عناية جابر
الآن بصدد الكتابة عن هؤلاء الأطفال الذين يجرفهم الطين. هل كفّ العالم إذن عن مدّ يد المساعدة للأطفال؟ أجل. حتى لو بدا ذلك غريباً، يبدو أن العالم كفّ منذ وقت طويل عن مدّ يد المساعدة لأحد. أطفالً وغير أطفال. كان يفعل ذلك في ما مضى، الآن لا.
حدث أنني، والفيضان يُغرقهم، مددت يدي الى أقربهم الى كنبتي حيث أسترخي وأشاهد نشرة الأخبار، لمّا بدأت راحتها بالتعرّق. لكن الفتى الذي أمسك يدي بذلك القدر من اليأس(أنا نفسي ألاحظ هذياني) لم يجرؤ على إفلاتها. إحتفظنا إذن، طوال فترة نشرة الأخبار، بيدينا الممسكتين ببعضهما جيداً، المُبتلتين برطوبة ساخنة، ولم نفلتاهما إلآ حين انقطعت الكهرباء فجأة. مع ذلك، تخيّلت أنني قدرت على سحب الفتى الباكستاني من الطين، وربما دفعني إحساس غامض بالعدالة، بالشعور باليقين بأنني أنقذته فعلاً، وبأنه في بيتي الآن، في غرفة نوم أبنائي يغطّ في نوم لذيذ.
إنها لحظة رائعة، تلك التي رفعتُ فيها الفتى من الماء والطين، وسحبته عبر الشاشة الصغيرة (كان ناحلاً جداً ويمكنه العبور من خرم الإبرة) من دون حتى أن تتهشّم الشاشة أو يندلق الطين على أرضية غرفتي. فعلت الشيء الوحيد الذي لم أفكرّ ثانية واحدة في فعل سواه. بحركة رشيقة ومرنة إنتشلته كما لو أُفرد مروحة ملوّنة في الهواء. تلك لحظة رائعة، اللحظة التي استقّر فيها الفتى في حضني. خلال جزء من الثانية، ومن المحاولة الأولى، وجدت جسده وقد استراح تماماً الى تجاويف حضني، اللحظة الأكثر كمالاً وتماماً. كنت في البداية راغبة في سماع نشرة الأخبار فحسب، وإذا الكاميرا تطوف على وجوه الأطفال الغرقى، وفي حركة منيّ لم أتوقعها أنا نفسي، كان أقربهم إليّ قد ارتفع مثل أثر من برق واندفن في صدري. إستفاقت الحركة التي لم أُهيىء لها، لكي تقول بدلاً منيّ ما لم أتمكن من قوله. لم تكن حركتي الفطنة تتوافق مع امرأة ناحلة وتعبة مثلي، ولكن ما جعلني أضطرب هو أن هذه الحركة (المُتخيّلة بالطبع) كانت بمتناول جميع الذين كانوا يشاهدون نشرة الأخبار تلك الساعة، كما كنت أشاهدها تماماً، وليست ملكيتي الخاصة إطلاقاً، ولو أن كل واحد من المشاهدين مثلي مدّ يده وأنقذ طفلاً في مجرد حدود السلوك الجسدي، لكان بإمكاننا إنقاذ الكثير من الأطفال. هل يعني ذلك بأن قلوب العالم خلت من الإحساس؟ لا، ليس لهذا الأمر شأن بالقلوب. أصلاً، لا احد يصدّق أن بوسعنا مدّ أيدينا الى الشاشة، وبحركة لا غير يُنقذ طفلا.
الأطفال يغرقون بعيداً، في باكستان وفي غيرها، بعيداً جداً، وما هذه سوى شاشة تلفزيون وخلفها لا يوجد فيضانات ولا غرقى، بل مجرد أسلاك كهربائية دقيقة، والحال أن لكرمي في تلك الحركة، خلفية سلبية لاعلاقة لها بعاطفتي أو بشفقتي، بل كل ما في الأمر أن يدي كفّت منذ زمن طويل عن مدّ راحتها حتى لمصافحة أحد، وفي النهاية هؤلاء الأطفال غرباء عنيّ، وبعيدون ومن المستحيل إنقاذهم، وتلك كانت مجرد حركة تصدّقت بها على جسدي لكي أتأكد من أنه ما زال حياً، ولم يغرق بدوره مع سائر الغرقى، لم يمت.
الإنفصال عن الجنس البشري؟ نعم، إنها سمة الراهن على كل حال، وهناك تلك الحركة التي انتزعتني من ذلك الإنفصال: اليد الممدودة لطفل يغرق. أسمع صوت تنفّس عميق في حضني. نام الطفل. من جديد أعيد ترتيب المشهد من أوّله. من هذا الطفل؟ أصغيت له يهذي في نومه، وتبين لي أنني لا أفهم شيئاً من لغته. أفكرّ بأن هناك اتفاقاً بين مشاعر الناس التي ماتت، وبين هذه اللغة غير المفهومة. qpt