العراق: كل تغيير مقبل وانتم على سطو مسلح

حجم الخط
0

سعيد بوخليط الصورة المؤثثة باستمرار للعالم العربي، تلك التي رسمته قابعا تحت مسامير حذاء عسكري ضخم يجثم على روح الجميع. طبعا التفسير الوحيد الذي تشع به نحو الأفئدة والأذهان حالة القمع المهولة المسوغة لمصير المواطن العربي، وتعتقله في وقائعه ومشاعره وأحلامه وآهاته وأزمنته الماضية والمستقبلية. لكن الفضائيات، ستنحت أيضا صورة ثانية تعكس مسيرة سفينة الموت التي تمخر عباب النزيف العربي، أقصد بذلك صورة ما وقع عليها تبئير فردة حذاء أو نعل، تناقلتها المحطات الإخبارية عبر العالم، بعد حادثة موت غير قابلة حتى للحكي، التهمت ما يكفي من الحرث والنسل، جراء قصف أمريكي دموي أو تفجير انتحاري طائفي، ثم يبقى الشاهد. تحترق الجثت الآدمية وتتفحم وترش بالأسيد، كأنها بقايا لحم حامل لفيروس فتاك. لكن، فجأة ومن قلب المحرقة تتسرب قطعة جلدية أو بلاستيكية، كي تشي بالجريمة وتصنفها ضمن سجلات التواريخ السوداء. الضمير الإنساني لا ينسى قط، وهو يمرن ذاته على الوخز كي يدوم لا نهائيا.

يتضخم حيز فردة الحذاء إلى أن تكتسي الرؤى قاطبة، تبتلع كيان بلد بأكمله. لذا، فما العراق اليوم؟ إنه مقبرة بشرية متحركة، تخبر عن عتبتها كومة أحذية متناثرة موت، ثم موت، فموت، هي أمريكا إذن.. كوكب من الدم، ولادة قيصرية، ومجيء إلى هذا العالم خطأ. ورطنا كولومبوس وإن بغير قصد. لن تصير عالما جديدا، بل رب أمريكا ولا خير من ميعاد واحد. تتنفس دما، وتقتات دما، وبين الدم والدم حكاية أمريكية ما. لا يوجد شعب فوق هذه الأرض، لم تستحم أمريكا بدمه.

قبل 20 آذار/مارس 2003، أشعلت أمريكا حد الاحتراق أسطورة رجل اسمه صدام حسين وجيشه ومخابراته ومدافعه وجواسيسه، فأضحى نظامه فوبيا حقيقية، يقض مضجع الغرب ولا ينام من هوله العرب، تنمو في بلده الرؤوس النووية كالفطريات، سيجمع الخليجيون ويلقي بهم جميعا في حظيرة للدواب كي يختفوا إلى الأبد، وسيصبح امبراطورا لكل المستضعفين. أما الإسرائيليون، فسيطحنهم ويصنع من تلوثهم لحما وشحما للأسود والفهود التي تزأر غضبا داخل قصور ابنه عدي..!. انطلت شهب النزوات الهوليوودية على أهل ‘ الحكمة’ العربية، أو في حقيقة الأمر استغبوا عمدا أنفسهم للانتهاء شر نهاية، من ‘الولد الشقي’ الذي أتعبهم كثيرا بتنطعه وهواجسه وهلوساته وعجرفته، بينما إخوته العرب قد استكانوا إلى حياة صغيرة جدا. استبشر الإخوة بأمريكا، وتبادلوا التهاني فرحين. فأمريكا هي الثورة ولا حزن مع أمريكا. أرسلها الرب في طريق صحراء العرب رحمة بهم، بعد أجيال طويلة من الجور والظلم والتنكيل بالناس من قبل أنظمة سياسية تعيش تماما خارج دورة التاريخ. إذن، أمريكا ستلقي بهؤلاء الأوغاد في البحر، وتولي علينا من يخافنا لأنه يخافها.

مرت سبع سنوات، لم يتم تنصيب تمثال الحرية وسط بغداد ولا في مقاطعة من مقاطعاتها. كل ما حدث، أن أمريكا حسب التعبير المصري ‘خربتها وجلست على تلها’ أو كما نقول نحن المغاربة ‘ لا حمار ولا جوج فرانك’. هكذا، باسم التحرير الأمريكي، اختفى من ذاكرتنا وإلى الأبد، ما كان يسمى بالجمهورية العراقية، بحضارتها الموغلة في القدم وعلومها وآدابها وذكائها وجمالها، وأحلوا محلها ببساطة حفرة من حفر جهنم. لم يعد من مسلك لمعرفة هذا السابق عراقا متمدنا، وحاليا عراق التعتيم والعماء والظلامية والعقائدية القاتلة والعصبية والطائفية والشرذمة والجماعة والأقلية والقبيلة والعشيرة والزمرة، غير ما يحدده انبعاث حذاء هنا أو هناك. ما من شك، في استبطان الجغرافية لمعانيها بالتاريخ، بيد أن مدى العراق الأمريكي قد أخل بقاعدة كهذه، وتقطعت أوصاله إربا إربا ثم طويت صفحته إلى غير رجعة، بتنكيل من التاريخ الأمريكي اللقيط الذي تلبسه عاصفة من الجنون، تفوق هول إعصار كاترينا زمجرة وعنفا، كلما تعثرت تقارير ملفات استخباراته، بين نتوءات فطنة وبهاء شعوب غنية شديد الغنى بدواخلها.

أما، عن الإعلان الأمريكي الرسمي، بشروع وحدات جيشه في التراجع، فقد رسخ من جهة بشكل لا رجعة فيه، ثابت القوة وكذا النشل بين شعوب العالم المعاصر، بالتالي لا منظمة للأمم ولا مؤسسات دولية، ولاهم يحزنون. ثانيا، يعيد إحياء عناصر القضية بناء على متوالية لغوية تجمع بين السفسطة والتوليد اللغوي التائه: دخلوا؟ خرجوا؟ ولماذا دخلوا؟ وكيف لهم أن يخرجوا؟ وحين يخرجون متى سيدخلونها ثانية؟ وأين وكيف؟ هل الخريطة ذاتها، كما أرادها صقور المحافظين الجدد، بمعنى العراق وسورية وإيران ثم يسقط تباعا ما تبقى كأوراق الخريف؟ أم تغيرت الخطة؟ خاصة، أن استسهال المداخل، وسوء التقدير كما فضحه النموذج العراقي، لن يراكم مزيدا من الفوضى الخلاقة، بل سيسرع لا محالة أكثر من ذي قبل في انهيار أمريكا. مع ذلك، أي شركة للتأمين؟ سيطرق بابها أصلاء العرب، قصد المطالبة باستعادة العراق وتعويضهم عن ‘الهولدوب’ Hold-up الذي جرى ذات واضحة نهار. لقد تصدعت، الأرض إلى نصفين وابتلعت هذا البلد.

من بوسعه حاليا، مع أحلك ظلمات كوابيسه، مجرد التفكير بأنه وطأ شبرا من العراق، وهو الذي كان سابقا قبلة لتجار الذهب والباحثين عن الغنائم. أمريكا، التي اقتحمت وتراجعت بجرة خطاب من طرف بوش ثم أوباما الذي كلف نفسه عناء التشدق بحزمة متواليات لغوية أبدى من خلالها افتخاره بعساكره وتضحياتهم الجسيمة، ثم كفى الله العراقيين شر القتال. وكل تغيير مقبل، وأنتم على سطو مسلح!

لم يُترك فقط مصير العراق إلى أنياب الذئاب كما جاء على لسان طارق عزيز، لكن خاصة فصيلة نادرة جدا من الضباع، لأنه ما تبت أن وجدت حركة سياسية لبلد مقاوم، بهذا الفقد لأدنى شعور بالانتماء للوطن والذود عنه، كما هي حال الذين فضلوا امتطاء ظهر الدبابات الأمريكية للتبشير بالعهد الديمقراطي، وتثبيت أسس تجربة سياسية مغايرة لما أرساه صدام حسين. بيد، أن الأخير على الأقل، أظهر وطنية صلبة، حتى آخر رمق من حياته. وأرسى دعائم بلد علماني يسمو على كل عفن طائفي. إذن، سواء المالكي أو علاوي وكذا مرجعيات عمائم الشيعة، كل فريق منهم يخدم أجندة أجنبية أو طائفية، لذا كان حتميا استعصاء الإعلان عن اسم الوزير الأول، بعد مرور ستة أشهر على إجراء الانتخابات. وتبين للجميع، أنه لا قيمة تذكر لإرادة الناخب العراقي، الذي أضحت قيمته من قيمة هندسات حذائه، المرتهن بمزاج المحاصصة الطائفية والبحث عن مراكز الوجاهة والثراء، وتحاشي ساسته للمواقع التي تكثر مسؤولياتها ويقل مردودها.

العراقيون، كانوا على شفا هاوية، فسقطوا في أضعاف أضعافها، ربما يترحمون داخل قيرورة أنفسهم، على الرغم من كل شيء على أيام الماضي. لقد أظهرت لهم الخديعة الأمريكية، الجنان الفيحاء وسط مستنقعات للتماسيح.

ونحن نقلب بعض جذور المشكل، يجدر بحق أن نصرخ بهستيرية في وجه أنفسنا قبل العالم، ما جدوى استعادة الكويت وتضييع العراق؟ إننا يتامى بدون العراق. ‘ كاتب مغربي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية