بين التحرير والتطبيع

حجم الخط
0

خليل قانصو لعل السمة الغالبة في هذا الزمان للأوضاع السائدة في المجتمعات والكيانات العربية، او ما تبقى منها نتيجة لما بها من عِلات، هي الأحكام والإدانات الجائرة والمتطرفة والنهائية التي تولـد عداوة داخلية لا تقــل كيدا، أو قل لا تختلف على الإطلاق، عن عداوة تتهدد من الخارج، يضمرها الطامعون والمستعمرون. وقصدا للاقتضاب، يمكن القول ان الإنسان العربي العادي بات مضطرا لأن يسلك طريقا ضيقة، إن حاد عنها نحو اليمين، اتهم بالارهاب، او نحو اليسار اتهم بالكفر. والمفارقة هي أن هذه الطريق لا تـُفضي بالسائر عليها إلى مكان، وإن حثّ الخطى انعقر وأنهكه التعب، وان قعد داسته الجموع.

وجملة القول ان ‘الإرهابي’ مصيره القتل أو الحبس في أحد سجون المستعمرين. وهذه على أنواع، بحسب ما يـُراد فـِعله ‘بالإرهابي’. التهمة بالإرهاب تنطوي على نزع الإنسانية عن المتهم، ليتحول إلى كائن حيواني صالح لان تـُجرى عليه التجارب المخبرية. يختلف المطلوب من سجن غوانتنامو إلى سجن أبو غريب وما يماثله في فلسطين المحتلة. وهناك أيضا سجون سرية في أوروبا الغربية وفي القواعد العسكرية الامريكية وعلى متن الطائرات وعلى ظهر البوارج، وبالإضافة إلى هذا كله يلزم التذكير بأن الولايات المتحدة الامريكية أوكلت إلى بعض الأنظمة العربية مهمة استجواب وتعذيب ‘الإرهابي العربي’. ولكن من المحتمل ان تكون الغاية من اشراك أنظمة الحكم العربية في تعذيب ‘الإرهابي العربي’ هي نزع الإنسانية، ايضا، عن الرجال الذين يتجندون في خدمتها ليصيروا بالممارسة، وحوشا مفترسة ضد أبناء جلدتهم. وليس حظ المتهم ‘بالكفر’ أفضل من حظ المتهم ‘ بالإرهاب’. وما بالك بالمقاوم الذي توجه إليه التهمتان معا. و’الكفر’ بمنظور السلطة العربية جرثومة سياسية، من شأنها أن توقظ الوعي وتثير المساءلة والاعتراض، وهذه كلها دلالات على رفض الاستئثار بالحكم ومطالبة بحق الفرد بإبداء رأيه والمشاركة في اختيار النهج المناسب لصالح الجمـع الذي هو فرد من أفراده. لذا تعمد السلطة إلى علاج أثرها، ومنع انتشارها وعدواها. وللكفر مدلول ديني، أي ان السلطة تستعير مصطلحا دينيا وتستخدمه للدفاع عن امتيازاتها من دون أن تملك ‘شرعية دينية’. والغريب أيضا أنها لا تتردد أحيانا بمعاقبة ‘الكافرين بنهجها’ استنادا إلى أحكام النص الديني نفسه بخصوص العقاب الذي ينتظر الكافرين، ولكن ليس في هذه الدنيا، فتتولى ‘الأجهزة الأمنية ‘ أمرهم حرقا أو تـُقطــِّع أجسادهم أو تنفيهم. ووضعا للأمور في نصابها الصحيح، إن الغزو والاحتلال هما وجهان من أوجه الاستعمار البغيض، الذي لا ينظر بعين الرضى إلى نهوض مقاومة ضده ويلجأ إلى جميع الوسائل من إجل إجهاضها وتفكيكها وتشويه صورتها أمام الرأي العام المحلي والدولي. يقول دبلوماسي أمريكي ان بلاده صرفت 500 مليون دولار في لبنان للتحريض ضد حزب الله. كيف صرفت ومن قبضها؟ هكذا يختلق المستعمر المبررات للأعمال الإجرامية التي ترتكبها قواته أثناء المواجهات بينها وبين عناصر المقاومة، فهو لا يتورع، بطبيعته، عن انتهاك الأعراف والقوانين والقيم. هذا ليس بحاجة للإطالة، فلقد خبرته الشعوب العربية، في جميع الأقطار. وأكاد أن أقول انه من الطبيعي، أن يصف المستعمرون المقاومين والمناضلين بالإرهاب. مثلما يصفهم هؤلاء بدورهم، بالإرهاب أيضا. التناقض تام وشامل، ليس بين هذين الجانبين وحسب، ولكن بين أنصارهما أيضا. فمن يقبل بأن تـُنعت المقاومة بالإرهاب، كأنه يـسقط صفة الإرهاب عن المحتلين والمستعمرين. ‘الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم’من البديهي، أن كل أشكال المقاومة هي، في رأي المستعمرين، إرهاب. كما ان كل شعب يتوصل في النهاية، وفي أغلب الأحيان، إلى ايجاد الوسيلة الملائمة التي تمكنه من تحرير نفسه وأرضه، كالرجوع إلى ثقافته ليعيد تكوين القاسم المشترك الجمعي او الوطني، تأسيسا عليها، فيكون هذا المشترك كالنهج الذي يتعاهد الجميع على سلوكه، مهما كلـف ذلك من تضحيات، بمعنى أوضح ليست مقاومة المستعمر والمحتل موضوعا للنقاش، خارج اطار الجمع الوطني. علما بأن ديمومة الشعب ووجوده يفرضان عليه، ليس الخيار بين المقاومة وعدمها، وانما البحث في كيفية تصعيد مقاومته وزيادة فعاليتها، لكي يقتنع المستعمرون بأنه يرفضهم ولن يقبل العيش، أبدا، في ظل سيطرتهم ومن دون استرجاع كامل حقوقه. ليس للمستعمـِر أو لحلفائه وأعوانه أن يضعوا شروط واساليب المقاومة ‘المقبولة’. فالكلام الذي يقال في هذه المسألة والحملات التي تـُنظم قدحا بالأفكار والعادات والعقائد لا تخرج جميعها عن كونها دعاية مغرضة وخداعا وافتراء. لقد اعترف رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، بنفسه أنه كذب وأوهم واختلق الذرائع لتدمير العراق من أجل تدعيم أمن اسرائيل. لماذا لا يحق للمقاومين من أجل الدفاع عن شعبهم، دعوة هذا الشعب للرجوع إلى التراث وإلى التعاليم الدينية، لإقناع الناس بأن من واجبهم الوقوف بوجه الظلم والذود عن الأمة والوطن؟ ينجم عنه، أن المسألة في جوهرها، هي الاستعمار وعدوانه وليست المقاومة وشكلها وأساليبها. فلولا الاحتلال والقهر لما كانت هناك حاجة للمقاومة ولا للبحث عن أنجع السبل لتجنيد الناس في صفوفها واستنفارهم إلى قتال الغزاة والغاصبين. ولما أغلقت المدارس أبوابها وتوقف الصُنْع والزرعُ. إن ما حملني على هذه المداورة، هي التحركات والمناورات التي تنشط، من آونة إلى أخرى لمحاصرة بؤر المقاومة في لبنان وفلسطين ومعاودة الانقضاض عليها مرة بعد مرة، إذ يجب ألا يغيب عن الذهن أن في قطاع غزة المحاصر، حيث توجد أعلى كثافة سكانية على الكلم الواحد، في العالم، يتعرض السكان المليون ونصف المليون، بصورة متقطعة لقصف جوي ومدفعي يكاد أن يكون يوميا. ولكن ما يهمني هنا، ليس الاعتداءات التي يشنها الإسرائيليون على أناس أبوا أن يستسلموا ويـُذعنوا لهم، رغم أنهم يتحـكمون في مصادر مائهم وقوتهم ودوائهم ويمنعون عنهم الضوء، ويملكون أحدث العتاد العسكري والأكثر فتكا. فما انا بصدده، هو العداوة التي تعترض المقاومة، في الداخل، فضلا عن الخطط التي ترسمها الأنظمة العربية للإيقاع بها، وكأن هناك استراتيجية رسمية عربية ثابتة، رغم تراكم التجارب وتلاحق الخيبات والهـزائم هدفها توفير الظروف حتى يظهر المعتدون الإسرائيليون كما لو كانوا في موقع الدفاع عن النفس، كان التطبيع دائما منذ سنة 1921، هو الشغل الشاغل وليس التحرير!

وبالرجوع إلى لبنان وفيه المرآة التي تتكشف على صفحتها عوارض الأمراض ومقادير الاضطرابات، التي تعتري المجتمعات والكيانات العربية، نجد أن المقاومة قاتلت وحدها في الجنوب اللبناني ضد القوات الإسرائيلية المحتلة إلى أن أجبرتها سنة 2000، على الانسحاب من دون قيد أو شرط، ولكن التضحيات الهائلة التي بذلها المقاومون وسكان الجنوب عامة لم تمنع سنة 2004، أي بعد مضي سنة على احتلال العراق، بروز تكتل للمعارضة بقوة على الساحة اللبنانية. وسرعان ما تبيـّن أن الولايات المتحدة الامريكية هي التي تحركـه. والدليل على ذلك هو اصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1559، الذي يمنح هذا المجلس بموجبه، لنفسه حق الرقابة على شؤون لبنان الداخلية وعلى علاقاته بسورية، إذ ورد في نصه مطلب بسحب القوات السورية من لبنان وآخر بنزع سلاح المقاومة. ومنذ تاريخ صدور هذا القرار في تشرين الأول/اكتوبر 2004، تتوالى الهزائز والارتجاجات على الساحة اللبنانية للنيل من المقاومة. بدءا باغتيال السيد رفيق الحريري سنة 2005، الذي قلب المعادلات فتمكنت المعارضة من استلام السلطة، وفتحت ابواب لبنان على مصاريعها ‘للمحكمة الدولية’، ثم وقع العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/يوليو 2006، تحت غطاء قرار مجلس الأمن 1559 وبحجة المساعدة في تنفيذ بنوده، فتصدت المقاومة للقوات الإسرائيلية ببسالة، وأذاقت الإسرائيليين، ولو بدرجة أقل، شيئا من مرارة القصف والقلق التي كانت في السابق من نصيب العرب وحدهم. وقفت الحكومة اللبنانية، أثناء هذا العدوان تتفرج إلى جانب النظامين المصري والسعودي. تكرر نفس المشهد في مطلع العام 2009، أثناء العدوان على قطاع غزة، عندما وقفت سلطة جماعة رام الله تتفرج هي ايضا إلى جانب كـُفلائها في مصر والسعودية. تدخـّل مجلس الأمن من جديد بمناسبة حرب تموز/يوليو على لبنان، واصدر القرار 1701، الذي جعل بموجبه المنطقة اللبنانية الواقعة بين نهر الليطاني من جهة وبين الحدود الفلسطينية من جهة ثانية خاضعة لرقابة قوات دولية كثيرة العديد، مجهزة بالسلاح الثقيل وتدعمها بوارج القوى الغربية في عرض البحر. كأنها أنزلت لمهمة قتالية وما كادت المقاومة اللبنانية تلتقط أنفاسها وتضمد جراحها وجراح جماهيرها، بعد حرب تموز/يوليو 2006، حتى فاجأتها الحكومة اللبنانية بقرار مصادرة شبكة اتصالاتها الأرضية، بحجة أنها غير شرعية وأنها تمثل مسا بهيبة الدولة، واستدعت قادة المقاومة للمثول أمام القضاء، فردت المقاومة بانتفاضة مسلحة في 7 أيار/مايو 2008، جعلت الحكومة تتراجع عن قرارها المذكور. كان هذا قبل أن يعرف الناس أن عملاء اسرائيل هم على رأس شبكات الاتصال ‘الشرعية’ في لبنان. وما أن خمدت نار ايار، نتيجة التوصل إلى تسوية برعاية قطر، حتى راحت بعض الصحف في ألمانيا تنفخ فيها، عن طريق نشر أقاويل عن ضلوع حزب الله في اغتيال السيد الحريري، ثم ارتفعت ألسنة اللهب، بعد أن تبين للمعنيين أن المحكمة الدولية باتت على وشك اصدار قرار ظني، يؤكد صحة تلك الأقاويل. وكاد الحريق يقع من جديد، ولكن من المرجح أن تسوية جديدة، جمعت المقاومة وخصومها تحت رعاية سورية ـ سعودية، حالت دون حدوث كارثة أخرى. ومن غير المستبعد انه لولا هذه التسوية، لما ظلت نار الإشتباك الذي وقع في 31 آب/اغسطس 2010، ، محصورة في مسجد في منطقة بيروتية.

ينجم عنه، استنادا إلى ما تقدم من ملاحظات، أن المقاومة اللبنانية خاضت نضالا مسلحا ضد القوات الإسرائيلية التي احتلت جزءا من جنوب لبنان، إلى أن أجبرتها على إخلائه سنة 2000. ولا نجانب الصواب إذا قلنا ان نضال المقاومة من أجل التحرير توقف عند هذا التاريخ أو بالأحرى إن هذا التاريخ، يمثل انتهاء مرحلة تحرير الجنوب اللبناني من جهة وبدء مرحلة اتسمت بمطلب نزع سلاح المقاومة من جهة ثانية. من الخير أن نذكر أن هذا المطلب، لم يأت من مجلس الأمن الدولي، وبالتالي من الدول الكبرى واسرائيل فقط، وانما هو مطلب جهات لبنانية ايضا، باتت معروفة تتكفل برعايتها إلى جانب الدول الكبرى، أنظمة حكم عربية على رأسها النظامان السعودي والمصري. رغم أن هذه الجهات اللبنانية، لم تساهم على الإطلاق في مرحلة تحرير الجنوب. وبكلام أوضح، أن خصوم المقاومة وأعداءها، يشغلونها منذ سنة 2000، بالدفاع عن وجودها، ضد الحملات والمناوشات والهجمات التي تتوالى من دون هوادة. ان النتائج الملموسة، التي حققتها المقاومة في هذه المرحلة، التي أعقبت مرحلة تحرير الجنوب، هي المحافظة على سلاحها، وإفشال الهجمات التي تستهدفها، و’المحافظة’ على الخصوم، رغم البغضاء التي تفرق بينها وبينهم، والدخول في تسويات معهم لإعاقة حركتهم ومنعهم من الانضمام إلى قافلة التطبيع. ولكن التسويات لها ثمن في الداخل وآخر يطالب به الوسطاء في الخارج. فهل الثمن هو احترام زواريب الطوائف والمذاهب، وغض النظر عن الغنى الفاحش والفساد والقوانين المجحفة بحق الناس العاديين، أم أن الهدف هو منع التطبيع، أو تحسين شروطه وليس التحرير. ان القضية الوطنية الفلسطينية لن تضيع، ولكن كلما استطالت قافلة التطبيع تأجل التحرير فازدادت معيشة اللاجئين الفلسطينيين شظفا.’ كاتب لبناني[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية