هوليوود بين المكارثية وسينما الضد: جيمس دين كمثال على الاحتجاج والثورة

حجم الخط
0

عدنان الاحمدي’في مساء 30/9/1955 ساعة الغروب، ودعته بقبلة، وهو خلف مقود السيارة، اشعل سيجارته، اطال النظر الى نجم لامع في السماء، شفط نفسا قويا عميقا من الدخان وانطلق بسرعة جنونية ثم اختفى’. قالت صديقته التي هي آخر من رآه من الناس. اذ وقع الحادث الكارثة الذي انهى حياة جيمس دين القصير (24 عاما) وعمره الفني (3 افلام). ولم يك الفيلم الثالث (العملاق) قد اكتمل.

لقد مات جيمي ولم ير افلامه اذ ان هوليوود المؤسساتية كانت محاربة لهذا الفن موضوعا واداء للادوار. هذا الفن الجيمس ديني الذي امتاز بالجديد في الاعلان عن الاحتجاج والتمرد والثورة المضادة لمجتمع التناقضات القاتلة. في استطاعة القارئ العارف بفن جيمي تخيل مشهد الوداع الاخير مشهدا سينمائيا حقيقيا، يحمل هوية صاحبه النفسية التمردية التي تظهرها حركاته ونظراته وطريقة كلامه. لقد تحدث عنه اصدقاؤه وصديقاته المقربون منه (صديقه مونتي روبرتس ومعلمه ركوب الخيل تحدث في التلفزيون عنه) في ذكراه الخمسينية من على شاشة التلفزيون فقال احدهم: لم يكن جيمي انساناً سطحيا، تافها، بل كان مثقفا، حساسا وكتلة من المشاعر الغريبة. انه لم يتكلف التمثيل في عمله السينمائي بل ان ما قام به من اداء هو جزء من طبيعة حياته اليومية وشخصيته. فلقد لعبت معادلة الموت والخلود في خلق هذه الشخصية النفسية الاجتماعية القلقة دورا كبيرا. فهو كتلة من الحزن والالم المخزون، والقلق الوجودي المدمر للفنان ومحرك لدينامو الابداع لديه. فهو كالبركان الفائر الذي يتفجر في عينه سخرية وتساؤلا ومحاكمة للمدينة والمدنية الامريكية ولكل شيء. ولقد خلقت منه هذه العوامل مجتمعة فنانا، رساما، نحاتا، مصورا فوتوغرافيا وشاعرا هجاء. فنتاجاته في كل هذه المجالات تحمل شحنات الضد والغضب والاحتجاج. ففي قصائده عن المدينة شتائم وهجاء ونقد لاذع. ولم يكن عشقه للسرعة الا نافذة هروب من واقع جحيمي لا يطاق، فرضته عليه طبيعة الحياة وعنفها، اضافة الى الحصار المكارثي المفروض على حرية الفنانين بكل اصنافهم وعلى المفكرين والادباء. الا ان الموت والخلود ظلا هاجسيه الابديين فمن اقواله في الموت (احقا هو الفيصل الموت/يفرق بيننا نحن الاحبة). لم يكن ابو جيمس دين ذا اثر في حياته ولا ادري ما السبب اذ انه كان متعلقا بأمه فقط، ومحبا لها بشكل جنوني لذا فقد فجع بموتها وهو ابن تسع سنين. فتسلل ليلا ليجز خصلة من شعرها وهي مسجاة في نعشها قبيل الدفن. ظل هذا الطفل يحتفظ بهذه الخصلة تحت وسادته حتى رحيله، معتقدا بعودتها ثانية. يقول المقربون منه ان امه تحيا معه في كل لحظة. انه مرعب لمن يعرفونه من الاصدقاء والمعارف الآخرين. اذ لا يدعهم يشعرون بالراحة معه، اذا تحدث او تحرك او نظر او صمت. انه صاحب فلسفة حياتية عجيبة حين يقول: (عش مسرعا ومت شابا كي تبقى جثة جميلة). نلمس هنا مادية الحس لرمزية الخلود، خلود الجثة الجميلة الشابة. انه احساس مادي صرف لمفهوم الخلود. ولقد تحققت رغبته ومقولته بموته المبكر ليدخل عالم الخلود رغم ان جثته واراها التراب. مات جيمي ولم يعرف انه سيخلد. لم يعرف ما هي قيمة اعماله السينمائية ولم يرها معروضة في دور السينما كما اسلفت. مات ولم يعرف انه اسس مدرسة في التمثيل تركت اثرها في العديد من مجايليه وما بعدهم من فناني السينما العالمية. تركت اثرها في مونتغمري كلفت في فيلم ‘لا تقتلوا الجياد’ مع كلارك غيبل، مارلين مونرو ومونتغمري كلفت وكذلك في وليم هولدن في فيلم ‘نزهة’ مع كيم نوفاك ووليم هولدن. وفي ريتشارد بيرتون في فيلم ‘من يخاف فرجينيا وولف؟’ مع اليزابيث تايلور وجورج ساغال، وريتشارد بيرتون، ثم في مارلون براندو في فيلم ‘التانغو الاخير في باريس’. وفي غيرهم الكثير. كانت رغبة الشهرة منذ صباه تدفعه الى السعي الى النجومية السينمائية فكان وهو في الثالثة عشرة يذهب لبيت تحت البناء مقابل بيته فيغمس يديه ورجليه في الاسمنت الطري تشبها بنجوم هوليوود. واخيرا وقع اختيار المخرج ايليا كازان عليه بدلا من مارلون براندو لتمثيل فيلم ‘شرقي عدن’ عام 1953 من رواية جون شتاينبك مع رايموند مسي وجوفان فلت وجوليا هاريس. ثم حصل على بطولة فيلم ‘طيش الشباب’ اخراج نيكولاس راي وبطولة ناتالي وود وسال منيو وكوري ألن.

ثم كان فيلمه الاخير ‘العملاق’ مع روك هدسون واليزابيث تايلور 1955 اخراج جورج ستيفين عن رواية الكاتبة ادنا فيربر. هناك بعض الاقوال عن تفضيل ايليا كازان له على مارلون براندو بسبب كبر سن الاخير رغم انه ذو باع في ادوار المشاغب المتمرد قبل جيمي. الا انني اعتقد ان كازان اكتشف بنظراته الثاقبة كمخرج فنان موهوب مكنونات الطاقة المخزونة في نفس وروح جيمي وصلاحه للقيام بدوره في فيلم ‘شرقي عدن’. ولقد اثبت صحة رأيه فيه. فما ان بدأ العرض الاول لهذا العمل حتى اصبح الراحل نجماً عالميا تدر افلامه لهوليوود ملايين الملايين كما وان عشاق هذا الفن يزدادون بمرور الزمن وتعدد الاجيال وليومنا هذا. ولقد اثرت شخصية جيمي في الخمسينيات في تكوين شخصيات المراهقين والصبيان والشباب ومنهم نحن. واستمر التأثير في الاجيال المتعاقبة. فعندما تتحدث اليزابيث تايلور التي عشقته حينها واصيبت بالانهيار العصبي بعد الحادث ومن ثم رافقتها كآبة مزمنة وحزن عميق دفين، تتحدث عنه كرجل وانسان مغر للمرأة بشكل لا مثيل له، ولكن ليس لكل النساء بل لنموذج معين منهن، كصاحبة القول.

اما النساء مثل الممثلة بيير انجيلي فلم يستطع جيمي ان يحظى بحبها ويقال ان سبب مقتله ذلك اليوم هو قطعها العلاقة معه. وانا اصدق رفض انجيلي لهذا النمط من الرجال المعقدين، المرعبين. فكثير من النساء لا يفتحن قلوبهن لشخصيات قلقة مدمرة ومدمرة بل يفضلن الرجل السوي المنتظم الهادئ الذي يصلح او ينجح ان يكون رب بيت وأبا سويا وزوجا مثاليا. لقد احبته ليزا اثناء العمل معه في فيلم ‘العملاق’ الذي يكشف عن العلاقات البرجوازية الرأسمالية بالانسان ووسائل الانتاج والربحية الفاحشة ويعريها، اي هذه الطبقة، وعلاقاتها الاجتماعية وتقاليدها الزائفة فيأتي الانتقام منها على يديه حين يعثر على النفط في مزرعته ويدخل نادي هذه الطبقة. انه عمل فني متكامل اجاد الجميع ادوارهم فيه والمخرج كذلك فدخلوا عالم الخلود الفني. ان هذا الفيلم يعري ثقافة اقتصادية هي العمود الفقري لنظام سياسي يخدم هذه الطبقة الجبارة التي تتحكم بالانسان لتحقيق اهدافها بأي شكل كان وبأي وسيلة كانت. فهي ميكيافيلية خالصة والغاية تبرر الوسيلة حتى لو عن طريق الحروب الابادية للشعوب ومن ثم الاستحواذ على اراضيهم ومنابع النفط والثروات الاخرى. في هذا العمل يتم الكشف ايضا عن التحول الذي يطرأ على الانسان حين ينسلخ عن طبقته لينضم الى الطبقة العليا. وكيف يتحول من انسان فلاح بسيط الى رأسمالي طاغية جبار يدمر ويحطم كل من يقف في طريق مشروعه الاستحواذي على سوق المال والنفط حتى يفترس من قبل طموحه وطغيانه وجبروته، فينتهي نهاية حتمية يفرضها الصراع وطبيعة هذه الثقافة الراسمالية التي تعتمد الاستحواذ والاحتكار.

من المهم ذكره هو ان جيمس دين اجاد ادواره بشكل يدعو الى الاعجاب في فيلم ‘شرقي عدن’ ومن ثم في ‘طيش الشباب’ حيث ان موضوعاتهما هي الاقرب الى روحه ومعاناته فلا يشعر المشاهد بالتكلف في اداء الادوار تماما مثلما قال اصدقاؤه عنه فهو هكذا في حياته اليومية. ففي ‘شرقي عدن’ يعاني من عقدة نفسية وشعور بالاهمال والاضطهاد من قبل الاب وتفضيله ابنه الآخر عليه وغمره بالحنان الابوي والرعاية الكاملة في حين يعامل جيمي وكأنه حشرة غريبة لا يرتبط به بأي رابطة وذلك لسر يتعلق بأمهما التي يجهلان كل شيء عنها حتى يعثر عليها جيمي في المبغى العام. فهناك علاقة عائلية يسودها الصراع العنيف والهستريا بين جيمي وابيه ولطالما حاول ان يثبت ويبرهن له بانه اذكى واقدر على تحقيق افكاره التجارية من اخيه المدلل حتى يكسب حب وعطف ابيه. ومن المشاهد العالقة بالذاكرة مشهد الجري فوق عربات القطار وهو يسير وكذلك مشهد فرحه بزرع الحقل.. اما في ‘طيش الشباب’ الذي ابدع جميع الممثلين في اجادة ادوارهم الا ان جيمي تميز عنهم جميعا وحتى عن ناتالي وود الممثلة القديرة.

وتكمن اهمية هذا العمل في كونه يعالج اهم تناقضات المجتمع الامريكي ما بعد الحرب ونشوء الصراع بين الجيل القديم والجيل الحديث من الشباب. اتخذ شكل الصراع الكره الشديد للقيم السائدة والعقلية واطارها الفكري وموقفها من الحرب وقصف اليابان بالقنابل الذرية (المقصود هنا وقت تمثيل هذا الفيلم واثر الحرب العالمية الثانية على جيمس دين وجيله) وكذلك موقفهم من الحملة المكارثية. فأعلن جيل الشباب الجديد رفضه للآباء والامهات وتمرده عليهم في سلوك احتجاجي عنيف يصل احيانا الى درجة استعمال الاسلحة في الخصام بين عصابات الشباب، اي ان العنف هو وسيلة التعبير الكبرى عن الغضب والاحتجاج. لقد انضجت ظروف ما بعد الحرب ثمرة الوعي الطيب لدى المفكرين والفنانين والادباء والشباب المتأثر بافكارهم واعمالهم، وبما ان التناقضات ومنها التفاوت الطبقي تؤدي بالضرورة الى نشوء الصراع الذي يؤدي بدوره الى التغير وطرح الفكرة الجديدة والشكل الحياتي الجديد حتى تشيخ وتعجز هذه الفكرة لتظهر مقابلها فكرة مضادة ويكبر حجم التناقضات ثانية فيبدأ الصراع من جديد ويؤدي حسب قانون الديالكتيك الى نشوء حالة جديدة، وهكذا يتحرك المجتمع وفق قوانين الحراك الاجتماعي والاقتصادي. ان الانسان الذي يمثل هذا الجيل كجيمس دين ومارلون براندو ضرورة حتمية انتجتها الظروف السياسية والاقتصادية والازمة الحربية العسكرتارية.

نستطيع القول ان جيمي هو خير من مثل هذا الجيل حياتيا وسينمائيا لانه فرز حضاري واقعي، ولانه وليد هذه المرحلة. فلم يكن كما قال اصدقاؤه سطحيا تافها وسخيفا ابدا بل فنانا مثقفا كما اشرت.

ان طبيعة المجتمع الامريكي وعقليته واطاره الفكري تعطينا الحق بوصفه مجتمع التناقضات والشرائح المتصارعة، فهو مجتمع اعمدة ثقافته السياسية والاقتصادية والعسكرية هي التمييز العنصري الذي مورس من قبل الناس بحق السود ومن قبل مؤسسات الدولة حتى وضع الرئيس الامريكي جون كندي عام 60 ـ 61 الكونغرس امام الحقيقة بسن قوانين الغاء التمييز العنصري الذي شمل كل مؤسسات الدولة والمؤسسات المدنية وبعنف. فهناك مطاعم البيض ومدارسهم ووسائط نقلهم ورياضتهم وحتى المدارس والمقاهي والسينمات، اي كل مجالات الحياة. ولهذا السبب ظهرت سينما الضد السوداء ونشطت الموسيقى السوداء (ارمسترونغ وري شارلس) لتعرية هذا الواقع والنضال من اجل تغييره ولقد برز الممثل سيدني بواتييه في هذه الموجة من سينما هوليوود المعارضة للمكارثية وهوليوود المؤسساتية كما اشرت سابقا. وبما ان العمود الذي تستند عليه ثقافة البلد السياسية والاقتصادية والعسكرية هو العنف والقوة الحربية ومكافحة اي فكر تقدمي يقف ضد هذه الثقافة الحاكمة، فإن الشريحتين السوداء والهندية الحمراء كانتا وظلتا ولا تزالان تعانيان من الفقر المدقع والعيش تحت خطه، فهم يعانون من البطالة وأزمة السكن ويلتحفون السماء على ارصفة الشوارع ومحطات القطار والمترو والساحات العامة. وهناك الدعامة الاخرى التي تستند عليها ثقافة المؤسسات الحاكمة هي العنف العسكري وابادة العدو. فما كان ضرب اليابان بالقنابل الذرية حدثا عابرا بل هو حدث احدث رجة في ضمير البشرية الطيبة وفي الضمير الامريكي من النخبة الطيبة ايضا، فانتج رد الفعل هذا جيلا رائعا، هو جيل الازمات الكبيرة. سنرى كيف سيؤثر هذا الجيل في جيل الستينيات والسبعينيات الرافض لحرب فيتنام والمحتج عليها بكل وسائل التعبير فأنتجت هوليوود سينما الضد أفلاماً تعري هذه الحرب وتكشف عن اكذوبة الاعلام المؤسساتي في اظهار المحارب الأمريكي بوجه جميل ديمقراطي انساني يضحي بحياته من أجل الشعب الفيتنامي. ثم أظهرت موجة سينما الضد حقيقة الجنون والعصاب والعقد النفسية التي انتابت جنود أمريكا حتى بلغ الاجرام لدى العائدين من الحرب نسبة عالية جداً وكذلك بلغت نسبة الانتحار، كما ان اصوات الاحتجاج من قبل الطيبين ظللت تلعلع بلا انقطاع وكان منها موقف مارلون براندو المشرّف حين رفض جائزة الأوسكار في بداية الستينيات احتجاجاً على ابادة الهنود الحمر سكان البلد الأصليين. لقد ظهرت بعض الأعمال السينمائية التي تعالج صراع الأجيال كفيلم ‘قصة الحي الغربي’ الذي مثله جورج شاكريس إلا أنه لم يحفر في ذاكرة المشاهدين علامات مميزة ما عدا تلك الرقصة بين عصابتين من الشباب، الا ان فيلم ‘طيش الشباب’ ترك وحفر في ذاكرة المشاهدين من مشهد الرهان بالسيارات الى مشهد الشجار بالسكاكين ثم المشهد الخالد الذي برع فيه جيمي وأظهر مقدرة وموهبة فنية راقية جدا وذلك حين قتل صديقه الصغير برصاص الشرطة وهو منحن عليه باكياً وصارخاً، ثم تنتابه فجأة حالة هسيتيرية فيمتزج البكاء بقهقهات وضحك وذلك عندما يرى القتيل يرتدي جوربين مختلفي الألوان.

قلت ان جيمي هو خير من يمثل جيل الشباب الجديد الثائر المتمرد على الجيل القديم حياتياً وسينمائيا. وأهم ما حققه هذا الفنان هو تحطيم بطل الجيل القديم هوليوودياً الذي يمثله الممثل جون وين بطل السينما المكارثية المؤسساتية الذي لا يقهر، البطل الحديدي الذي ينتصر دائما ضد الشر المتمثل بالهندي الأحمر، البطل الذي يبيد أعداءه الأشرار ويبرر هذا الفعل تماماً مثلما في حروب أمريكا الآسيوية فهو الجندي السوبرمان. لم يكن جون وين هكذا في السينما فقط بل هو في الحياة العامة معروفاً بتطرفه اليميني سياسياً وعسكرياً فكان من المؤيدين في مواقفه للسياسة الأمريكية الداخلية والخارجية وعرف أثناء حرب فيتنام كدعاية لهذا العنف العسكري، وكذلك عرف عنه موقفه مع رفاقه الممثلين المؤيدين للحملة المكارثية مع رونالد ريغين الذي حضر المحاكمات كممثل عن هوليوود يشاركه حينها ريتشارد نكسون كممثل عن الكونغرس، هناك سلسلة من أعمال السينما الهوليوودية المؤسساتية تصب في هذا المجرى وتضم عشرات الممثلين والممثلات والمخرجين والكتاب أيضا. ومما يجدر ذكره هو اعتراف المخرج ايليا كازان أمام المحكمة المكارثية على رفاقه الممثلين والكتاب الفنانين من الشيوعيين لضعفٍ وانهيارٍ انتابه اثناء التحقيق.

لقد تمكن جيمي من تحطيم تمثال البطل القديم ليحل محله بطل امريكي جديد، ضعيف مخذول مهزوم ومضطهد بكاءٌ هامشي ذو أفكار طيبة. لقد احدث مصرع هذا البطل رجّات في نفوس المقربين منه كما ذكرت (اليزابيث تايلور) وفي نفوس شريحة من ممثلي ونجوم هوليوود الذين ساهموا في أعمال سينما الضد كهمفري بوكارت ولورين باكال حيث قادوا تظاهرة فذة مع حشد من اصدقائهم الممثلين والممثلات ومنهم مارلين مونرو وساروا إلى البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي احتجاجاً على محاكمة آرثر ميلر من قبل جوزيف مكارثي، فمن أقوال هؤلاء في جيمس دين قول همفري بوكارت (لقد أحسن جيمي فعلاً برحيله المبكر اذ سيدخل عالم الخلود). كثرت الأقوال والآراء حول فن جيمي وعن مصرعه فهناك من يعزو السبب إلى حبه وعشقه للممثلة الايطالية بيير انجيلي ورفضها له، وهناك قول آخر في حقيقة اكمال دوره في فيلم ‘العملاق’ ولم تبحث الشركة المنتجة لهذا الفيلم عن بديل له شبيه ولو بقليل… فاختارت وارين بيتي ليكمل الدور ومن ثم ليحل محله مالئاً الفراغ الذي تركه. وهذه اقوال لا ادري مدى صحتها، ولكن الذي أعرف ان وارين بيتي حاول ان يكون جيمي الثاني ففشل. ومن الذين أثر فيهم مصرعه السائق الذي صدمه حيث عاش عمره مصاباً بالعصاب الهستيري والكآبة المزمنة. كما وأثرت أعمال جيمي في استمرارية انتاج افلام سينما الضد في الستينيات والسبعينيات مثل بعض أعمال جاك نيكلسون وجين هكمان ومارلون براندو وروبرت ريدفورد كفيلمه ‘ثلاثة أيام كندور’ عام 1974 مع كليف روبرتسون وفاي دونوي، وهو من أفلام المواجهة المباشرة مع المؤسسة الحاكمة ودائرة (السي آي اي) حيث تصفي هذه الدائرة موظفيها في شعبة القسم الثقافي المسؤولين عن ترجمة وتلخيص ما ينشر في العالم من أدب بدون معرفة السبب، وهو فيلم فاضح لحقيقة ما يجري خلف كواليس هذه المؤسسة الرهيبة.

ولا بد لي من الاشارة إلى فيلم ‘الطريق إلى الغرب’ الذي مثله كيرك دوغلاس وروبرت ميتشم وريتشارد ودمارك وكثير من نجوم هوليوود. تأتي أهميته كونه يكشف عن نمط من أحلام وتفكير بعض البشر، فالبطل الأمريكي (كيرك دوغلاس) مليونير مصاب بجنون العظمة وحب التسلط وكرسي الحكم فيشتري آلافاً من الناس بمختلف الأعمار من كلا الجنسين ويقودهم عبر الصعاب والمواجهات مع الهنود الحمر لتأسيس مدينة تحمل اسمه ثم لكي يصبح محافظا كي يصل بعدها الى واشنطن حتى يصير رئيساً لأمريكا، ولكن على حساب مئات الجثث واخيراً ينتهي وحلمه هذا الى القتل. لقد تمت هذه القفزة على يد جيمس دين مؤسس مدرسة جديدة في فن التمثيل. لقد حاربته هوليوود المكارثية في حياته وجنت بعد مماته مئات الملايين من الدولارات وما زالت شبابيك التذاكر تدر عليها الملايين لحد الآن.

ظهر بسرعة واختفى وانطفأ ضوؤه بسرعة مثلما كان محباً لها، رحل في عز الشباب مثل مبدعي العالم الشباب الذين رحلوا حين وصلوا الى قمة الابداع وأسسوا في الفن والأدب والثورة مدارس قائمة ما دام هناك بشر ذوو وعي وحس راقيين. رحل بعد ان اشعل سيجارته وأطال النظر في نجم لامع في السماء ثم انطلق بسرعة جنونية واختفى تاركاً بعض الدولارات في جيبه وساعته اليدوية وخصلة من شعر أمه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية