د. معمر فيصل خولي يعد مطلب تغيير الدستور التركي الذي وضع عام 1982 على خلفية الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال كنعان ايفرن في 12-9-1980، وهو الانقلاب الثالث في تاريخ الجمهورية التركية التي تأسست في 29-10-1923، في سلم أولويات اهتمامات حكومة العدالة والتنمية التي وصلت الى السلطة عام 2002. فمنذ وصولها انبرت في اجراء تعديلات على ذلك الدستور الذي أطلق يد المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا، فقد ألغت حكومة العدالة والتنمية عقوبة الاعدام، ومحاكم أمن الدولة وألغت حق رئاسة الأركان العامة بتسمية عضو مجلس التعليم العالي، وضمان حرية الصحافة، ومنحت الأفضلية للاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الانسان على التشريعات الداخلية، وزادت تأثير المجلس الوطني التركي الكبير(البرلمان) على ميزانية الدولة، كما خفضت السن التي تؤهل الترشيح له من 30 عاما الى 25 عاما، وخفضت ولايته من خمس سنوات الى اربع سنوات، وخفضت ولاية فترة رئيس الجمهورية من سبع سنوات الى خمس سنوات، وان يتم انتخابه من قبل الشعب عن طريق الاقتراع العام بالأكثرية المطلقة. ولعل أهم ما قامت به حكومة العدالة والتنمية في مجال التعديلات، تلك التعديلات التي طالت المؤسسة العسكرية العلمانية المتشددة، فقبلها كان لها وضع شديد الخصوصية، ففي جميع الدول تكون رئاسة الأركان العامة للجيش تابعة لوزارة الدفاع وتتم جميع التعيينات والترقيات والإحالة للتقاعد أو الفصل من الجيش من قبل هذه الوزارة، إلا أن المؤسسة العسكرية التركية – التي يرأسها رئيس الأركان- لا ترتبط بوزارة الدفاع، بل برئيس الوزراء وذلك من الناحية الشكلية فقط، وواقع الحال أنها مؤسسة قائمة بذاتها تماما وتقوم باتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالجيش من دون أن يكون لوزير الدفاع أو لرئيس الوزراء أي سلطة، والقادة الفاعلون هم أعضاء هيئة الأركان التي تضم قادة أقسام الجيش البرية والجوية والبحرية والشرطة العسكرية. أما الجهاز الذي يسيطرون على كل شيء من خلاله، فهو مجلس الأمن القومي الذي يجتمع مرة كل شهر برئاسة رئيس الجمهورية وحضور أعضاء مدنيين وعسكريين. تنبثق عن مجلس الأمن القومي أمانة عامة تضم 700 موظف وتتكون هذه الأمانة من الأمين العام برتبة جنرال يعينه رئيس الأركان العامة، ثم مساعد المستشارين الرئيسيين ثم المستشارين الاعتياديين ثم مديري الدوائر وأخيرا الخبراء في مختلف الاختصاصات. هذا المجلس يقوم بتوجيه جميع الهيئات الدستورية، وله حق جمع المعلومات من جميع الدوائر الرسمية وله صلاحية تنفيذية ورقابية على جميع الهيئات بتطبيق وتنفيذ المصالح العليا للدولة حسب رأيه هو طبعا. اما بعد التعديلات فقامت الحكومة بإلغاء الصفة التنفيذية والرقابية لمجلس الامن القومي وأمانته وأعطت له صفة استشارية فقط، كما سحبت من رئيس الاركان العامة صلاحية تعيين الامين العام للمجلس، ونقلت هذه الصلاحيات الى رئيس الوزراء والى رئيس الجمهورية والشيء المهم هنا سحب صلاحية تدخل هذا المجلس في الهيئات والمؤسسات المختلفة والوزارات وحصر عمله ومهمته في إطار تقديم الاستشارة الى الحكومة التي لها مطلق الحرية في الاخذ أو عدم الأخذ بها. وعليه، لم يعد هناك شرط في أن يكون الأمين العام للمجلس شخصا عسكريا (وقد تم تعيين مدني ولأول مرة للأمانة العامة لمجلس الأمن القومي بتاريخ 17-8-2004)، وبهذا تكون مهام مجلس الأمن القومي استشارية، على غرار بعض المجالس الموجودة في بعض الدول الغربية، كمجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومجلس الدفاع الأعلى في فرنسا، فهي تقدم المعلومات والاستشارات للحكومة في الشؤون الدفاعية والسياسية والخارجية، ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا في سير عمل الحكومة أو تفرض رأيها أو تدبر الانقلابات عسكرية أو اسقاط الحكومة. وشملت التعديلات أيضا قيام لجان من المجلس الوطني التركي الكبير (البرلمان)، ووزارة المالية بمراجعة نفقات المؤسسة العسكرية وهو ما لم يكن مسموحا به من قبل مع بقاء فقرات سرية تعتبر من أسرار الدولة، كما نصت التعديلات على قيام مجلس الأمن القومي بعقد اجتماعاته كل شهرين بدلا من كل شهر. وقد ساهمت تلك التعديلات بالمنجزات الداخلية والخارجية التي حقتتها حكومة العدالة والتنمية وليست تلك نهاية المطاف، فالشعب التركي على موعد مع استفتاء شعبي في الثاني عشر من الشهر الجاري، لإبداء رأيه بالتعديلات الدستورية الجديدة. ومن أبرز تلك التعديلات إعادة تشكيل بنية المحكمة الدستورية العليا ومجلس القضاء الاعلى، إذ سيتم رفع عدد اعضاء الاولى من 11 عضوا الى 17 عضوا، أما الثانية فسيرفع اعضاؤها من 7 أعضاء الى 21 عضوا، وسيتم اختيار أعضاء الاولى والثانية من قبل البرلمان ورئيس الجمهورية بدلا من تعيينهم من قبل المؤسسة العسكرية، ومحاكمة العسكريين بمن فيهم رئيس الاركان وقادة صنوف القوات المسلحة امام المحاكم المدنية، وعدم محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية الا في حالات الحرب، وتعزيز الحقوق السياسية للمرأة من خلال إقرار مبدأ التمييز الايجابي لها، وتخفيف القيود على حق الاضراب كشكل من أشكال الحقوق الاقتصادية. وأخيرا تشكيل محاكم خاصة بالأحداث واستثناؤهم من تهم الارهاب والجريمة المنظمة. فالاستفتاء الذي سوف تشهده تركيا سيضعها امام خيارين، الأول، في حال قيام القوى المعارضة الرافضة للتعديلات، وهي حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وحزب السلام الديمقراطي، وبعض الاتحادات العمالية، وبعض دوائر الاعلام، وكذلك بعض رجال الاعمال، ومؤسسة التعليم العالي وأخيرا المؤسسة العسكرية، في دفع المواطنين الى التصويت ضدها ومن ثم إفشالها، فذلك يعني احباط توجه تركيا نحو فرض حكم القانون المدني، وابقاء سيطرة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية فيها.
أما الخيار الثاني، ففي حال نجاح حزب العدالة والتنمية ومن يتحالف معه من الجماعات اليمينية، وبعض الاتحادات العمالية، واليسار الليبرالي، من اقرار تلك التعديلات، فإن ذلك يعد انتصارا لبرنامج حكومة حزب العدالة والتنمية التي استطاعت منذ توليها السلطة أن تحول التيار الاسلامي العام من مسار ‘سياسات الهوية’ الى ‘سياسات خدمات’، بمعنى أنه فكك تقيد البرامج الاسلامية السابقة ونقلها الى المسائل السياسية والاجتماعية والخدماتية والاقتصادية. مقصدها من ذلك الى اصلاح المجتمع وليس الى أسلمة الدولة، وهي القضية التي تثار من قبل خصومها. ذلك الاصلاح الذي سيمهد في المستقبل الى تأسيس الجمهورية التركية الجديدة، ومن أهم معالمها طابعها المدني، بحيث تحظى مؤسساتها السياسية والقانونية بالشرعية الدستورية التي تمكنها من أداء مهامها بكل فعالية، ورفض العلمانية ‘الأصولية’ التي لا مثيل لها في العالم، كايديولوجية جامدة متصلبة أصبحت في مقام العقيدة السياسية، فهي تتبنى سياسة شرسة ضد القيم الدينية والتقليدية ولا تتسامح معها، تخيل دولة كانت مقر الخلافة الاسلامية يحرم على مواطنيها النطق بالبسملة في المؤسسات الرسمية، وكتابتها في الخطابات الحكومية، وتأسيس علمانية منفتحة وأكثر إنسانية، تقبل بالتعددية والتسامح مع قيم الاخرين وخاصة قيم التيار الاسلامي، والتحرر من هينمة القبضة العسكرية، بمعنى أن يكون هدف الجيش حماية الدولة من الاعتداءات الخارجية، ويكون تابعا لها وليس متحكما فيها كالحالة التركية، كل ذلك من شأنه أن يخلق مجتمعا مدنيا قويا، منسجما مع دولته. ان تركيا مع حكومة العدالة والتنمية شهدت وتشهد عصرا جديدا من التأثير الأقليمي والدولي، لدولة تتجدد شكلا ومضمونا، وتلك سمة الحكومة أو الحكومات التي تستجيب للنهوض وتسعى للحركة. وما نتيجة استفتاء يوم الأحد الـــقادم الا اختبار حقيقي لتركيا، إما أن تكون على خطى الديمقراطية الحقيقية والحكم الرشيد وتعزيز حقوق الانسان أو تأجيل ذلك.’ باحث عربي