عبد اللطيف الخضر البوزيدي أثارت العملية الفدائية النوعية الأخيرة بالضفة الغربية تساؤلات عدة، ليس حول توقيتها الذي لا يخفى أنه تزامن مع إعلان انطلاق المفاوضات المباشرة رأسا لرأس بين ‘إسرائيلي’ قوي حدّ كسر كلمة الولايات المتحدة ذاتها وفرض شروطه كاملة غير منقوصة، و’فلسطيني’ ناقص شرعية وأهلية تمثيل وتفويض. كما لم تقف التساؤلات كثيرا عند هدف العملية الفدائية المتمثل في بعث المقاومة رسالةَ تذكير وتحذير وتبرئة ذمة، ولا عند الطرف المستفيد منها الذي هو حماس ومن سار على نهجها المقاوم، الفعال والبطيء والمتواضع على كل حال. لم ينصبّ التساؤل بعد العملية حول كل هذا أو حتى حول الموضوع الأهم أي موضوع احتمال نجاح المفاوضات من عدمه، بقدر ما انصب حول تأخّر حماس كل هذه المدة عن المقاومة المسلحة سواء بالصواريخ من غزة أو بالعمليات بالضفة أو في فلسطين 48، وهو تساؤل مشروع ومنطقي يطرحه الصديق قبل الخصم ولو ليطمئن قلبه، كما أنه – وهذا هو الأهم – شبيه بالتساؤل الذي طُرِح بعد تقديم حزب الله قرائنه بخصوص تورّط إسرائيلَ في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فقد تساءل الجميع حينذاك لماذا لم يعلن حزب الله قرائنه سنوات من قبل؟ هذان التساؤلان فيهما من الشبه ما يجعل الإجابة عليهما يمكن أن تكــــــون مشـــتركة ولو في جانب منها، فالتساؤلان يخصان تَحــــركين يبدوان متأخرين لمقاومتين مسلحتين ضد نفس العدو الذي انهال على البشر والحجر حين لم يتمكن من القضاء عليهما على التوالي في عدوانه على جنوب لبنان في 2006 وعلى قطاع غزة في 2008. وإذا كان منطقيا أن تترك الإجـــــابة عن مثــل هذه التساؤلات إلى الحركتين المقاومتيــن المعنيتين لأنهما وحدهما الكفيلتان بتقديم إجابات مضبوطة حول أهدافهما أو خططهما، فإن بإمكان المتتبع للشأنين الفلسطيني واللــــــبناني ولمجريات الصراع الإسلامي الإنساني ضد الصهـــيونية، أن يستنبط عناصر الإجابة. وبالتالي مبررات تأخر ردّتي فعل الحركتين، من سياق الأحداث المتوالية والمتشابكة بالشرق الأوسط، ويمكن في هذا الصدد أن نسوق ثلاثة مبررات على الأقل يمكن أن يدلي بها كل من حزب الله حول تأخره في تقديم البراهين وحماس حول تأخرها في دحر المستوطنين: 1. غض ‘المجتمع الدولي’ الطرف عن جرائم إسرائيل الوحشية ضد المدنيين بغــــزة ولبنان رغم اجتماعات وقرارات مجلس الأمن، ورغـــــم لجان التحقيق وتقاريرها، ما يشجــعها على ارتكاب المزيد من الجرائم وهي تعلم أنه ليس هناك حسيب ولا رقيب على عربدتها الهوجاء، وبالتالي فإن إحجام حماس عن إطلاق الصواريخ من قطاع غزة هو بالدرجة الأولى لتجنيب المدنيين ويلات تنضاف إلى ما هم فيه من تضييق وتجويع وحصار، فحماس في اعتقادي لم تحجم عن إطلاق الصواريخ لأنها ‘عبثية’ كما وصفها الرئيس عباس وتصفها أنظمة الاعتدال العربية، ولكن لأن ازدراء مفعول وجدوى تلك الصواريخ من لدن العرب ومن لدن من ألقوا السلاح من الفلسطينيين، هو الذي حوّلها من ورقة رابحة أحدثت بشهادة المختصين نوعا من توازن الرعب النسبي، إلى مجرد ورقة احتياطية. كما أن إحجام حزب الله عن أية عملية ضد إسرائيل هو لنفس الغرض أي لتجنيب المدنيين انتقام الصهاينة الجنوني الذي صار مُشرعَناً دوليا ومَدعاةً إلى لَومِ المقاومة عربيا، إضافة إلى رغبته في تهدئة الوضع الداخلي، فمن كان سيصدق قرائن السيد نصر الله في حمأة التحامل العام داخليا وخارجيا على حزب الله وعلى سورية ونحن نرى كيف لم يصدّقوه حتى وقد اعتدت إسرائيل على لبنان وقتلت حوالى ألفي مدني وثبت استهدافها للبنان بل وكشف جواسيسها بلبنان بالعشرات؟ 2. تقاعس معظم الأنظمة العربية عن نصرة غزة أو لبنان، لا بل مباركة بعضها الاعتداءين الغاشمين طمعا في التخلص من المقاومة واتقاء لانتشار الفكر المقاوم، وأملا في إخراس أي استنكار لما كانوا يعلمون أنه آتٍ، من وأدٍ دولي وعربي للقضية الفلسطينية (بعدما بث الترك والفرس بعض الحياة في أوصالها فجأة ثم ما لبث الزبد أن ذهب جُفاءً على ما يبدو) وطمسٍ لحقوق الفلسطينيين في الأرض والسيادة، وتقسيم للقدس الشرقية إلى شطر فلسطيني وآخر إسرائيلي بمباركة عربية من الأنظمة التي تحضر المفاوضات الحالية وتلك التي تؤيدها من وراء حجاب.3. لجوء المقاومتين الفلسطينية واللبنانية إلى وقف الاشتباك مع الصهاينة لم يكن في اعتقادي إلا إجراء تكتيكيا أملته الظّروف السالفة الذكر، وهو إجراء لا يُلغي مهما طال به الزمنُ الخيار الاستراتيجي الأهم الذي هو خيار المقاومة المسلحة، ثم ما معنى أن تسارع المقاومة ببلادة إلى إعلان مسؤوليتها عن أية عملية فدائية؟ ومن قال أن إسرائيل تعلن عن جميع العمليات أو عن كل خسائرها؟ لا أظن أن الإعلان عن المسؤولية سيبقى واردا في قاموس حركات المقاومة على اختلافها، فقد ثبت أنه يأتي بنتائج عكسية. إضافة إلى هذه المبررات التي أعتقدها كافية لتوقف المقاومةُ اشتباكها بالعدو إلى حين تغير الأوضاع التي ليست في صالحها في الوقت الراهن في انتظار أن تحظى بدعم أكبر من العرب الممانعين أو الأتراك أو الفرس، وربما في انتظار أن تحَرك المفاوضات – الصفقةُ الحالية أو نتائجها شيئا في الشارِعين العربي والإسلامي المضغوطين والمخدرين. إضافة إلى كل ذلك أعتقد أن مفاوضات ‘الصفقة أو الطبخة السريعة أو الفاستفود’ هذه، هي فرصة لا تعوض بالنسبة للمقاومة لاستعادة الجدوى والدعم والفاعلية. فسواء نجحت المفاوضات، وفي نظري هذا هو المحتمل باعتماد قبول الحل المطبوخ المرتقب من لدن إسرائيل والسلطة وعرب الاعتدال والغرب، أم لم تنجح بمعايير حماس وباقي الفصائل وعرب الممانعة والمعارضين من مواطني أنظمة الاعتدال، سواء نجحت أم لم تنجح فالمفاوضات ونتائجها المعروفة إثارتها للجدل والواضحة هزالتها وضبابيتها مُسبقا، ستبعث الروح مجدّدا في القضية الفلسطينية، وستعيدها إلى الواجهة، وستميط اللثام عن وجه الاعتدال القبيح من حيث قبح وذلّ النتائج التي يدعو الأمةَ إلى ابتلاعها، إذ يجب ألاّ ننسى أن بموافقتها على مفاوضات بشروط الصهاينة، تكون أنظمة الاعتدال العربية قد خطت خطوة خطيرة قد تندم عليها.
فبينما كانت تضع رجلا هنا وأخرى هناك على الأقل لمن كانت تنطلي عليه صدقية مواقفها، صارت أنظمة الاعتدال العربية مكشوفة، بعد أن وجدت نفسها مضطرة إلى تسريع وتيرة ‘الاستسلام بالتقسيط المريح’ الذي بدأ من زمان، ولكل من تلك الأنظمة مبرراته ومغانمه من المشاركة في ‘استواء الطبخة المستعجلة’، فلنظام مصرَ التوريث أو على الأقل ضمان سلامة عملية تمرير السلطة، ولنظام الأردن ضمان ضد بعبع توطين الفلسطينيين وخلاص من الوصاية على الأماكن المقدسة التي لم يقو أبدا عليها، ولنظام السعودية ضمان تفرُّغ الجــــميع غربا وعربا وصهاينة لمواجهــــــة الـــــخطر الإيراني، ولغيرهم ما فضل من فتات مائدة اللئام تلك.’ كاتب مغربي