الاستبداد السياسي مرة أخرى.. دمى ضيعت الحق وقهرت طالبيه

حجم الخط
0

المصطفى مرادا من البديهي المصادرة اليوم؛ أنه لا يليق لباحث حسن الاضطلاع بثورة العلوم الإنسانية وجدة مناهجها وعقلانية مفاهيمها، الادعاء بصلاحية هذا المنهج أو ذاك بشكل أحادي في مقاربة الظواهر الإنسانية، غير أننا لا نلبث نودع هذه الحقيقة الميثودولوجية على قيمتها، عندما يتعلق الأمر بتحليل قضايا العرب اليوم، بدءا من السياسة وحقوق الإنسان مرورا بالثقافة والاقتصاد، وصولا إلى قضيتنا العربية الأولى، إنها قضايا منظومة على إيقاع واحد، الاستبداد والاستبداد ثم الاستبداد، وإلا فأي وزن دبلوماسي او بالأحرى استراتيجي، سيكون لشعوب مضطهدة وأنظمة مستبدة في القضايا العربية، بما فيها قضية القدس الشريف؟ لذلك فلا عجب ان كنا في هذا أقرب إلى الكواكبي في كتابه ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’ منه إلى طه حسين أو محمد عبده وغيرهما من المصلحين، إن أردنا الاعتماد على هذه المرجعية النهضوية، لمعطيات تاريخية نحسبها شواهد على صحة هذا الانحياز المنهجي، معطيات كانت أيام الكواكبي وما فتئت تعود بشكل أبدي على الساحة العربية، فمن الاستعمار مرورا بالنكبة والنكسة وحتى التراجيديا الفلسطينية الأخيرة بغزة، الانفصال نفسه بين الشعوب العربية وأنظمتهم، فإذا كان هذا المعطى على فداحته في دول الاستعارة والكناية؛ ‘جزائر المليون شهيد’ و’تونس الخضراء’ و’الجماهيرية’ و’أم الدنيا’ و’الشام’ وغيرها بمثابة الحقيقة التي لا ترتفع إلا بملك الموت، فإن المهزلة الكبرى يجسدها الوضع الداخلي الفلسطيني تحديدا، فرحم الله درويش ‘ما أكبر الفكرة وما أصغر الدولة’. ولنفترض جدلا أن الكيان الصهيوني قَبِل بالحق الفلسطيني في دولة مستقلة، ومهما كانت حدودها الجغرافية، فإن المشكل الرئيسي الذي ستواجهه هذه الدولة هو أنها ستعيد إنتاج الجمهوريات الملكية المتكاثرة فيما يعرف بدول الطوق، والنتيجة هي أن الشعب الفلسطيني سيكون له سجن كنعاني بدل العبري، و’كلاهما في النارِ حطبُ’ بتعبير الرائع درويش، ولنفترض جدلا دوما، مادام اليقين في السياسة لدى العرب عملة مفقودة، لنفترض أن مصر المحروسة فتحت معابر رفح قبل أو إبان العدوان الصهيوني على غزة تحت إي مبرر، ألن تعود القوى الكبرى لطرح مسألة غياب الديمقراطية في نظام مبارك تماما كما فعلوا مع صدام؟ ألن تعاد قضية الأقباط إلى الواجهة من جديد؟ وهذان الافتراضان يدلان على شيء واحد، هو أن الاستبداد السياسي يجعل الأنظمة العربية ضعيفة في تدبير قضاياها المصيرية، لأنه يعطي للقوى الكبرى ورقة ضغط لفرض هذا الحل أو ذاك، أما وهذه الأنظمة حريصة على استبدادها وخاضعة للإملاءات الخارجية حرصا على استبدادها، فإنها ستغدو في عرف قوى الاستكبار العالمي ‘قوى معتدلة’ و’دولا حليفة’ إلى غير ذلك.. ، في حين أنها دمى ضيعت الحق وقهرت طالبيه. وإذا كان البعض اليوم يحلو لهم أن يبشروا ‘بصلاح الدين الأسود’ القادم إلى البيت الأبيض، وتقديمه على أنه نهاية سياسة الكيل بمكيالين الشهيرة أمريكيا، فإنهم بهذا يفوتون على أنفسهم هذه اللحظة التاريخية، للبدء بالتفكير التاريخي والعقلاني في إشكالات السياسة والحكم، وما يرتبط بهما من شخصيات مفاهيمية، كالحق والقانون والمؤسسات والسلوك المدني وسواها، فإذا كان ديدن الشعوب العربية اليوم هو أن تكون قضاياها في منأى عن تقلبات مصالح السياسة الأمريكية، فإن هذا يمر عبر طريق واحد، إنه تشريح الاستبداد السياسي الذي يكتم أنفاسها منذ قرون، والبدء بمسيرة التنوير، وما يستتبع هذه المسيرة من رهانات لعل أهمها تأسيس الأنظمة السياسية على مشروعية شعبية ووطنية… وهذه هي أم القضايا في الساحة العربية اليوم، أما الغطرسة الصهيونية والانحياز الأمريكي والصمت الأوروبي فهي أعراض ستزول في اعتقادنا بزوال الاستبداد.

فقد سبق للأستاذ عبد الله العروي في كتابه ‘الايديولوجية العربية المعاصرة’، وهو الكتاب الذي ظهر مباشرة بعد النكسة، أن نبه جموع المصدومين من هول الحدث، إلى أن العدو هزمنا بتكتيكه الحربي وأيضا بديمقراطيته، وهذا التحليل في نظرنا يصدق اليوم أيضا في النكسات المتوالية على ساحتنا العربية، وإلا فما الذي منع أنظمة عربية تعد من أغنى الدول عالميا، لها وزن حقيقي في الاقتصاد العالمي، من أن تضغط لوقف نزيف غزة قبل اندلاعه؟ لماذا ضغط عقيد ليبيا على سويسرا نفطيا لوقف محاكمة ابنه هنيبعل، وضغطت الدولة الوهابية على بريطانيا تجاريا، لوقف التحقيق في صفقة اليمامة التي تورط فيها كبار رجالاتها، ولم يحاولوا حتى عندما تعلق الأمر بمصير شعب أعزل؟ لماذا ضغطوا هناك ولم يضغطوا هنا؟ إن هذه الأسئلة على بداهتها تقود في نظرنا الى جواب واحد، وهو ‘درء المفسدة التي ستنجم عن هذا’، وهي الضغط عليها هي أيضا في ملفات سوداء أولها الاستبداد وما يرتبط به من انتهاك لحقوق الإنسان، وهي ملفات للأنظمة العربية السابقة الذكر عراقة لا تضاهيها إلا عراقة الأمم الأخرى في الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن ما يعزز التحليل القائل بفشل مشاريع النهضة العربية، هو استمرار نفس الإشكالية اليوم، بل وازدياد وطأة هذا الالتباس، ولعل من أهم مظاهره، ما سبق لنا الاستهلال به في هذا القول، مع إضافة هي أن الأنظمة العربية أضحت رمزا للعراقة في الاستبداد، ولأن المكر صفة ملازمة للتاريخ، حسبما صرح به هيغل، فإن هذا يستلزم أن تكون العراقة في الاستبداد جوهرا مميزا لنا عن العالمين، وتكون العراقة في الديمقراطية جوهرا مميزا للعالمين عنا، وبين العراقتين عوالم متناظرة بلغة المناطقة، عالم ديمقراطي حديث، يصحح مساراته في السياسة والحكم والقيم باستمرار، في أفق عالم أكثر انفتاحا على الوضع البشري، وعالم متخلف بنيويا، تعشش فيه كائنات مستبدة وفاسدة ورجعية، تستمد مبرر وجودها من شعارات أفيونية، تسمي الاستبداد خصوصية حضارية، والانقلاب العسكري ثورة جماهيرية، وتوريث الجمهورية استمرارا في الحركة التصحيحية… إنهما عالمان متناظران، تناظرا لا تردمه الحلول التوفيقية وأنصاف الحلول وأشباهها، وهذا مما ينبغي للناظر في أمور سياستنا في العالم العربي الانطلاق منه على سبيل المصادرة، أي حين يفصل بين فكر وسياسة عالم الهُناك وبين فكر وسياسة عالم الهُنا، هناك الإنسان والعقل والتاريخ، وهنا المستبد والمستبد والمستبد. الاستبداد العربي وأسسه العابرة للأزمنة:

قد يفاجأ البعض عند مرادفتنا، أثناء التقديم، الفكر السياسي السلطاني أو الملوكي، بالفكر السياسي ‘لميكيافلي’، غير أن أهم القيم العقلية أو العِبَر عند ابن خلدون، والمستخلصة من تاريخ الأنظمة الاستبدادية والموسومة باعتمادها الحديد والنار في تشييد صرحها، والحفاظ على بيضة وحدتها، تلك التي تؤكد، أن لا فرق بين مستبد وآخر، اللهم إلا من حيث المرجع الذي يستند إليها في بناء مشروعية سيادته، أي بين المستبد الذي يستمد مشروعية سيادته من الدين بصفته خليفة لله في الأرض، ‘يد الله التي تعطي ما أعطاه الله وتنزع ما نزع الله’، وفق ما روي عن عبد الملك بن مروان، ولنا في التاريخ الإسلامي شواهد أخرى تغني السائلين وتريح الحائرين في أمر نقاء سريرة ‘خلفاء الله’، والمستبد الآخر الذي يستمد مشروعيته من ‘نقاء عرقه’، وهذا ما حرصت عليه دول استبدادية أخرى لا تقل سطوة وشدة على رعاياها، وهذا ما استطاع العلامة ابن خلدون التفصيل فيه على نحو منهجي نادر، وسماه ‘عصبية’. هكذا تتعدد أشكال الاستبداد وأزمنته وأمكنته، لكن يبقى الاستبداد هو نفسه، ومع أن الجمع بين المشروعيتين، غالبا ما كان الأفضل لدى الخلفاء والأمراء، إذ عملت أغلب الدول الاستبدادية على المزج بين عنصر العرق وعنصر الحق الإلهي، كنسبة الدولة الأموية لأمية، أحد أشراف قريش، ونسبة العباسيين للعباس عم الرسول (ص)، فكان ما كان من أمر تاريخنا السياسي غير العظيم، من حرق للأرض وسبي للنساء وقطع للنسل وتقويض للعمران، ومع أن ‘العرب هم أبعد الأمم عن سياسة الحكم والملك وآدابهما’، حسب ابن خلدون في ‘المقدمة’، لأنهم الأكثر بداوة وخشونة في الطباع، فإن الحاكم العربي الوسطوي لم يجد بدا من الانفتاح على علم السياسة عند غير العرب، فكان الهوس بالفكر السياسي الفارسي، (أنظر العقل السياسي العربي- محدداته وتجلياته/ محمد عابد الجابري/ ركز دراسات الوحدة العربية /طبعة 2000)، حيث لم يتردد الأمير العربي في تكسير حدود ملته ومذهبه وآداب ثقافته، حرصا منه على حفظ سطوته وترسيخ قواعد نظامه؛ فبعد أن استقر كرسي الخلافة للأمويين بعد الاحتكام/المقلب، سارعوا إلى الاستفادة من سياسية وحكم كسرى الفرس، ‘الذي يتوجب تقبيل يده والسجود له، وعدم مقاطعته أو معارضته، والذي يورث خلافته بين آل بيته، وبذلك بدأ ما سيعرف بآداب السلطان والاحترام الواجب في حقه، ونفس الهوس بالفكر السياسي للآخر المخالف في الملة، تكرر عند العباسيين مع الفكر الفارسي أو الكسروي، وخاصة ‘أردشير’ وهذا ما قصده الأستاذ الجابري بالعبارة ‘لم يدفنوا بعد أباهم أردشير’، التي ختم بها كتاب ‘نقد العقل السياسي العربي’. إن نفس الهوس بالفكر السياسي الاستبدادي للآخر المخالف لنا في الملة والتعود، تكرر على نحو غريب في العصر الحالي عندما سارع الحاكم العربي ‘للدولة الوطنية’ إلى تطبيق تعاليم ميكيافلي في كتاب ‘الأمير’، لتجنب ثورات شعوبهم، وسبل حكم مماليكهم وأقاليمهم، (خاصة الأبواب من 1 إلى 6 من الكتاب)، وكذا ما ينبغي أن يهتم به الحاكم من سلوكيات كسبا للشهرة وانفرادا بالمجد، وما ينبغي أن يتجنبه من قيم أخلاقية مضرة بحكمه، تجنبا لانقلاب الطامعين والمتملقين على حكمه (الأبواب من 15 إلى 23). هكذا يقع الاتصال بين مستبد الماضي ومستبد الحاضر، مع ثوابت أساسية، أولها أن الفكر السياسي المستفاد منه كان مخالفا في الملة، وثانيا الحاكم العربي لا ينفتح إلا على ما يزكي مركزيته وحقه، لا حق شعبه، وهذا ما يحيل إلى السؤال/القفل في هذا الموضوع وهو: لماذا لا يجد الحاكم العربي على غرار أسلافه، منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا، غضاضة في الانفتاح على آداب وفكر الاستبداد لدى الآخر المخالف لنا في الملة والتاريخ، بينما لا يتردد في التشبث في حبل ‘المحافظة’ وشماعة ‘الخصوصية’، عندما يتعلق الأمر بفكر التنوير والتحرر لدى هذا الآخر؟ وبلغة أخرى، لماذا استهوانا البارحة ‘أردشير’ الفارسي، واليوم يستهوينا ‘ميكيافلي’ الأوروبي، بينما يزعجنا فكر وسياسة ‘الأنوار’ الكوني؟ إن أهمية هذا النوع من الأسئلة الإشكالية التي يطرحها الفكر السياسي العربي المتنور اليوم، تشير إلى مسألة أساسية، وهي أن النزوع الطبيعي للمُلك والتملك والسطوة، والموجود على نحو صميمي لدى البشر، يدفع بعضهم في الغالب الأعم إلى تشييد أغشية دوغمائية مغلقة تزكي حقهم/ رغبتهم في التفرد بالسطوة والتملك، وهي أغشية تنتج عن عمليات انتقاء مستمرة من المشترك الهوياتي، (دين/مذهب/عرق/ثقافة)، لجمع الناس المنتشين بتميز هويتهم، وتخديرهم للدفاع المحموم عن هذا الحق الأحادي، لذلك يتخذ خطابهم أبعادا تجييشية وشعبوية، تستهدف استمالة وجدانات الناس، والاستفادة من الاستعداد الفطري الموجود عند عامتهم، للاندفاع وتجسيد أحلام هؤلاء النازعين للسطوة، معتقدين بذلك أن أحلام المبايَع هي أحلام مشتركة، لذلك تتخذ كل المشاريع السياسية التي تستند الى اندفاع عامة الناس، أشكالا رومانسية على المستوى النظري، وأشكالا دموية وتخريبية هائلة على المستوى العملي، مادام الدافع لدى هؤلاء العامة، دافعا وجدانيا خالصا، لكن عندما تتقوى شوكة هؤلاء الطامعين في التسلط والتملك، ويشتد عودهم، ويوقنون من ألا تكون فوق أيديهم يد قاهرة، فإنهم لا يترددون في تكسير حدود مبادئ ملتهم ومذاهبهم، لاستعباد الرعية والضرب على أيديهم، واستباحة أموالهم وهذه هي أحوال الاستبداد ‘كصفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، والتي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققَين’ (أنظر كتاب ‘طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد’/ الكواكبي ص 7)، فإذا ثبت إذن أن المستبد العربي وفي المقولات السياسة والحكم كما هي عند أسلافه من المستبدين في كل الأزمنة والأمكنة، وإذا ثبت في التاريخ أن لكل نبأ مستقرا، أفلا يجدر بالجماهير العربية ونخبتها المثقفة ومناضليها الملتزمين، وهم في عمق انفصالهم عن أنصاف الآلهة الذين يحكمونهم، أن يتدبروا أخبار وسيرة من يعاصرهم من الأمم، لاستخراج العبر، عِبَر أن الدولة تصون الدولة بالشعب وليس من الشعب، وأن الدولة تصون القانون بطبيعته المنفتحة على الوضع البشري، وهي بهذا تجعل من كرامة المواطن قيمة مطلقة تتعالى عن أي استعمال.. إن دولة بهذه الطبيعة لا يمكنها إلا ان تحقق الحسنيين، حسنى الانفتاح على الفرد بكل شروطه البشرية القبلية، تعزيزا لقيم المواطنة والعدالة والمساواة وغيرها، وحسنى الانفتاح على الكوني في فكر الآخر، تعزيزا لقيم التعايش والتسامح والاختلاف، ومن شأن هذا الانجاز التاريخي أن يغير جذريا الأشكال الاستسلامية والسياسوية التي تحكم الأنظمة العربية مع قضايا الأمة المصيرية، فالشعوب المضطهدة والأنظمة المستبدة والأحزاب الديماغوجية والفعاليات المدنية الشعبوية، لن تقدم أي شيء لقضايانا، اللهم إلا الغوغائية في الاحتجاج والمساومة بالكراسي في التفاوض، وتلفيق الحقائق في التحليل.. وهذه لعمري هي صورة طبق الأصل عن راهننا، أما مستقبلنا فيبدأ بالخروج من كهف الأشباح هذا، بتعبير أفلاطون؛ وكم هو مؤلم أن نشرع في الخروج من الكهف.’ باحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية