الامراض العصرية فرّخت هنا وهناك امراضا أخرى غير جنون البقر والحمى القلاعية وانفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير وطاعون الفئران، هي امراض اجتماعية لا مرئية، لكنها محسوسة وملموسة منها التوتر والقلق والارق والسهاد والجنون السلبي والغش والنفاق وطمس الحقائق والكذب، وهذه الامراض كما يبدو للوهلة الاولى لا تصيب الحيوان والطير ولكن الانسان الذي ميّزه الله عن سائر المخلوقات بالفكر ورجاحة العقل، والظاهرة الغريبة التي فرضتها ربما نواميس الحياة العصرية ومبدأ الكسب السريع والتمظهر الزائف، هي ظاهرة الغش أو آفة الغش وهي المتداولة في الاوساط الاجتماعية الآن، ومنذ عقد تقريبا، عرفت ظهورها العلني، وهذا الامر قد بدأ يقض مضاجع كبارنا والحكماء منا، والخوف كل الخوف ان تسري عدواه الى صغارنا، وهذا المرض قد بدأ يدبّ في جميع القطاعات حتى الضرورية منها والحياتية، وعلى سبيل الذكر لا الحصر نورد ما يلي من بعض صور ه وربما ما خفي أمر وأدهى:
لماذا يتذمر الميكانيكيون المختصون في اصلاح السيارات من عزوف اصحاب سيارات التاكسي والاجرة عن ورشاتهم، لو لم تصبهم عمليات الغش المفضوحة والمتكررة؟
لماذا يلجأ بائع الخضر الى دمج الطيب بالمعطوب من الغلال والخضر في قفة الزبائن الدائمين؟ في حين ان امكانية فرز الجيد بثمنه المرتفع والاقل جودة بالثمن المنخفض، تبقى قائمة وفعالة، ولكل زبون ما يطلب ولكل ميزانية نوعية شرائها؟
لماذا يلجأ مصلحو التلفزة والبارابول والجوال الى تغطية العطب البسيط بحجج واهية كالتجديد والاصلاح المتكرر المفيد؟ ولماذا يدعي تغيير قطع الغيار القديمة والتالفة بجديدة، في حين ان الامر لا يعدو ان يكون حيلة من الحيل من اجل ابتزاز المال؟
لماذا يلجأ العطار الى بيع سلعة غير صالحة، كالحليب واللبن، في حين ان الشركات تضمن استرجاع المعطوب؟
لماذا يغش الجزّار في نوعية اللحم المباع؟ ويبيع لحم النعجة او الضأن على انه لحم خروف؟
لماذا يخدع التاجر المواطن بعرض اسوام لا تتطابق مع ما يكتب في ذاكرة الميزان الالكتروني عند دفع الفاتورة النهائية؟ ثم لماذا يروج اصحاب سلع السوق الموازية، سلعا تبدو جذابة ومقنعة الصنع ظاهريا، باسوام محترمة، لكنها عديمة الجدوى وسريعة التلف، اذ لا يتجاوز عمرها ساعات قليلة؟
وقد تصل حمى النفاق الى حدود المس بالمعتقدات والقيم الإنسانية والاجتماعية سواء داخل الجامع او خارجه، لأنّ كبارنا هم قدوتنا ونبراس الجيل الصاعد، ويا حبذا لو يعتبر كبارنا من نصائح العارفين بامور الحياة والدين، لأنه لا يعقل ان ينام شيخ قبل الصلاة في الجامع، فالنوم يبطل الوضوء؟ ولا يمكن للمصلي الخاشع ان يتفحص تباعا ساعته اليدوية؟ والحال ان وقت الصلاة لا يتجاوز الدقائق؟ فلمن نصلي اذن؟ ام انه مجرد ذكر الصلاة واعتناقها يدفع الاذى عن صاحبها ويبعد عنه شبهات الغش والنفاق اذا كان تاجرا او بائعا؟ والأدهى والامرّ من كل ذلك ان المقرئين الملقبين ‘المدبيّة’ صاروا يتاجرون بالذكر الحكيم والدعاء القويم على الأموات ويسنون قانون الأفضلية من شخص غني إلى آخر فقير، ناسين أن أجرهم على الله؟!
وفي شهر رمضان، شهر التقوى والمحبة، لاحظنا للأسف الشديد كيف أن اللهفة كبرت والغش كثر وتنوّع، ففي بحث ميداني نشر على اعمدة جريدة ‘الشروق’ التونسية بتاريخ 22 اب/اغسطس 2010، ورد ما يفيد ان 15 مؤسسة مختصة في اللحوم ثبت تورطها في عمليات غش موصوفة بالدلائل والقرائن، كما ان احدى شركات المياه المعدنية سقطت في بئر الغش كذلك، هذا اضافة الى عديد المروقات في عديد القطاعات وبكامل الجهات ولو بنسب متفاوتة، والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه للعموم: لماذا هذا؟ وما هذا؟ والسؤال الثاني: الذي يفرض نفسه كذلك وحتى تعم الفائدة لماذا لا يقع ذكر اسم الشركة المذنبة حتى نتجنب استهلاك منتوجها هنا وهناك وفي القرى البعيدة والمناطق النائيةن وبما ان الخطأ وارد حتى في الادوية وجب التنصيص عن الخطأ وصنف المنتوج المعطوب، وبما ان الاصلاح وارد وواجب في قادم الايام فان الشركة المذنبة او المخطئة يمكن لها ان تتوب وتصلح خطأها وتعود لها سمعتها الطيبة، ولكن بما ان الرقابة الذاتية غائبة او معدمة فإن المراقبة الاقتصادية لن تحل العقدة الازلية، عقدة الغش، ولعل المثل الشعبي المعروف: ‘الغشاش او السارق يغلب اللي يحاحي’.. يعاود الحياة في ربوعنا.. خاتمة الكلام الغش اصبح داء العصر واعراضه بدأت تستحوذ على جميع الاعضاء حتى انه اصبح معولما، ولكن من بقي به بصيص من ايمان وحفنة من حياء وقرص من شفاء ونيف من وعي سيركب ظهر غول الغش ويقطع رأسه لاننا في الاخير كلنا مواطنون وكلنا معرضون لمثل هذا الداء. محمد بوفارس القلعة الكبرى تونس