في الحديث عن المال العربي المبذول لحماية القدس يصيبك الكثير من الكآبة وأنت ترى أسماء الصناديق والدول التي ترأسها، وحين البحث عن الأثر يكون كمن يبحث في الصحراء عن الماء. في التفاصيل التي نشاهدها عن وجهة المال العربي، وللأمانة وحتى لا نبخس الناس أعمالهم، رأيت بعض الدعم لتغيير سجاد المسجد الأقصى، ورأيت معها بعض اللافتات التي تعنون إفطارات رمضان، وبعضا آخر يمتدح نفسه كثيراً لدفع ثمن التمر الذي يوزع على موائد الإفطار في ساحات المسجد الأقصى. في عمل احد المؤسسات التي تشرف على تنظيم النشاطات هذه بالنيابة، حرصت على تصوير تقرير فيه يافطة كتب عليها اسم الدولة المتبرعة ولقاء مع شاب دفع له بعض المال ليدعو الله للدولة الداعمة ولرئيسها، وبعد أن استغرق الشاب في مدح العطاء وتميز الطعام المقدم، اكتفى المصور بإضافة مشهد تظهر فيها القبة الصفراء وكأنها تعمل في وظيفة (الشحادة). سألت المشرف ما سبب هذا التقرير الدعائي العريض؟ قال إن الدولة صاحبة المشروع لن تدفع في العام القادم ما لم يتم هذا الإجراء. الحديث هذا ليس مفاجئاً لنا نحن الذين نعايش الواقع على الأرض ومعه نشاهد التفاصيل الأكثر ألماً من هذه الرواية. الحادثة هذه ذكرتني بلقاء مع صهيوني يستعمر مجموعة بيوت في مدينة القدس اشتراها من خائن فلسطيني هاجر إلى الولايات المتحدة هرباً بعد عملية البيع. المستعمر هذا يبلغ من العمر ستين عاماً لم يتزوج ولم يحرص على توريث أحد من أقاربه ما يملك، لذلك ظلت المؤسسة الإسرائيلية تفاوضه لتسليم ما يحوز من عقار للمؤسسة الصهيونية خدمة للرب. إبراهام العلماني لم تطربه كلمة الرب، حيث عرض بيع ما يملك بثلاثة ملايين دولار، المؤسسة الإسرائيلية لم ترد عليه فتوجه باحثاً عن عربي يدفع له الثمن ليبيع. حاول بعض الأصدقاء الذين يعملون في السلطة الفلسطينية جمع الرجل مع الدوائر المختصة فيها لشراء العقارات منه، وهي بالمناسبة قريبة جداً من المسجد الأقصى. المحاولات كلها باءت بالفشل وعاد الهاتف الرسمي كعادته يرد من خلال الآلة المسجلة (الهاتف الذي تتصل به حالياً لا يستقبل مكالمات يرجى ترك رسالة ورقمك لمعاودة الاتصال.. قبل يوم القيامة بأسبوعين) الثمن الذي طلبه الرجل لم يتعد الملايين الثلاثة والتي مع المفاوضات سيكون أقل بكثير. في الحديث عن عمليات السيطرة والجهد الصهيوني فيها استطاعت (إسرائيل) السيطرة على أكثر من 70′ من الأحياء القديمة في القدس، السيطرة رغم تعدد وسائلها إلا أن المال أحد الأدوات المهمة فيها. في حديثي مع المواطن المقدسي أبو أحمد روى تفاصيل المساومة التي تعرض لها حين دخل عليه في البيت وزير صهيوني سابق وفي صحبته مجموعة أخرى من الشخصيات التي لا يعرفها، حيث قام الوزير بتوقيع شيك وطلب من والد أحمد وضع الرقم الذي يشاء من دون تردد مقابل بيته مع ضمان السفر إلى الخارج وإعلان عملية البيع بعد عشر سنوات. المال المبذول هذا لا تدفعه الدولة وحدها بل يساهم فيه أغنياء اليهود الذين يقاتلون على كل شبر في مدينة القدس بدون أضواء ولا كاميرات ولا يافطات تعلق تحت كل عملية ونجاح أو قرصنة. عرض البائع الصهيوني ما زال قائما، والبيوت في عرف التجارة مغرية فمـــــن أحدهــــــا تشاهد المســــجد الأقصى بدون حائل ولا حاجز، فهل يمكن لأحد عقد صفقة شراء لحماية بعض ما تبقى لنا في القدس. علاء الريماوي