عملت مع ممثلين محترفين لكني أفضل العمل مع السجناء!

حجم الخط
0

زينة دكاش عن تجربتها في ’12 لبناني غاضب’: بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: لم تُعرف زينة دكاش في لبنان، ولفترة طويلة، إلا كممثلة مسرحية وتلفزيونية تعمل في مجال الكوميديا، قبل أن تطلق مسرحيتها ’12 لبناني غاضب’ من داخل سجن رومية والتي لاقت اهتماما دوليا ومحليا على الصعيد الاجتماعي والاعلامي والثقافي والانساني والقضائي كذلك، وبيّنت رؤيا جدية إنسانية، متطورة، منفتحة وجهت بوصلة المسرح على فئة غير محترفة بدل احتكاره، لهدفين علاجي وفني. لكنها، وخلال فترة تدريبها للسجناء، كانت قد استحصلت على إذن قضائي بإدخال كاميرا لتصوير يوميات الإعداد للعرض والتمارين الموجبة، لتجد بين يديها في نهاية الأمر، مادة بصرية جديرة بأن توضع كفيلم وثائقي طويل حمل عنوان المسرحية نفسه ( إخراج زينة دكاش، مديرة تصوير جوسلين أبي جبرايل، مونتاج ميشال تيان وإنتاج كثارسيس)، وحاز على الجائزة الاولى وجائزة الجمهور في مهرجان دبي للأفلام ( 2009)، والجائزة الأولى في مهرجان دوكس بوكس ( 2010). وعلى هامش عرض الفيلم في صالة ميتروبوليس في بيروت، التقيناها وكان لنا معها هذا الحوار. * ما هي الخلفية التي دفعت بزينة دكاش إلى العمل في مشروع العلاج بالدراما مع نزلاء سجن رومية وتقديم العمل المسرحي؟* كنت أسعى دوما كي أغير شيئا. حال المسرح كما هو معلوم مُزر ٍ في لبنان. لكنني كنت أنظر دوما نحو فائدة المسرح وما الذي يستطيع تقديمه للناس. فهو ليس كالسينما، السينما تملك هدفا ما تهبه للمشاهدين، أما هدف المسرح فكان أمرا يؤرقني واواصل العمل للبحث على إجابات بشأنه. كنت أعرف أن هناك ما هو أبعد من المسرح وما نستطيع تقديمه ضمن كادر المسرح نفسه لكنني لم أكن لألقى إجابات عن أسئلتي قبل ذهابي إلى لندن استتباعا لدراستي. هناك تعرفت بفيليب غولييه الذي كان أستاذا رائعا ومسرحيا مسنا وذا خبرة واسعة. آمن غولييه بأن على الممثل الحقيقي أن يمتلك شيئا ليقدمه للناس من خلال ادائه، فلم يقتصر الامر عنده على هؤلاء الذين أتموا دراسة اكاديمية ما في الفنون المسرحية. كان يقول لنا: ‘إن كنتم لا تملكون شيئا لتقدموه، فالأجدى بكم أن تبحثوا عن شيء آخر تفعلونه.’ مع غولييه كان علينا ان نبدي اهتماما كبيرا بما نقوم به، وأن نلتفت إلى أنفسنا بعناية. كان علينا اكتشاف انفسنا، وتحديد أهدافنا. وهذا ما أفرحني. سررت فعلا بالعمل مع اشخاص اتوا لتقديم شيء ما وامتلكوا طاقات وقدرات للتواصل مع انفسهم ومع الآخرين عبر الاداء المسرحي. وبعدما أتممت دراستي هناك، عدت إلى لبنان الذي كانت قد اجتاحته موجة من الهيروين. ضرب هذا المخدر في قلب المدارس والجامعات ليرضخ عشرات اليافعين لسلطته. دفعني الامر للالتحاق بمركز ‘أم النور’ للتأهيل ضد الإدمان. قررت اختبار قدرة المسرح في العلاج من هذه الآفة. والتحقت كمتطوعة ومتفرغة ايضا. ورحنا نعمل على مسرحيات في المركز، واعتبر المشاركون وقتها أن الأمر مجرد تسلية قبل أن يدركوا فعلا أنهم يستخدمون قدراتهم التعبيرية، ويحسوا أنهم غير منبوذين أو مرفوضين من المجتمع. عززتُ دراستي للعلاج بالدراما بدراسة شخصية في علم النفس، فقد تولدت عندي حاجة لأعرف نفسي، واحاول تحليل شخصي. إلا ان هذا الامر دفعني إلى تطوير اهتمام نفسي بالآخرين ايضا. ورحت أحاول أن أستقي من المسرح في علم النفس وبالعكس، قبل ان اسمع في عام 2004 ان هناك دراسة تخصصية مستقلة وقائمة بحد ذاتها اسمها العلاج بالدراما في الولايات المتحدة، فدرست هناك بين عامي 2006-2007. وكان أن أمضيت شهرين في إيطاليا أعمل مع مخرج إيطالي في سجن فولتيرا الجميل، وهو قلعة قديمة ورائعة وواسعة كانت تضم فقط 170 سجينا لا غير. وفي عام 2006، وخلال حرب تموز (يوليو)، رحت افكر بكيفية الاستفادة من دراستي في لبنان، وكيف يمكن استثمار ما تعلمته ومارسته لتطبيقه كما ينبغي. وخلصت إلى فكرة العمل في السجون اللبنانية. وأول من تبنى المشروع كان غسان مخيبر. واجهت بالطبع بعض الصعوبات الادارية واللوجستية قبل أن أحصل على التمويل. وبعد تلقينا الموافقة من الجهات المختصة، تمكنّا من الدخول إلى سجن رومية، حيث كنا نصرخ بالميكروفونات اعلانا عن مشروع تقديم عمل مسرحي داخل السجن. لم تكن تلك الطريقة المثلى لاستقبال النزلاء الراغبين في المشاركة، فالبعض فوّت النداء إما لأنه نائم في غرفته، او لأنه في قاعة المحكمة على سبيل المثال، وقد تحدث إليّ هؤلاء فيما بعد مبدين أسفهم لعدم حصولهم على فرصة المشاركة. ثم بدأنا التمرينات بعد اختيار المرشحين لتقديم العمل المسرحي، وعملنا بصورة مكثفة ويومية. وقد وقع اختيارنا بالمقام الاول على السجناء ذوي المحكوميات الطويلة الاجل، وبعضهم محكوم بالمؤبد أو الإعدام. وكان ذلك تفاديا لتقديم تجربة مع سجناء سيغادرون السجن بعد فترة قصيرة، فالعلاج بالدراما كان عليه أن يتمدد ويؤثر في الشخص ومحيطه كذلك، لذلك أولينا اهتماما بضم من قضوا في السجن سنوات طويلة أو اولئك الذين يتوجب عليهم تمضية فترة كبيرة من حياتهم في السجن. واجهنا صعوبات مع بعض السجناء متعلقة بالالتزام والاستمرارية على سبيل المثال، إلا أنها لم تشكل عقبات كبيرة في مشروعنا. وقد لقينا تشجيعا من وزارة العدل ووزارة الداخلية. فوزارة الداخلية بعثت تهنئة خاصة لكل سجين، وبعد انتهاء عرض المسرحية أقرت وزارة العدل قانون تخفيض العقوبات الذي صدر عام 2002، وبدأ العمل بموجبه، إلا أنه لا يشمل تجار المخدرات ولا جرائم القتل او الاغتصاب، ويقتصر فقط على أولئك ذووي العقوبات الصغيرة نسبيا بمقتضى حسن سيرهم وسلوكهم داخل السجن. فمعظم المستفيدين هم أصحاب العقوبة الصغيرة من هذا القانون دون سواه. * عملت مع ممثلين متخصصين بالمسرح وعملت مع سجناء لم يقدموا عملا مسرحيا من قبل. فأيهما كان أفضلا في رأيك؟* هذا صحيح، فقد عملت مع ممثلين ‘محترفين’ بمعنى تسلحهم بالدراسة المسرحية، وتفرّغهم حياتيا وعمليا للمسرح، لكنني أفضل الممثلين من داخل السجن، وذلك لأن هؤلاء ليس لديهم ما يخسرونه، أو أنهم لا يهابون أن تخدش صورتهم. فهم اكثر حقيقية منا نحن خارج السجن، إذ نظل متعلقين بتفاصيل الحياة وديناميتها والسعي وراء تحسين صورتنا وتعزيزها. في داخل السجن، يكون السجناء عراة، يعبرون عما يختلج في نفوسهم وعما يدور في اذهانهم بصورة مباشرة، فلا يراوغون ولا يجاملون. كنت أسمع مواقف مثل ‘مش طايق المجموعة’ او ‘ما بدي اشتغل مسرح’. وهي جمل جميلة لأنها صادقة ومباشرة ولا تضيّع وقتها في مجاملات الآخر. هذا التحديد المباشر لموقفهم من العمل سواء إيجابا أو سلبا ساعدنا كثيرا في المضي قدما لإنجاز العمل المسرحي وتطوير المشروع.* ما هي الأسس التي دفعتك إلى اختيار موضوع العمل، والذي تدور احداثه في مكان مغلق ضمن أجواء الجريمة والقتل والادانة والمحلفين؟ * انتقيت النص حين عملت في مركز ام النور، وقمنا هناك بتقديمه على المسرح. لكن احساسا كان ينتابني بإمكانية العمل عليه وتطويره ووسمه بالخصوصية كذلك. وبعد قراءتنا للنص في السجن، فتحنا باب التجربة، او الكاستينغ وكان كاستينغ بالفعل، امضينا أياما ونحن نختبر الممثلين. كان الهدف ان يتمكن هؤلاء من إيصال شيء ما يمت إلى الواقع. تعلموا كيف يتسلون، ولعبوا أدوارهم بحرفة وأدوا مهماتهم بأمانة للنص ولأنفسهم، كما انهم استطاعوا الدخول إلى ذواتهم من خلال العمل، وخاصة في المشاهد التي تتطلب تأجيج حالة الغضب عند الشخصية أو الشخصية الأخرى، ومن ثم السيطرة على هذا الغضب. وحتى أن بعضهم تفاجأ بقدرته على التحكم بغضبه وأظن أن هذه إحدى المحاسن الكبرى للعمل.* في أي خانة تضع زينة فيلمها اليوم، وكيف تم العمل عليه؟ * تصوير الفيلم كان مقتصرا على فكرة الأرشفة. وانا لا استطيع تصنيف فيلمي على أنه تسجيلي أو وثائقي او روائي.. إلخ. كان لدينا هدف آخر. وغايتنا من ادخال الكاميرا كانت بحكم الجانب التقني المقتضي بتوثيق ما نقوم به من أجل تقديمه للجهات الأوروبية الداعمة لنا، كما وللصحافة والاعلام. كنا نريد فقط تصوير يوميات عملنا مع السجناء، من دون التفكير في إتمام فيلم طويل. فكّرنا بأن فيلما مدته خمس عشرة دقيقة سيكون كافيا، إلا ان ساعات التصوير الكثيرة التي انجزناها، مكّنتنا من الحصول على مادة غنية بالتفاصيل وجميلة وتستحق ما هو اكثر من فيلم دعائي. استشرنا بعض الاصدقاء المخرجين والعاملين في مجال السينما، وقد ابدى هؤلاء تشجيعهم لفكرة إنتاج فيلم طويل نظرا لخصوصية المادة التي تشكل سبقا في السجون اللبنانية تحديدا. ثم كان أن ساعدتنا السفارة الايطالية في بيروت بتقديم التمويل اللازم لإنتاج الفيلم، وهي التي تقدم لنا حتى الآن الدعم المادي والمعنوي لتجربة العلاج بالدراما داخل السجن. ونحن الآن بصدد التحضير لمسرحية ثانية بتمويل من السفارة الايطالية ومؤسسة دروسوس السويسرية. والمشروع يتطور شيئا فشيئا ليشمل نشاطات رياضية، وحرفية داخل سجن رومية والسجون الأخرى، كما واستقدام عروض مسرحية من خارج السجن وتقديمها لنزلاء السجون لمشاهدتها.* عملت مسرحيتك على استقدام جمهور خاص بالمسرح، كي لا نقول نخبوياً، أما الفيلم فاستدعى جمهورا أوسع، عامّاً، غير نخبوي، واقام تواصلا بين صناعة أخرى من الأفلام وبين جمهور غير معتاد على مشاهدة أعمال كهذه في المنزل. هذا لأن الممثلين هم من الجمهور ‘العام’، ولأننا جميعا معنيون بحقوق السجناء من منطلق إنساني، فالجرائم في كل مكان من العالم، وهي لا تتوقف واينما ذهبت تسمع بجرائم قتل واغتصاب وسرقة وتهريب واحتيال واتجار بالمخدرات وتعاطيها، أي أنها جرائم مجتمعية، تحدث داخل المجتمع نفسه، وتؤثر في نسيجه، بل وتساهم في هدم صورة فرد بالكامل، حتى لا يبقى أمامه فرصة لتعديل ملامحه امام المجتمع ثانية إن لم تتوفر له المساعدة. إنه موضوع عام نتشارك فيه جميعا، ونتحمل مسؤولية بشأنه، وحتى إن انكر البعض واجباته تجاه أناس السجون، فإن علينا مواصلة جهود التوعية، كما والاستفادة من برنامج العلاج بالدراما لتأمين الإحتكاك ما بين نزلاء السجن ومن هم خارجه. الفيلم عرض ضمن جولة محلية على المدارس والجامعات، وهو موجه لكل الناس الذين ادعوهم لمشاهدته، كما أدعو المحامين، كل المحامين والقضاة والمعنيين والأهل للمجيء ومشاهدته. فالسؤال الجوهري: هل نود أن يصبح هذا السجين بحال أفضل؟ هل نريد حمايته وتأهيله اجتماعيا؟ هل نريد فعلا ألا نشعره بالعزلة أو النبذ؟ هذا الشخص القابع في سجنه يكدس الحقد، ويراكمه لأنه يشعر بالرفض، وبالفصل عن المجتمع وتجريده من حقه الإنساني في أن يعيش ضمن بيئة متطورة. نحن لا نرفض العقاب ولكن نشجع العقاب مرفقا بسياسات التأهيل ونرى كم هو جميل ان يعترف شخص ما بجريمته او ذنبه. إنه لأمر جدير بالتقدير فعلا. لكن إلى أي مدى يمكننا تحسين هذا الوضع العام. في عام 1991 صدر امر قضائي بعفو عام عن جميع السجناء المرتبطين بجرائم مباشرة لها علاقة بالاعمال الحربية في لبنان طوال فترة الحرب، إلا أن هناك بالمقابل أشخاصاً ارتكبوا جرائم خلال فترة الحرب، أي انها جرائم حدثت بفعل الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاهرة التي كان يعيشها هؤلاء بسبب ما تفرضه الحرب من صعوبات معيشية ونفسية على الفرد. هم لا يزالون في السجون وقرار العفو العام لم يشملهم. فلماذا يعفى فلان ولا يعفى آخر؟ وهناك رجل دخل السجن عندما كان في السابعة عشر من العمر وهو لا يزال مسجونا منذ ما يفوق العشرين سنة. هذا الرجل لم يعد الشاب المراهق الذي اعتقل بتهمة ارتكاب جريمة قتل. في القانون اللبناني، إذا كان الحكم مبرما فأنت لا يحق لك مراجعة الحكم. وهناك من لا اب ولا أم او اقرباء له يراجعون حكمه أو يحاولون فعل شيء لتخفيف عقوبته. هؤلاء بحكم المعزولين فعلا. ونحن في كاثارسيس نعمل بشراكة وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة الشؤون الاجتماعية لتعميم التجربة واستمراريتها داخل سجن رومية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية