رمضان اليسر في زمن العسر

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو أما وان رمضان قد قارب على الانتهاء فان هناك ضرورة لطرح هذا السؤال: ألا يستطيع المسلمون تغيير عادات البطر والتخمة الرمضانية في حالة حلول مصائب كبرى لجزء من أوطانهم العربية والإسلامية؟ مناسبة طرح هذا السؤال هي الأحوال الكارثية التي واجهها عشرون مليونا من الباكستانيين ابان هذا الشهر الذي يدعي الكل بأنه شهر الرحمة والعطاء والزكاة، والاستغاثات والاستجداءات التي أطلقتها منظمات الإغاثة الإنسانية في كل أنحاء المعمورة، في حين كان المسلمون كعادتهم يقلبون الصوم إلى وجبات تخمة وولائم بطر طيلة الليالي الرمضانية.

لقد كان الإنسان ينتظر أن يرى هذا العام حساسية إسلامية إنسانية تجاه أهوال الجوع والعطش والعري والمرض التي كانت تعرض على شاشات التلفزيون ليلياً. كنا ننتظر فتاوى دينية، وما أكثر صدورها حول الهوامش والعبثيات، ونداءات من أعلى المسؤولين في السلطة، وما أكثر سماعها عندما تصدر الأوامر من هذه العاصمة الدولية أو تلك، فتاوى ونداءات تطالب المسلمين بأن ينقصوا ما يلتهمونه عادة بمقدار الربع مثلاً وبات عليهم أن يقدموا ذلك في الحال إلى منكوبي ذلك البلد المسلم أو غزة أو غيرهما.

لم يحدث ذلك، ولم يستفد من المناسبة الرمضانية بل ظل الناس في قسم كبير منهم يمارسون السفه إياه، فيعرضون أجسادهم للمخاطر الصحية ويعرضون أرواحهم للفقر العاطفي الإنساني ولقسوة اللامبالاة تجاه كوارث الآخرين. وكان ذلك المشهد يصل إلى قمته وتلفزيونات بلدان اليسر البترولي تعرض بين الحين والآخر ولائم هذا المسؤول أو ذاك أو كميات الأطعمة التي تجمعت في المزابل بصناديق القمامة.

المشهد برمته كان مشهداً محزناً لغياب الحساسية وعندما يتباعد الدين، بكل طقوسه وممارساته، عن الحساسية الإنسانية يصبح الدين لغواً فردياً لا قيمة له في الواقع. فغياب الحساسية هو صنو لوجود رذيلة القسوة. والقرآن الكريم حذر المسلمين من أن يكونوا كالذين قست قلوبهم، إذ عند ذاك يكونون من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. وكان الإنسان ينتظر من منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون أكثر حساسية لمأساة المسلمين من هيئة الأمم المتحدة، لكن يظهر أن فهمها للقرآن هو غير فهمنا، وإلا فلم صوت هيئة الأمم كان يلعلع وكان صوتها خافتاً في مسرح الهبة الدولية لعشرين مليونا من مسلمي باكستان؟ يستطيع الإنسان ان يتفهم عجزها في السياسة ولكن لا يمكن أن يقبل قلة حيلتها في الإغاثة الإنسانية.

دعنا، كمواطنين عرب ندير وجهنا نحو أمتنا ونطرح هذا السؤال: إلى متى سيظل فهمنا للأمور مشوهاً وسطحياً؟ فالإيديولوجية الدينية نتعامل مع هوامشها وغيبياتها الأسطورية، ونظرة واحدة إلى شاشات المحطات التلفزيونية الفضائية كافية لإبراز ألف مثل على بلادات ذلك التعامل. والقومية العربية التي طرحت كهوية عروبية وكطريق لوحدة الأمة ما لبثت أن دخلت في دهاليز الإيديولوجيات الفرعية السياسية والاقتصادية حتى أفرغت المشاعر القومية الموحدة، من وهج العفوية والبساطة والسمو. والتعددية الفقهية، والتي أريد لها أن تكون رحمة للعباد، فهمت على أنها تحزب طائفي يقود إلى الصراعات والحروب والعيش في التاريخ على حساب الحاضر والمستقبل. نعم إلى متى نظل نشوه ونسطح ونرسل إلى المتاهات والضياع كل أساسي وجميل في حياة هذه الأمة؟

من هذا المنطلق يبدو عدم قدرتنا على فهم الالتحام الرباني بين الشعائر وبين واقع الحياة وصخبها. من بلادات ذلك الفهم يبدو الغياب الشبه كامل لتجييش مجتمعي عربي دائم لمساعدة منكوبي الإحتلال الأمريكي للعراق ومنكوبي الحصار الصهيوني البربري لغزة ومنكوبي الصمود البطولي في الجنوب اللبناني وضحايا الفيضانات في باكستان وغيرها من نكبات. وهذا بالذات في بلدان البترول العربية.

هذا التناقض الفاضح بين بذخ وسفه رفاهية الغنى العربي والفقر المدقع الذي ينخر مجتمعاته، بين الكوارث الطبيعية والبشرية التي تواجه الكثير من بلدان العرب والمسلمين وبين استرخاء الحياة في المجتمعات إبان تلك الكوارث بين التجزئة والاستبداد والإحتلال التي تعيشها الأمة والتفرج واللامبالاة وغياب الالتزام التي تتعامل بها الأمة… هنا التناقضات تكاد تصبح سمة من سمات الحياة العربية عبر القرون الطويلة.

بالنسبة للعرب لا جواب على كل ذلك إلا المشروع النهضوي الشامل العربي الذي يقبع في الأدراج ويحتاج للتفعيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية