العودة الى باريس

حجم الخط
0

الياس خوري

لا تزال باريس مدينة الغواية، ولا تزال العودة اليها بين وقت وآخر، مليئة باحتمالات الذاكرة. وعلى الرغم من الترهل، والخطاب العنصري الذي يحمله الرئيس الفرنسي ساركوزي، تبقى باريس مدينة ساحرة. يكفي ان تذهب مع اصدقائك الى مطعم ‘لو بروكوب’ الذي تأسس عام 1686، وتجلس تحت تمثال فولتير، او تجلس الى طاولة جان جاك روسو، وتأكل رأس العجل المطبوخ على الطريقة الفرنسية، كي تشعر بنكهة التاريخ، وتستمتع بالاقتراب من سلالة المفكرين الذين صنعوا الثورة الفرنسية. تشير رانية سمارة الى المكان الذي كان مطبعة لمنشورات الثورة، ويستمتع جاد تابت بالسير على بلاط الشارع الذي لم تستطع الحداثة ان تدمره. يكفي ان تمشي في الشوارع، وتذهب الى جوار مقبرة بير لاشيز، ‘هنا كانت الكومونة’، قالت هدى بركات من دون حنين الى ماض صار اليوم حلما بعيدا. هنا نمشي الآن، ونتكلم عن بلاد فقدناها قبل ان نمتلكها.

تكفي مسلة ساحة الكونكورد وجسر ميرابو وضفاف السين، يكفي ان تقف في ساحة السان جيرمان امام فندق ‘ماديسون’ وترثي اصدقاءك الراحلين. يكفي ان تعيدك المدينة الى ايام الدراسة، حين كانت باريس ممتلئة بأصداء ثورة ايار، وكان حضور درس لميشال فوكو في ‘الكوليج دو فرانس’ يعطيك شعورا بأن الفكر يستطيع ان يمتلك العالم. مدينة الثوريين واللاجئين من اميركا الجنوبية، مدينة السوريين الهاربين من القمع والخوف، ومدينة العشاق.

لا ادري اذا فهم الفرنسيون سبب شغف مثقفي العالم بمدينتهم. ولا ادري اذا كانوا يعرفون ان تسامح البلاد التي كانت من مستعمراتهم معهم، سببه الفكر الثوري والتنويري الفرنسي. انسانا هذا الفكر فظاعات المرحلة الكولونيالية، فقط لأن باريس كانت مدينة سارتر والتوسير وجان جينيه ورولان بارت وبيار بورديو، الذين قادوا ابتداء من الخمسينات ثورة فكرية كبرى، خلخلت الاقتناعات السابقة، وفتحت الفكر والأدب على احتمالات لا تحصى.

اذكر في مرحلة الدراسة في اوائل السبعينات، اننا نسينا فرنسا وتاريخها الكولونيالي ونحن في باريس.

لا لأن باريس هي مدينة بيكاسو وكورتاثار، وكانت في السابق مدينة الافغاني والشدياق، بل لأن النبض الثوري الباريسي جعل المدينة توحي بأنها عاصمة الفكر والتغيير في العالم، ولأننا كنا نكتشف في ماركسييها وبنيوييها مجالا رحبا لقراءة تاريخنا المعاصر بلغة جديدة.

نسينا ان فرنسا شاركت في تقسيم المشرق العربي واستعمرت سورية ولبنان، وانها اعطت اسرائيل مفاعلها النووي الأول، وانها ارتكبت المجازر في الجزائر، وانها شاركت في العدوان الثلاثي على مصر. كان يكفي ان يقول ديغول لاسرائيل كلمة كلا، حتى ننسى، كان يكفي ان يودّع شيراك جثمان ياسر عرفات بمراسيم رئاسية كي يرتفع العلم الفرنسي في رام الله، وكان يكفي ان يكتب سارتر مقدمة كتاب ‘معذبو الأرض’ لفانون، كي ننسى انه تجاهل فلسطين طوال حياته، وكان يكفي ان يكتب كاتب عظيم اسمه جان جينيه ‘الأسير العاشق’، معلنا تماهيه مع الفلسطينيين، كي نعود الى قراءة رئيف خوري عن اثر الثورة الفرنسية على الفكر العربي.

لن اقول انني لم اجد باريس في باريس عام 2010، فهذا ليس صحيحا، لكن هناك شيء ما يتغير في المدينة، شيء بالغ الوضوح، تراه في السياسة كما تراه في الثقافة. قلت لنفسي في البداية ان من تغير هو انا، وان اعباء الحياة التي تتخذ شكل السنين التي احملها على ظهري، توحي لي بهذا التغير، الذي يجعلني افقد الشعور بأن باريس مدينتي.

انا تغيرت، لكن المدينة تغيرت ايضاً. يكفي ان يستقبلك قانون الجنسية الجديد الذي يبيح نزع الجنسية عن ذوي الأصول العربية، ويكفي الطرد الجماعي للغجر. سألني صديق فرنسي، في معرض تحليله للمشاريع الساركوزية، عن قوانين الجنسية في بلادنا. هنا اسقط في يدي، لا لأن الدفاع عن عنصرية قوانين الجنسية العربية من لبنان الى الخليج ليس مهمتي، لأنها قوانين تثير التقزز، ولأن معاملة العمال الأجانب في بلادنا، وخصوصا الملونين منهم، لا تشرّف احدا. أسقط في يدي لأنني شعرت ان فرنسا، رغم مقاومة قطاعات كبيرة من المجتمع فيها للعنصرية، فقدت معناها الذي رسخه مفكروها وادباؤها في وعينا. فجأة صارت باريس مدينة تفتقد الى الروح، ولم يبق فيها سوى هوس بعض البيروقراطيين المَرَضي بالفرنكوفونية. كأن الفرنكوفونية وعبادة اللغة، تستطيعان ان تكون بديلا لفراغ الفكر وموت الروح، واحتلال بعض صغار المثقفين المواقع الاعلامية.

ونحن العرب، اكثر من غيرنا من الشعوب، نعلم ان عبادة اللغة والاصرار على نقائها ليس سوى طريق الى الهاوية. ولم يستعيد الأدب العربي قدرته على التعبير الا مع النهضويين الذين قاموا بتحديث اللغة، فاتحين الأبواب للحداثيين وما بعدهم، الذين تجرأوا على التوليد اللغوي انطلاقا من لغة الكلام.

الهوس الفرنكوفوني لا يشبه سوى الهوس بالنقاء الوطني على الطريقة الساركوزية. النقاء هو نقيض اللغة، هذا ما لا تفهمه البيروقراطية الفرنسية التي حلت، للأسف الشديد، مكان الثقافة.

لكن مهما اغتربت عنا باريس فانها تبقى مدينة رائعة. يكفي انها تحمل في داخلها شذرات من ذاكرة ثقافات لا تحصى، كي تعطي زائرها بأنه يزور ذاكرته فيها. qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية