د. فايز رشيد
بداية من الصعوبة بمكان حصر مفهوم الأمن القومي الأمريكي بما هو متعارف عليه في العادة لغة وحجماً من حيث التشكل، فالأمن القومي الوطني لمطلق دولة يعني في ما يعنيه: تحديد هذه الدولة خطوطا حمراء، وعوامل لما يمس أمنها داخلياً وخارجياً بالشكل الذي يتهدد معه وجودها كدولة، بما يعني حقها في اتخاذ إجراءات واسعة واحتياطات متسلسلة من حيث شكلها وحدّتها وصولاً إلى شن حرب من أجل اتقاء خطر هذه العوامل. مفهوم الأمن القومي الأمريكي واســــع وشامل، مطـــــاطي فـــي جوهره فهو وضــــمن القياسات البارميترية عالي المعطيات الرقمية في أحيان، ومنخفض في بعضها: فالـــــرئيس بوش الابن ابتدأ حربيه في كل من أفغانستان والعراق بتبــــريرات من نمط، أن تنظيم القاعدة يشكل خطراً على الأمن القــــومي الأمريكي، وأن النظام العراقي آنذاك وبامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل يشــكل أيضاً خطراً على أمن الولايات المتحدة ومن أجل اخفاء ثقـــــل الوزن واتساع الحجم، يتحول هذا المفهوم في سرعة عجيبة إلى الأمن العالمي. بمعنى آخر فإن أمن أمريكا هو أمن المجتمع الدولي بأسره!
منذ بداية عهده فإن الرئيس أوباما وفي استعراضه لأهمية الحل في الشرق الأوسط ردد وما يزال يردد أن الوصول إلى اتفاق بين الجانبين الإسرائيــــلي والفلسطيني هو مصلحة عليـــا أمريكــــية أو مصلحة قومية أمريكية بما يعنــــيه ذلك في أن عدم إيجاد حل بين الطرفين سيعمل أو سيهدد الأمن القومي الأمريكي، فوزيرة الخارجية الأمريكية قالت في خطــابها الافتتاحي للمفاوضات المباشرة بين عباس ونتنياهو، ان نجاح الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني ‘يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي’. نفهم أن تورد الوزيرة الأمريكية هذا المفهوم في المناسبة آنفة الذكر للتركيز على أهمية هذه المباحثات، ولكن ما لا نفهمه أن الأمن القومي الأمريكي يتضاءل إلى الحد الذي يرفض فيه نتنياهو الاشتراطات الأمريكية السابقة (المتمـــــثل عنها بأن توقف إسرائيل استيطانها في الضفة الغربية وحتى في القدس كشرط لاستئناف المفاوضات غير المباشرة/المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل، يصغر هذا المفهوم إلى الحد الذي صرّحت فيه وزيرة الخارجــــية الأمريكية قبل شهرين من أن (قضايا في الشرق الأوسط في نهـــــاية المطاف مرهونة بالجانبين الفلسطيني والإسرائيلي). بمعنى آخر فإن الولايات المتحدة ترفع يديها، خاصة بعد تراجع أوباما وإداراته عن شرط وقف الاستيطان الإسرائيلي وانصياعهما المطلق وبلا حدود لإسرائيل ونتنياهو، عن الحل في الشرق الأوسط. يصغر مفهوم الأمن القومي الأمريكي عند أعضاء الإدارة الأمريكية إلى الحد الذي تعجز فيه الولايات المتحدة عن ممارسة ضغوطات حتى ولو صغيرة على تل أبيب وتضع على رأس أولويات خطتها (التي نشرتها جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية 27 آب/أغسطس الماضي) ممارسة الضغط على الفلسطينيين لقبول التسوية وعلى العرب لإثبات خطوات بحسن النية تجاه إسرائيل.
الغريب أن أوساطاً عربية وفلسطينية ليست قليلة وكتاباً وباحثين عديدين من الذين راهنوا على حزم أوباما وإصراره على إظهار الدولة الفلسطينية إلى حيز الوجود والوقوف بصلابة أمام إسرائيل وتعنتها، ثم خبا حماسهم بعد تخليه عن شروطه أمامها، يبدون الآن وكأن الحياة عادت إليهم وتدفق الدم في شرايينهم من جديد، بعد تصريح الوزيرة الأمريكية عن مصلحة الأمن القومي الأمريكي في إيجاد التسوية العادلة بين الفلسطينيين وإسرائيل منادين الرئيس الأمريكي في كتاباتهم (بأبو حسين) على اعتبار أن والده يسمى (حسين)! لا يدرك هؤلاء انه ومثل وجود ظاهرة الكيل بمكيالين في السياسة، فإن هذه الظاهرة تنطبق على مفهوم الأمن القومي الأمريكي، هذا المفهوم الذي يعود باروميتره إلى الارتفاع في النظرة إلى المشروع النووي الإيراني، ففي عرف الولايات المتحدة والغرب أن ليس من حق إيران، إحدى دول محور الشر في العالم وفقاً للتقييمات والتقسيمات الأمريكية، امتلاك مفاعلات نووية حتى للأغراض السلمية في الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل، وباعتراف مصادر وأبحاث ومراكز عسكرية أمريكية عديدة، ما يزيد عن الثلاثمئة رأس نووي، أو الأربعمئة، في نفس المنطقة. بالطبع فإن إسرائيل حليفة استراتيجية للولايات المتحدة، وحتى لو حُكمت الدولة الصهيونية من قبل أعتى الأنظمة الديكتاتورية تماماً كما كل الدول الصديقة للولايات المتحدة، فستظل دولة من بين الدول الديمقراطية على الصعيد العالمي، والعكس بالعكس، وبالطبع وفقاً للمقاييس الأمريكية. في كثير من الأحيان للأسف، يجري التعامي قصداً، أو نظراً لخلل رؤيوي في العينين، عن شواهد تشكل حقائق أساسية في الصراع، ولعل من أبرز هذه العوامل التزام كافة الرؤساء الأمريكيين بلا استثناء، بمن فيهم باراك حسين أوباما بالأمن الإسرائيلي، باعتبار هذا الأمن جزءاً من الأمن القومي الأمريكي، وتعهداتهم المعلنة وغير المعلنة بتزويد الترسانة العسكرية الإسرائيلية بأحدث المنتجات التسليحية الأمريكية لإبقاء التفوق الإسرائيلي مرتفعاً عن كل دول الجوار العربي، ثم رسالة الضمانات الاستراتيجية الأمريكية لإسرائيل، التي أرسلها جورج بوش الابن في عام 2004 إلى شارون، الذي قرأ نصوصها من على منصة مؤتمر هرتسيليا الرابع وفيها يتعهد بوش الابن بالتزام الولايات المتحدة التام بوجهات النظر الإسرائيلية من التسوية في المنطقة والتعهد بعدم ممارسة الضغوط على إسرائيل لقبول ما لا تريد أن تقبل به.
من الحقائق أيضاً أن رسالة الضمانات هذه ليست مرهونة بهذا الرئيس الأمريكي أو ذاك لا بوش الأب أو بوش الابن أو كلينتون أو أوباما أنها حصيلة القواعد الاستراتيجية العامة التي يحددها ويرسمها المجمع التصنيعي، وخاصة العسكري الأمريكي، والتي تحدد مدى وحدود الحركة السياسية للرئيس الأمريكي تجاه قضايا عديدة، وكذلك التحالف القائم بين اللوبي الصهيوني والاتجاه الذي عرف باسم الصهيوويمي في الولايات المتحدة، والمصالح بين الطرفين هي عامة ومشترطة وواحدة.
يبقى القول انه حتى لو ردد الرئيس الأمريكي وأركان إداراته صباح مساء ان التسوية في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والعرب من جهة وإسرائيل من جهة أخرى هي في مصلحة الأمن القومي الأمريكي فإنهم يقصدون قبول الفلسطينيين والعرب بالاملاءات الإسرائيلية للتسوية.’ كاتب فلسطيني