فيما يصرح مالكوها بانها ‘منبر لتوجهات المجتمع العربي بعاداته وتقاليده’: قناة عربية تبث فيلماً احدى شخصياته تشتم نبي الإسلام

حجم الخط
0

د. عادل عزام سقف الحيط

عرضت قناة إم بي سي ماكس فيلماً بعنوان ‘مذكرات بريدجت جونس’ Bridget Jones’s Diary يوم الأحد الموافق 5 أيلول/سبتمبر 2010، وأعادت قناة إم بي سي أكشن عرضه في اليوم التالي. وقد جاء اختيار الفيلم في إطار حملة تشويه الذات العربية وتغريب الجيل الصاعد، ليس لأن مضمونه يناهض قيم مجتمعنا العربي فحسب، ولكن لأنه يحتوي على مشاهد سينمائية تمجد الكاتب المتشيطن ‘سلمان رشدي’. الفيلم رومانسي هزلي وقصته مأخوذة عن رواية لهيلين فيلدينج (1996) وتوزعه الشركة المنتجة Miramax Films تتمحور أحداث الفيلم الذي أُنتج عام (2001) وأخرجته شارون ماغواير Sharon Maguire حول فتاة إنكليزية في ثلاثينيات العمر تعيش في لندن وتمر بتجارب عاطفية واجتماعية وعملية فريدة، تتخللها الكثير من المفارقات، إلى أن تقرر كتابة مذكراتها والتحكم بحياتها. وتؤدي الممثلةRen’e Zellweger دور تلك الفتاة، واسمها في الفيلم ‘بريدج’ ويناديها أصدقاؤها أحياناً ‘جونس’. ويشير السرد الدرامي إلى أنها فشلت في علاقتها بعشيقها الأول، وقررت استدراج مديرها في العمل، فأغوته بملابسها المثيرة، وحاولت استثمار أنوثتها وتلقائيتها للتعويض عن ارتباكها في مواجهة الجمهور وعدم لباقتها الاجتماعية. ولا يستطيع المشاهد العربي التعاطف مع أي من شخصيات الفيلم، ليس لفكرة العلاقات العاطفية خارج نطاق العائلة، ولكن لكثرة مواقف الخيانات؛ فأحد أبطاله مدير شركة النشر العابث ‘دانيال’ Hugh Grant الذي استدرج زوجة زميل دراسته إلى علاقة غير شرعية، وتسبب في فراقهما، وبدأ علاقة عاطفية مع موظفته ‘المثيرة’ بريدج، بدون أن يخبرها أنه مرتبط بفتاة أمريكية يواعدها بقصد الزواج، ولاحقاً ترك الفتاة الأمريكية وحاول العودة لبريدج، غير أنها رفضت الارتباط به، على الرغم من ثرائه ووسامته، لأنه كذاب ومتبجّح. أما العشيق الآخر فهو المحامي الملتزم ‘مارك’ ويؤدي دوره الممثل Colin Firth الذي تركته بريدج ابتداء، فاتخذ مديرة أعماله خليلة له، ثم عاد إليها، لكنه صدم مما كتبته في مذكراتها حول شخصيته ومشاعرها تجاهه. ولأن أحداث الفيلم تتخذ من الخيانات الزوجية والعلائقية مادتها، فيُظهر لنا المخرج مشاهد مبتذلة لوالد بريدج بلباس قس مسيحي يحاول في إحدى الحفلات اختلاس أي علاقة بنساء، وفق نصيحة ابنته، علّها تنسيه خسارته الاجتماعية، فزوجته مدعوة لنفس الحفل بصحبة عشيقها الذي خبرت معه ‘تجارب جنسية جديدة’ أَثرت أحاسيسها كما قالت؛ ولاحقاً تُنهي علاقتها بالعشيق لتعود إلى أحضان الزوج الذي يسامحها، بعد الفراق الطويل، بدون عتاب، ويكملان حياتهما كأن شيئاً لم يكن.

وإن كان ذلك هو غاية الأمر لما كتبت هذه المقالة، فالفضائيات العربية تزخر بالمجون العشوائي، لكن ما أغضبني حقاً هو ظهور بريدج في حفل تكريم الكاتب سلمان رشدي، ضمن سيناريو خبيث، وفي الفيلم يجسّد رشدي شخصيته نفسها، فتثني بريدج على مؤلفاته وفكره أمام الحضور، والمشاهدين العرب بالطبع. ورشدي كما تعلمون كاتب روائي، هندي ومسلم الأصل، بريطاني الجنسية، اختار طريق الشهرة بتأليف كتابه ‘آيات شيطانية’ (1988) ادعى فيه أن رسول المسلمين محمداً ‘ماهوند’ حرّف القرآن بإضافة آيات تبرر وجود ثلاثة آلهة اعتادت قريش تقديسها؛ كما أساء إلى زوجات الرسول واتهمهن في شرفهن، حين ذكر في روايته وجود دار للدعارة في مدينة الجاهلية ‘مكة’ وكان في دار الدعارة هذه إثنتا عشرة امرأة وكانت أسماؤهن مطابقة لأسماء زوجات الرسول، كما طعن في صحابة الرسول، وخصّ بالذكر بلال الحبشي الذي أساء له عرقياً، وكذلك الملائكة، وبشكل خاص جبريل. وقد أثارت الرواية، ودعم الحكومة البريطانية لرشدي، موجة غضب عارمة في كل العالم الإسلامي، وأبرزت صراع الثقافات والأديان، بعد أن كان الاعتقاد أن الحروب الاستعمارية، ودعم الغرب للأنظمة العربية الفاسدة، يعود لأسباب جيوسياسية واقتصادية فحسب.

وفي عام (1989) أصدر آية الله الخميني فتوى بهدر دم كاتب الرواية، وتلت الفتوى موجة كبيرة من التهديدات والهجمات المسلّحة على أصحاب دور الطباعة والترجمة والنشر والعرض، الذين تعاملوا مع الرواية، ومنذ ذاك الوقت عاش رشدي متوارياً عن الأنظار والحياة العامة مدة عشر سنوات، تاركاً من دعموه فريسة لغضب من أساء إليهم. وفي نهاية عام (1990) خرج رشدي باعتذار رسمي لكل المسلمين في العالم، وفي عام (1998) أوقفت إيران الفتوى ضده وأعادت العلاقات الدبلوماسية بين حكومتها والحكومة البريطانية. وفي عام (2007) منحت ملكة بريطانيا رشدي لقب ‘فارس’ مما أثار غضب المسلمين، خاصة لارتباط تلك المرحلة بالرسومات الدنماركية المسيئة لرسول الحرية محمد صلى الله عليه وسلم، وفيلم فتنة الهولندي، وغيرها من التداعيات والمؤامرات المستمرة حتى أيامنا هذه.

أما الكاتب والفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي فلم يحظ بنفس الاهتمام لدعم حقه في ‘حرية الرأي والتعبير’، بل حوكم عام (1998) بسبب تناول كتابه ‘الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية’ لمناقشة حقيقة وقوع الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية، وقد غُرّم جارودي آنذاك مبلغ 20 ألف دولار، بموجب القانون الفرنسي ‘فابيوس جيسو’الذي أُقر عام (1990) والذي يمنع إجراء الأبحاث أو نشر الكتب والمؤلفات التي تنكر وقوع الهلوكوست، وصولاً إلى حمل المؤرخين على التسليم به كعقيدة راسخة. ونُفّذ عدد من الهجمات والاعتداءات المسلحة على ناشرين ومكتبات تبنت مؤلفاته، وبالطّبع لم تَنشُر أي صحيفة فرنسية أي مقال أو تحقيق أو كاريكاتير يؤيّد حرية جارودي في التعبير عن رأيه ويدين ‘الإرهاب الفكري’. قناة (MBC MAX) هي إحدى قنوات مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) وهي شركة تلفازية سعودية خاصة يمتلكها رجل الأعمال وليد بن إبراهيم الإبراهيم، وتقوم ببث قنوات تلفزيونية ترفيهية وإخبارية منوعة، بدون اشتراط اشتراكات مدفوعة، منذ عام 1991، ومنها قناة الأفلام الأجنبية إم بي سي ماكس، وإم بي سي 2، وقناة العربية الإخبارية. وتستخدم تلك القنوات ترددات القمرين العربيين النايل سات وعربسات، ومقرها الرئيس الآن في مدينة دبي للإعلام.

وقد جاء في تعريف موسوعة الويكيبيديا للقناة أنها تمارس أشكالاً من الرقابة ضد المَشاهد ذات المضامين الجنسية المباشرة؛ مثل الممارسات الجنسية الجسدية، والقبل، والعري، وتعاطي المخدرات، وألفاظ القدح الجنسية. لكن يبدو أن مقص الرقيب الرجعي لا يمارس الرقابة على مشاهد ‘العهر الفكري’، أو أنه يتعمد نشرها مشاركة منه في حملة الإساءة للإسلام والفكر العروبي التقدمي.

ككثير من المشاهدين العرب، أتابع قناتي الأفلام الأجنبية التابعتين لمجموعة إم بي سي، وبشكل خاص الأفلام والمسلسلات المبنية على التحقيقات الجنائية والمحاكمات القضائية؛ غير أن المراقب يمكنه رصد أجندة خاصة تنفّذها تلك القنوات، ومنها أفلام ومسلسلات دعائية تهاجم العرب والمسلمين وتصورهم كما لو كانوا مهووسين بالإرهاب، وغير مبالين بحياة الناس ومشاعرهم. ماذا يجني القائمون على هذه القنوات من بث تلك المواد؟ وما سبب دعمهم الإعلامي لسلمان رشدي الذي يعتاش على مهاجمة المسلمين وشتم تاريخهم ودينهم، ويتحدث عن فساد مجتمعنا، في حين أن الصحافة البريطانية تدينه لفساده الاجتماعي (خمسة طلاقات حتى الآن) وآراء زوجاته السابقات في شخصيته النرجسية. لماذا الترويج لهذا الفيلم الخبيث الذي تعمد اختيار رشدي ضمن أحداثه؟ وما هي حقيقة ‘رسالة’ القناة التي تحدث عنها وليد إبراهيم في حفل تقليده جائزة ‘رجل الإعلام لسنة 2007’ حين صرّح بأن مجموعة إم بي سي أضحت: ‘مصدراً للإلهام، ومنبعاً للترفيه العائلي، ومنبراً تنصهر فيه توجّهات المجتمع العربي وآراؤه بحرية وانفتاح واحترام للعادات والتقاليد’. لماذا السكوت عن أباطرة الإعلام الشائن في المواقع الإخبارية والصحف، لماذا لا نقرأ غير أخبار تمجّد مسعاهم الإعلامي؟ وإلى متى يَشتري المال الولاءات والأقلام؟

إن الحض على الكراهية الدينية وقدح معتقدات المؤمنين جريمة وطنية ودولية تستوجب العقاب. كما أن الحرية لا تأتي على ظهر آليات الاحتلال ومجنزراته، ولا تمولها عائدات النفط، ولا تختبئ في عباءة الأمراء وأصحاب الألقاب، ولا يكون سقفها ‘عقال’ رجال الاعمال وسواهم؛ فالحرية قيمة إنسانية سامية، يتجادل بشأنها الفلاسفة، ويقننها المشرّعون، ويحميها المقاومون، ويخلّدها الشهداء[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية