د. محمد المسعوديتأتي رواية ‘نساء الريح’ لرزان نعيم المغربي في سياق عودة الرواية العربية إلى الانشغال بمعالجة أزمة الإنسان العربي في الواقع الراهن بكل تعقيداته وملابساته، وفي شتى تجلياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، بعدما انشغلت في فترات ما بجمال اللغة والصياغة الفنية على حساب طرح قضايا حاسمة وجذرية في المجتمعات العربية. وهي رواية تنضاف إلى الروايات التي اهتمت بموضوع الهجرة السرية ( غير الشرعية) بكل أبعاده الواقعية والمتخيلة لبناء عوالمها السردية.
ورواية ‘نساء الريح’ هي العمل الروائي الثاني للمبدعة رزان نعيم المغربي بعد روايتها ‘الهجرة على مدار الحمل’، وبعد عدة أعمال قصصية أخرى. والانشغال بموضوع الهجرة لا يحضر في هذه الرواية دون غيرها من إبداعات الكاتبة، لكنه يحضر في روايتها ‘نساء الريح’ بمفهوم ترك البلاد تحت ضغط البحث عن حياة كريمة وبغرض ضمان لقمة عيش نظيفة عبر طرق غير شرعية لا تخلو من مخاطرة ومغامرة، وهو تجل أول من تجليات القضايا التي تطرحها الرواية، وكما نستشف من صفحاتها الأولى. وبما أن الهجرة تتخذ أشكالا مختلفة من الرحيل ودواعيه وتتصل بأنماط متنوعة من الأحلام والتطلعات والهواجس، فإن هذه الهجرة قد تكون مادية فعلية تجري في المكان والزمان بالانتقال من فضاء اجتماعي وحضاري إلى آخر، وقد تكون هجرة معنوية تتصل بهواجس باطنية جوانية قاسمها الكبير الشعور بالاغتراب والنأي عن المجتمع وقيمه وبعض مكوناته الحضارية والثقافية على الرغم من المكوث في المكان الواحد وعدم مغادرته. ولعل هذه الأبعاد جميعا تثوي طي هذا العمل الفني الجديد للروائية، كما سنلمس في هذه القراءة.
إن مدار هذه الرواية لا يتعلق فقط بتصوير معاناة فئة اجتماعية مسحوقة من النساء والرجال والأطفال تتخذ الهجرة السرية سبيلا إلى الخلاص والتحرر وتحقيق الأحلام، وإنما يتمركز حول تصوير شتى أشكال الاختلالات في الواقع والحياة. وبذلك فإن أبعاد الرواية تطال مناحي متعددة في حياة الإنسان العربي في عصرنا الراهن. تراوح الرواية في حكيها بين شخصيات نسائية عديدة لكل واحدة منها أحلامها وتطلعاتها، كما لها آلامها ومشاكلها التي تعمل على البوح بها بشتى السبل، ومن بين هذه الشخصيات الروائية شخصية الكاتبة ( وهي شخصية ورقية غير رزان نعيم المغربي طبعا). وعبر هذه الحكايات النسائية الغنية والمتنوعة تشيد الرواية عالمها السردي الذي لا يخلو من مكر فني ولعب روائي متقن.
فإذا كانت كل من بهيجة وأم فرح امرأتين غامرتا بنفسيهما وخاضتا غمار البحر في ظروف غير آمنة وتخلو من كل شرط إنساني سوي، وجربتا معاناة الهجرة في زوارق الموت، وتعرضتا للابتزاز( حالة أم فرح) أو التحرش الجنسي ( الفتاة وبهيجة) أو الموت ( المرأة التي هاجرت في القارب وألقيت في البحر)، فإن الرواية تحفل بشخصيات أخرى تعيش نمطا آخر من الهجرة، وهو المتمثل في الشعور بالقلق الروحي والاضطراب النفسي في مجتمع مختل، وبالخصوص حالة الكاتبة التي كانت ترصد كل ما يجري حولها بعين ناقدة شاجبة للعفن المستشري في مختلف مناحي الحياة. وهكذا نلقى نقدها يطال المجتمع المحافظ والطبقة الغنية المترفة بتفاهة رجالها ونسائها، كما يمس الساسة والمثقفين، ليس فقط في ليبيا، وإنما أيضا في البلاد العربية، وعلى وجه الدقة أولئك الذين حولوا الثقافة وأنشطة الثقافة إلى تجارة وأداة لتلبية نزواتهم دون الوقوف عند الواقع أو تأمل حياة الناس والبلاد التي يعبرونها. (انظر الرواية: ص. 108). ولعل التفات الكاتبة ( الشخصية الروائية) إلى مثل هذه القضايا وطرحها ينبع من معاناتها وانشغالاتها بالحياة وهموم الناس من جهة، ومن رغبة في الإبداع عن طريق كتابة أشياء متميزة، ولهذا حفزت بهيجة على وصف كل ما تحس به وما تراه وتعيشه أثناء رحلتها وتسجله في آلة التسجيل التي منحتها، كما قبلت الاستماع إلى حكايات يسرا وهدى وسومة على الرغم من تفاهتهن ( والوصف للكاتبة / الشخصية الروائية). وهذا الوصف في ذاته يجسد موقفا واضحا من هؤلاء النساء الفارغات روحا، القلقات المضطربات، اللواتي لا تشغلهن سوى مكائدهن وتلبية رغباتهن الحيوانية. نساء لا يفكرن سوى في التستر على خيانتهن لأزواجهن، والاستمرار في ابتزاز الرجال والتلاعب بهم بدعوى الحب والصداقة والزوجية وغيرها من العلاقات التي استشرى فيها العفن.
هكذا نجد الرواية، وهي تنتقل بين ( الكاتبة) وصديقاتها وبهيجة وغيرها من الشخصيات، تمعن في تصوير مظاهر الاختلال النفسي الاجتماعي، كما تقف عند تجليات الاغتراب والتوزع لدى الإنسان المعاصر، وكأنها تقول لنا: ‘الكل مهاجر مغترب، ولكل هجرته الخاصة، ولكل امرئ ما / من هاجر إليه: المال أو الحب أو الشهرة، أو المتعة، أو الوهم، أو تحقيق العيش الكريم’. ومن ثم، فإن جل الشخصيات النسائية في الرواية، لا تسلم من نوازع رحيل وحلم بتغيير الحياة نحو أفق آخر.
هذه بعض من انشغالات متخيل الهجرة في الرواية التي أبت إلا أن تعزف على وتر الحلم في تغيير حياة الإنسان نحو الأفضل، من جهة، عبر الفعل / العمل ( نموذج بهيجة الخادمة الأمية) والكتابة / التفكير ( نموذج الكاتبة المثقفة الرافضة). ومن جهة ثانية، عزفت على وتر التراجيدية الإنسانية حينما تتمثل في التيهان والبعد عن الواقع والارتباط بصغائر الأشياء وتفاهتها، كما نرى في حالات النساء الأخريات في الرواية. ولعل هذا الحس التراجيدي الذي تحفل به الرواية مما يحسب لها، ويوضع في ميزان حسناتها، وهو جزء لا ينفصل عن لعبها الفني.
وقد نجحت الرواية أثناء بنائها المرآوي الذي كان يعتمد على التنقل بين محكي بهيجة، ومحكي الكاتبة، ومحكي الشخصيات الأخرى في أن تحافظ على إيقاع سردي لم يخل من التوتر والتصاعد في سياق درامي متماسك. وهذا التماسك الفني أسهم في تجنيب الرواية كل ترهل أو إطناب لا داعي له، كما أنه لم يجعل حسها التراجيدي يسقط في نزعة رثائية أو في نبرة هجائية للواقع، بقدر ما جسدت موقفا نقديا عقلانيا ووجدانيا من الواقع عبر شخصياتها الروائية، وعبر تفاعل كل من الكاتبة وبهيجة من أجل الانتصار إلى حلم الإنسان والحرص على نجاح التجربة والمغامرة.
وقد وقفت الساردة، في تصوير بعض ملامح التوتر والتصاعد الدرامي في الرواية، عند شخصية الكاتبة وما كانت تعيشه بدورها من توزع بين الرغبة في مد أواصر صداقة بجاراتها في العمارة ( يسرى، وهدى، والشقرا) لصياغة روايتها التي ترجو كتابتها، وبين الخشية من التورط معهن في مغامراتهن الغرامية وانشغالاتهن التافهة، ولهذا نجد الكاتبة تخاطب نفسها أكثر من مرة قائلة:’… تؤرقني هذه الأسئلة للمرة العاشرة: لماذا أنا هنا؟ كيف وافقت على الاستمرار ومشاهدة هذه اللعبة؟ الآن تنفجر من رأسي الإجابة حاسمة:
ـ حتى تكتبي الرواية عليك الاكتفاء بما عرفته عنهن جميعا، أما ما تبقى فدعي خيالك يكمله ويملأ فراغاته…’ ( الرواية: ص. 55)وتكشف الساردة عن مكمن خوف آخر لدى الكاتبة وبعدا من أبعاد تعبيرها عن انفعالها وتوترها مما يجري حولها، فهي تعيش حالة توزع بين الكتابة وبين واجب الصداقة، ومن ثم تخشى الإساءة إلى صديقاتها. تقول متحدثة عن يسرى:’… ها أنا أصبح شريكتها بعد اطلاعي على سرها، ولم أثنها عن عزمها بصدق، نشأ صراع مؤلم في داخلي بين المرأة المفترض أنها صديقة مخلصة وبين المرأة الكاتبة المجنونة التي تبحث عن قصة تكتبها.
بين الإثم والفضول سكت ضميري تماما واقتنعت بحفظ سرها بل ونسيانه تماما، سأكتمه فليس بمقدوري إشعال الفتنة وتحمل نتائجها، ولست مسؤولة عن شرف النساء المهدور’.( ص. 60)يكشف هذا الاستشهاد، إلى جانب تصويره توتر الكاتبة، عن الحس الإنساني والوعي العميق بشخصية الكاتبة باعتبارها شخصية روائية فاعلة في النص استطاعت أن تنخرط في عوالم نساء العمارة من جاراتها اللواتي صرن صديقاتها، كما انخرطت في علاقات مع نساء أخريات، وبالأخص بهيجة. وهذه الأواصر جعلتها تتخذ الحذر في الكتابة عنهن وصياغة عوالمها الحكائية بما لا يمسهن أو يسيء إليهن. وهذا البعد الإنساني المتعاطف مع الآخرين ومع قضاياهم جوهر شخصية الكاتبة كما جسدتها الروائية رزان نعيم المغربي. وعبر هذه الحيلة الفنية واللعب الروائي تتمكن الروائية (رزان المغربي) من كتابة روايتها التي تعري جوانب من الواقع المعاصر، وأن تجعل من نصها شهادة على تردي الوضع البشري في عصرنا الراهن. وقد كان تداخل المحكيات السردية في النص وتعددها، وتنوع استراتيجيات روايتها: ( إما عن طريق السرد المباشر بضمير المتكلم، أو من خلال الحوار، أو عن طريق الحوار الداخلي، أو بواسطة قراءة بعض الأوراق ـ في حالة يسرى مثلا ـ أو عن طريق النميمة النسائية بحيث تحكي النساء عن بعضهن بعضا، أو من خلال وقوف الكاتبة ذاتها على بعض الأحداث أو تورطها في بعض المواقف) ، منطلقا للعب روائي هدفه إمتاع القارئ وشده إلى قراءة النص والاطلاع على مجريات الأحداث في تصاعدها الدرامي وفي توترها التراجيدي والنفسي.
وما يمكن أن نصل إليه من خلال هذه القراءة أن المدار في ‘نساء الريح’ لم يكن متمركزا حول نساء الهجرة اللاتي خضن غمار العبور السري من ضفة البحر الأبيض المتوسط الإفريقية إلى ضفته الأخرى الأوروبية، وإنما اتخذ من محكي نساء أخريات تخضن مغامراتهن في مهب الريح العاصفة، ريح المؤامرات الصغيرة والمكائد النسائية التافهة من أجل أوهام التحرر والعشق والاستقلال وكسب المال… وغيرها سندا لتشكيل متخيل الهجرة. وبذلك، فإن الهجرة، هنا، ليست هجرة على الحقيقة، وإنما هي حالة ‘تهجير’ قسري للذوات عن حقيقتها الإنسانية وعن شروط حياتها الكريمة الطبيعية العقلانية؛ إما عن طريق تفقيرها ووصول حياتها إلى أفق شبه مسدود يكون الرحيل من مكان إلى مكان آخر سبيلا لفتح كوة للأمل وتحسين الحال بالنسبة إليها ( حالة بهيجة وأم فرح والبواب رضا…)، أو عن طريق انغمارها في ملذات الحياة وتوافه الوجود الحسي المادي بما يمليه في وقتنا الحاضر من صراع ومكر وخداع لضمان البقاء ( حالات هدى ويسرا والشقرا وزوجة السيد عبد المجيد والسيد عبد المجيد وكمال ومنير…). وبتقاطع هذه العوالم وتداخلها، وعن طريق الألاعيب الفنية المتنوعة التي وظفتها الكاتبة استطاعت هذه الرواية أن تجسد نظرتها الخاصة والأصيلة إلى عمق مشكل الهجرة في واقعنا المعاصر، وقد عبرت عن موقفها من هذا الواقع تخييليا عبر بناء فني درامي متماسك، وقف عند تراجيدية إنسان عصر العولمة الذي تحول إلى إنسان قلق متوتر مهاجر حتى لو سار على الرصيف ( إذا سمح لنا أن نأخذ من الكاتب المصري الراحل محمود السعدني عنوانه الشهير: مسافر على الرصيف).