دعاء الإمام وعرض الأزياء ‘الرمضاني’

حجم الخط
0

في فجر ليلة رمضانية فردية من ليال العشر الأواخر كانت مؤهلة لأن تكون ليلة القدر بما يعرفه البشر من علامات الهدوء والصفاء وتقارب النفوس استوقفني دعاء الإمام في مسجد أم العلا ‘اللهم اقذف في قلوبنا الغيرة على أعراضنا’، لم أستطع تجاوزه الى ما بعده مع أن الإمام أكمل الدعاء الذي يردده ويلح عليه دائما في رمضان وغير رمضان ‘اللهم اهد شبابنا للالتزام بشرعك، واهد فتياتنا للعفة والعفاف والستر والحجاب، واجعل القرآن حياتنا وسياستنا واقتصادنا’. ‘اللهم اقذف في قلوبنا الغيرة على أعراضنا’! أوليس من الطبيعة حتى قبل الإيمان والتدين أن يغار البشر على أعراضهم، أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم وأخواتهم، لقد قامت حروب وأجلي أقوام من أجل ثوب امرأة، وفُتحت دول إغاثة لصرخة امرأة، ما الذي تغير حتى جعل الإمام يتحين ويتقصد الدعاء في العشر الأواخر الفرادى بأن يرزقنا الله الحرقة والحرص على أعراضنا. إننا بلد متهم، بهتانا وزورا، بكثرة جرائم الشرف! فكيف انقلب الحال حتى أصبحنا لا نغار على نسائنا وبحاجة الى دعاء مكثف في موسم فضيل مبارك أن نعود الى رشدنا وهدانا! ما هي مظاهر عدم الغيرة على العرض؟ أهو الانحراف الأخلاقي الذي نشهده في مجتمعات الشباب حتى أصبحت العلاقات بين الذكور والإناث التي لا تقتصر على واحد أو واحدة جزءا من تعريفهم للنضوج، و’الخروج من البيضة’، و’الشطارة’ والفهلوة، وفقدنا مفهوم ‘العذرية الأخلاقية’، وأصبح سؤال: ماذا لو كانت هذه أختك؟ لا يحرك أي شعور بالحمية أو النخوة أو الحياء! أصبح الآباء يمشون بجانب بناتهم والأزواج يتأبطون ذراع زوجاتهم وملابس النساء تكاد تصرخ وتنفتق من ضيقها والرجال اما عميٌ أو يتعامون أو لا يبالون، حتى الحجاب أصبح بحاجة الى حجاب وسترة فقد أصبح مجرد خرقة تبدو نشازا مع السمت العام للباس الضيق وميوعة الأخلاق. نعم كان الدعاء في محله فالمرأة أصل الخير ومنبع الخير وميزان استقامة الأخلاق، لو صلحت تصلح بها الدنيا وبفسادها تفسد الحياة وتقترب النهاية. كان الدعاء ملحا فالذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لم يحفظوا حرمة شهر رمضان، واستخدموا النساء في مشي القطط، نعم هذا وصف عرض الأزياء في الانكليزية cat walk، عرض أزياء أرادوا أن يغيروا وجهه النجس فوقتوه في رمضان وحاولوا إلبساه ثوب الفضيلة بربطه بمؤسسة خيرية تساعد الفقراء والأيتام، ولا ندري كيف انطلت الخديعة على هذه المؤسسة الخيرية ورضيت أن ترتبط بهذا النوع من النشاطات المشبوهة والدخيلة على المجتمع الأردني المحافظ، وهي التي تطالعنا صباح مساء في اعلاناتها بالآيات والأحاديث التي تحض على عمل الخير، فما هذه الإزدواجية التي تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، إن الله الذي أمر بالزكاة والصدقات والإحسان قد أمر المؤمنات أيضا بأن يدنين عليهن جلابيبهن، وأمر الرجال بأن يغضوا من أبصارهم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جعل كفيل الأيتام رفيقه في الجنة قد حذر النساء في مواطن أخرى من أن الكاسيات العاريات والمائلات المميلات التي ترتفع شعورهن كسنام الجمل هن أكثر أهل النار. إن الفضيلة لا تتجزأ، والله طيب لا يقبل الا طيبا، والمساعدات والتبرعات التي تأتي من استعراض أجساد النساء وتمايلهن وتقصعهن لا تنبت الا حراما، وما نبت من حرام فالنار أولى به وصدق الشاعر إذ قال: بنى مسجدا من غير كده وهو بحمد الله غير موفق كمطعمة الأيتام من بيع جسمها ليتك لم تزني ولم تتصدقي مثل هؤلاء والمنظمات النسوية هم الذين يعتبرون الغيرة عاطفة برجوازية رجعية تزيد من سيطرة الرجل على المرأة ولذا يسعون للقضاء عليها وعلى جميع مفرداتها من الحياء والعفة والطهارة والبكارة! كان عهدنا بمجتمعاتنا، حتى غير المتدينة منها، أنها تستحي من رمضان فيؤجل اللاهون والعابثون لهوهم الى ما بعد رمضان، ولكن عندما يفقد البشر، خصوصا النساء، حرمتهن في قلوب محارمهن ومجتمعاتهن يصبح من المتوقع أن تتزلزل في نفوسنا أعمدة الدين، فما ركن قائم الا وله حماة وأتباع، والدين والفضيلة لا ينزعان نزعا وإنما بتخلي البشر عنهما. ادعُ يا شيخ لعل الله يفتح ما انغلق من قلوب الآباء الذين سيسألون عن بناتهم، ويزيل الغشاوة عن عيون الأزواج الذين سيحاسبون عن زوجاتهم. وليبق ولاة الأمر في سباتهم وحبائل الشيطان ومكر الليل والنهار يحيطون بنا من كل جانب!

د.

ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية