ الرؤيا لا الواقع/ أختار فتاة من ضلع عاشق/ كسَّرهُ صَدُّ البرد عن القلب الراعش’ ( قصيدة ‘اختيار’). بينما هو في مقطع آخر ‘أمُّ نفسه’ بالمعنى الشِّعري لا الفيزيقي، محاولاً تأكيد ذاته عبر نرجسية مشفوعة، لكي يدخل الضوء منتصراً: ‘أنا أم نفسي/ أزيح الستائر/ كي يدخل الضوء/ منتصراً، والجنود/ إلى أحلك الحجرات/ التي خطفتني’ ( قصيدة ‘حجرة النار’)، بل يصل فيه الشّطط إلى مُساءلةِ وجوده الفوضوي والعبثي منذ هبوطه إلى الأرض مثقلاً بالخطيئة، دون أن يأبه بالشروق الذي انبثقَ عرضاً بلا رغبة: ‘هبوطي إلى الأرض/ هل كان صدفة؟ / وكل الحوادث محض اصطدام/ بلا رغبةٍ/ صيغَ هذا الشروق’ ( قصيدة ‘مشاهد من لوحة العابرين’). وبموازاة أي استلاب لكينونته الفضفاضة والمتمرِّدة، يطلق لمخيلته الشعرية العنان في استحضار صور ومواقف شتى لا يربط فيما بينها سوى رغبة متأججة وتمرِّدٍ دائم، سعياً وراء التحرر من أيِّ قيود، ومُسخِّراً قُدرَتَهُ على التخييل من أجل مواجهة الواقعي: ‘كن أول الطيران/ والجريان للماء المخبَّأ / في الغمام’ ( قصيدة ‘مُلتَهٍ بالمعجزات’). ثمّة تدويرٌ للانكسارات بين قصيدة وأخرى، تبدو كأَنَّها دعوةٌ مفتوحةٌ إلى حفلةِ خَلاص، وثمّة أَيضاً مُشاطرةٌ من نوع ما يرغب الشاعر في ممارستها مع القارئ دون اختزال للعاطفة أو استدرار ساذجٍ للشفقة، إذ تصرخ القصائدُ إثرَ توجُّعٍ مريرٍ ورغبةٍ قويةٍ في الانعتاق، رغم التسليم بأن النسيان هو خاتمة محسومة، ورغم أن الرؤيا / الحلم تشي بخلاف ذلك: ‘كلما آنستُ وجهاً / ملّني قبل الأوان/ سرّني ما كنت/ أو ما صرت / في الرؤيا / لك الاسم الذي/ يبقى/ لي النسيان’ ( قصيدة ‘سَمِّني ما شِئت’). هناك حضور لافت في قصائد السَّبتي للرموز التاريخية: شخوص، أحداث، أماكن… الخ، سواء أكان ذلك ظاهرياً بالإشارة صراحةً إليها، أو ضمنياً وفق ما تقتضيه الغاية الشعرية، فنجد استحضاراً لابن رشد ( مساءٌ به ابن رشد / يلوذ من القصر للانكفاء) والنبي موسى ( مهداً يجوب اليم / في عين الإله) وفرعون ( فرعون يفتن بالخلود) والأندلس ( وما قوّضتُ أندلسي)، عدا أنَّ معظم القصائد تحفل بالتكرار اللفظي على مستوى الجملة أو الكلمة، كما في الشواهد التالية تمثيلاً لا حصراً: ‘وفي حجرة النار’ تُتوِّجُ مطلع كل مقطع في قصيدة ‘حجرة النار”محال / محال’ و ‘بكيت/ بكيت’ و ‘فيشرب / يشرب’ و ‘وتحتار/ تحتار’ من قصيدة ‘حجرة النار”لا… لا تصدق’ تتكرر أربع مرات في قصيدة ‘مُلتهٍ بالمعجزات”لزاماً على القلب’ و ‘لزاماً على العين’ و ‘تَمَنَّ’ في قصيدة ‘تَمَنَّ تكن ما تريد’فالسَّبتي لا يتورّع عن كشف مكنوناته بلغة شعرية غير مقنَّنة، ويَبدو استخدام التكرار والإعادة أحياناً داخل القصائد في أغلبه للتوكيد على حالةٍ أو حدثٍ ما مُهيمنٍ من خلال إِحداث إيقاعٍ مُنتَظمٍ على المستوى الصوتي إضافةً إلى المستوى الدلالي، كما هو الحال في قصيدة ‘اختيار’ التي يبتدئ كل سطر فيها بالفِعل’ أختار’. السَّبتي الذي ‘لا يستطيع التوهم أنَّه رصاص بريء’ كما يُعلنُ في قصيدة ‘حجرة النار’، لا يُواري أيضاً عميق خوفه، ولا يَتَردَّدُ في التصريح بهواجسه ومقدار جزعه الفردي من حتمية الغياب، كاشفاً معاني الألم خلال رحلة البحث عنه: ‘أنا دخلتُ / أنا خرجتُ / أنا يُعَذِّبني الفناء’ ( قصيدة ‘مونولوج على باب الخاتمة’)، ويبدو في لحظات كتابته لقصائد مجموعته الأولى منهمكاً مع ذاته، ومتوحِّداً فيها دون أن يُهملَ القارئ، فالسَّبتي لا تنقصه المصداقية بعيداً عن أي محاولة للإبهام أو تقصُّد الغموضِ عبر استعراض ألاعيب لغوية، قدر ما يجهدُ في تقديم كتابة شعرية خالصة ومكرَّسة قبل كل شيء، لا يخبو فيها التوتّر وتنطلق من رؤيته الخاصة للعالم والكشف والوجودِ، إضافة إِلى أنَّ كلَّ نص لديه يسير عمودياً باتجاه ذاته وأفقياً باتجاه المتلقي دون أن يفقدَ طاقته أو حتى يقطع ذلك الخيط المشدود بينه ( الأنا) وبين المتلقي ( الآخر)، وهو ما يدعونا إلى قراءة قصائد السبتي باعتبارها دعوة خاصة لاختبار التعرف إلى الحياة وفضِّ أختامها، وتلك مغامرةٌ جريئة في حد ذاتها، تُسهم في اكتناه مقولات الشاعر وإحالاتها الدائمة إلى تجربته المعرفية واختلاجاته الشخصية.

تجدرُ الإشارة إلى أنَّ مُهنَّد السَّبتي من مواليد العام 1980في العاصمة الأردنية عمَّان، ينشرُ في عدة مواقع ومجلات ثقافية، وهذا الديوان هو الأَوَّلُ له.

عمان ـ الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية