إبقاء عرس الحرية الإنسانية وشهداء ‘مرمرة’ أحياء في الذاكرة

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل أحرار سفن قافلة الحرية كرَّسوا في ملحمة الحادي والثلاثين من أيار/مايو بحقٍّ مفهوم أن الحرية مطلب كوني، وأن الإنسان غالٍ يستحق أن يدافع عنه عندما يضطهد بصرف النظر عن ثقافته ودينه ولغته وبِشرته. وأن الذين يعتقدون أنهم مسؤولون عن مصلحة الإنسان (كالمجتمع الدولي) ومجلس الأمن الدولي والقانون الدولي وما شابه قد فشلوا تاريخيا وأخلاقيا في تنفيذ تعهداتهم بأن لا يحدث للإنسان (هولوكوست) آخر نتيجة سيطرة المذهب السياسي المكيافيلي. وعليه فإن هؤلاء ليسوا جديرين بقيادة العالم. وإن من الخطأ أن يُظنَّ أن الحادي والثلاثين من أيار/مايو قد تم تجاوزه أو أنه قد انتهى وبات في عداد الموات من الأخبار والأحداث وأن تكرار الحديث عنه لا يجدي نفعا ويعد اجترارا كلاميا. نحن نعتقد أن هذا اليوم (ولا أقول ذلك اليوم) ليس ماضيا بل حاضر بقوة في الذهن ولا ينبغي له أن يُنسى في المستقبل وأن إعادة الحديث عنه وإبقاءه حيا في الذاكرة الإنسانية أمر مهم لأنه حدث جيو إنساني متجاوز لحدود الإقليمية والإثنية والمعتقد الديني. حدثت هولوكوستات كثيرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. رأينا الأبرياء يُذبحون في فيتنام ولاوس والكوريتين وفي رواندا، حيث مذابح الهوتو والتوتسي، وحاليا في فلسطين ومؤخرا في العراق والسيناريو نفسه مستمر في أفغانستان. إن الشهداء الأتراك التسعة ورفقاءهم من إنسانيي العالم كانوا يحاولون استرداد بعض كرامة الإنسان المهدرة في غزة بسبب سلبية (المجتمع الدولي) المحابي (لإسرائيل). ولأن (إسرائيل) العنصرية الصهيونية أو (شعب الله المختار) كما يحبون أن يصوروا أو يسوِّقوا أنفسهم، تقع خارج مُصطلح القاموس الإنساني اغتالتهم (إسرائيل) بدم بارد وبضوء أخضر (غير مباشر ربما) من الغرب المسيَّر من قبل الصهيونية المُتَشَريِنَةِ كأخطبوط السرطان بإيباكها وردهاتها أو لوبياتها. ليس فحسبُ في حاضنتها الرئيسة أو its foster mother ونعني طبعاً الولايات المتحدة (الصهيونية) أو الأمريكية وحاضناتها الأخريات دول الاتحاد (الصهيوني) أو الأوروبي (بنسب متفاوتة) فهذا أمرٌ معلوم من السياسة بالضرورة. غير أنَّ الغريب هو مشاركة الأشقاء في حصار وظلم أهل غزة. وما الاستقبالات الحارة والمتعاقبة لمجرمي الحرب الصهاينة الفاشستيين في بعض البلاد العربية بالضحكات والابتسامات (العربية) وبالقُبل والأحضان (من وراء حجاب) لاسيما من بعد واقعة الحادي والثلاثين من أيار/مايو التركية من قبل بعض الحكومات العربية إلا تأكيد على تكَرُّسِ ظلم ذوي القربى. وما التنسيق الأمني بين سلطة رام الله والأمن الصهيوني والاعتقالات التي يقوم بها الأمنان للفلسطينيين إلا دليلٌ على تعطيل المشروع الفلسطيني الوطني من الداخل. فالصهيونية كما أثبتنا سابقا يمكن أن تكون حالة ذهنية. وأشد آخر المواقف العاكسة لهذا المعنى إدانة (سلام فياض) لعملية الخليل. إنَّ عجز البعض عن الفعل وحتى رد الفعل أسقط ورقة التوت الأخيرة التي بالكاد كانت تغطي عوراتهم وأحرجهم أمام الفعل التركي مما جعلهم يتشفون بالمصاب التركي وينسقون مع العدو لإحراج تركيا وإبعادها عن الشرق الأوسط وفلسطين وغزة والأقصى والقدس بالغطاءات تلو الغطاءات وبأطواق النجاة لإنقاذ (إسرائيل) سبب وجودهم السلطوي والغارقة في دماء شهداء ‘مرمرة’ الأبرار، وآخرها الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مذلة أخرى لا جدوى من ورائها، وبالتالي الاستماتة في تجاوز واقعة ‘مرمرة’ وأرشفتها. ورحم الله محمد الماغوط إذ قال: ‘وطني الممدَّدُ من الخليج إلى المحيط لا أملك ثمن المنديل كي أرثيك’. ونعود ونتساءل ومن أجل ماذا اغتيل أولئك الأشاوس الأماجد؟ أليس من أجل قضية الإنسان؟ وكم شخصا يمتلك ذاكرة تؤهله لأن يتذكر أصلاً أي شيء عنهم؟ أو أن يعرف شيئاً عن حياتهم قبل أن يُستشهدوا في موقعة مرمرة في الحادي والثلاثين من أيار/مايو؟ أو كان مباليا بما كان يحدث؟ أو حاول أن يقترب سيكولوجيا من حياة من خلفوهم وراءهم يذرفون عليهم الدمع الهتون من زوجة وولد وبلد وتلد ومكتسبات حصلوا عليها بالعرق والجهد الجهيد؟ أو أن يفهم لماذا تركوا كل شيء وراءهم ظِهرياً غير نادمين ولا متحسرين؟ وركبوا البحر مقبلين غير مدبرين وامتطوا صهوة الخطر لا يلوون على شيء، واضعين أرواحهم على أكفهم من دون أن يتساءلوا ولو لهُنيهةٍ لماذا علينا نحن الأتراك أن نضحي بأرواحنا ونحارب في معركة غيرنا، وغيرنا حريص على حطام الدنيا وعلى شذراتٍ ونزرٍ يسيرٍ من جناح البعوضة مع أن الدنيا بكل تريليوناتها وبرمتها لا تساوي جناح بعوضة. ومع أن العربَ قومٌ كثيرٌ ولكنَّ كثرتهم كزبد البحر كما تنبأ بذلك نبي الإنسانية سيدنا محمد (ص) قبل أربعةَ عشرَ قرنا ونيِّف. أو كم شخصاً حاول أن يتأمل في أسماء أولئك الشهداء ذاتِ التمازج والتزاوج الهَرموني العربي التركي الإنساني الرائع؟ إزاء قضية عادلة آمنوا بها تحت عنوان عام حمل شعار الحرية لغزة الصابرة المحاصَرة، ومعهم في سفينة مرمرة وبقية سفن قافلة الحرية ثلةٌ من العرب (ممن رحم الله) وعدد كبير من مسلمين ومن يهود ومسيحيين أوروبيين وأمريكيين إنسانيين، واجهوا بصدورهم وبعصي كانوا يتوكأون عليها وكانت لهم فيها مآرب أخرى، هشوا بها على أفراد الكوماندوز الصهيوني (الإسرائيلي) دفاعا عن أنفسهم، عندما اقتحموا سفينتهم عنوة ليأخذوها غَصباً. فحدثت المجزرة، ولكن.. في المنطق المكيافيللي الأمريكي الغربي والسلطوي العربي (غالباً الرسمي) فقط (إسرائيل) من حقها الدفاع عن نفسها حتى لو لم تهاجم. أما غيرها فدفاعهم عن أنفسهم هو اعتداء على (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط) وإرهاب يمقته (المجتمع الصهيوني أو الدولي) لا كبير فرق. فالمجتمع الدولي والقانون الدولي ومجلــــس الأمن الدولي ودوله دائمة العضــــوية ما هي إلا دمى تحرك خيوطها الصهيونية بمخـــــتلِف صورها على مسرح الدُّمى الدولي لجهة (إسرائيل) وتفوقها (انظر مثلاً مرجع Mark Weber ‘نظرة على قوة اللوبي اليــهودي في أمريكا’ وكتاب ديفيد ديوك Jewish Supremicism وكتاب اللوبي الإسرائيلي في توجيه السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لوولت وميرشيمار وكتاب جيمي كارتر فلسطين: سلام وليس فصلاً عنصرياً وكتاب كلينتون لبيل كلينتون). فمن أولئك الشهداء الأبرار؟ أو ليس من حقهم علينا أن نؤبنهم من غير أن نحتاج إلى مناسبة. أمَّا Ibrahim Bilgen السياسي المرشح لعمادة مدينة سرت التركية فقد كان أول الشهداء ولم يشفع له أمام الفظاعة الصهيونية المعتادة أنه كان يحمل فوق ظهره كاهل إحدى وستين سنة، وباستشهاده حاز قصَبَ السَّبق إلى عِمادة الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وتلاه Cetin Topcuoglu ذو الثلاث والخمسين سنة. وهو أحد أهم أبطال تركيا في رياضة التاكواندو ومدربها الوطني. وباستشهاده حقق أعلى نقاطه وحصل بكل جدارة واستحقاق على حزام تاكواندو آخَر يلتف حول خصره عزة وشرفاً وكرامة. والعريس الثالث الذي زفته تركيا إلى جنان الخلد شهيداً في حفل العرس الاستشهادي الفريد من نوعه كان طالب المدرسة الثانوية Furqan Dogan ذا التسعة عشر ربيعاً. وقد بلغ حنق الصهاينة عليه حداً أنهم قتلوه بأربع رصاصات في رأسه وبرصاصتين في صدره وعلى مسافة قصيرة، وبذلك يكون قد حصل على أربع شهادات متتالية بعدد الرصاصات الأربع أفضل من شهادات الدنيا. وبالمناسبة الطريقة التي قُتل بها (فُرقان) تعبِّر عن إحباط الصهاينة من فشل رهان رئيسهم شيمعون بيريز مهندس محرقة قانا الأولى 1996 في جنوب لبنان وبمبنى الأمم المتحدة (؟) على أنَّ الجيل الجديد العربي والمسلم سيتقبل (إسرائيل) فإذا بفرقان التركي والإنسان والمسلم يُسقط هذا الرهان كما تم إسقاطُ المشروع الصهيوني في لبنان وغزة وكما يتساقط الآن في العراق وأفغانستان وسيسقط في رام الله قريبا إن شاء الله. والرابع كان Cengiz Akus من ميناء إسكندرون بجنوب تركيا وعمره إحدى وأربعون سنة. والشهيد الخامس الكردي التركي Ali Heyder Bengi وهو من ديار بكر وطالب بجامعة الأزهر وعمره تسعة وثلاثون عاما وهو أب لأربعة اطفال وقد قتله الأوغاد بست رصاصات واحدة منها في البطن. ولعل كل هذا الكم من الرصاص الذي تم تفريغه بكل هذا الحقد الهولوكوستي في شخص أعزل إلا من إصراره ورفاقه على كسر الحصار عن غزة، ينم عن خوف الصهاينة من ظهور كردي آخر من بعد صلاح الدين محرر القدس 1187. والشهيد السادس كان Cevdet Kilicar، وعمره ثمانية وثلاثون عاما، صحافي من مدينة Kayseri وسط تركيا. ووضع باستشهاده اللمسات الأخيرة على أحلى تقرير صحافي في حياته. والشهيد السابع Cengiz Songur ، وعمره سبع وأربعون سنةً من إزمير. والثامن Fahri Yaldiz، وعمره ثلاثة وأربعون عاماً، وهو أبٌ لأربعة أطفال، من مدينة Adiyaman بالجنوب التركي. ولأنه صاحب قضية ككل زملائه في سفينة ‘مرمــــرة’ وبقية سفن قافلة الحرية من أجلها يحيا ومن اجلها يموت صغُر فراق فلذات كبده أمام ضخامة المسوؤلية التي كان يحملها على كتفيه. وأما الشهيد التاسع فكان Necdet Yildrim ، اثنان وثلاثون عاماً، من مدينة Malatya. رحم الله شهداءنا الأتراك والثأر لدمائهم الزكية بدأت تباشيرُهُ تظهر إرهاصاته مع عملية الخليل النوعية الجسورة. ‘ كاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية