لينا أبو بكر اننا نخوض آخر صرعة من موضات الحروب الحديثة ساحتها الإعلام هي حرب التصفير، وها هي النشرات الإخبارية تطلق صافرة البدء بالمفاوضات، صورا وتقارير وتحاليل مخبرية، وليس عليك تصديق أن سلطة المفاوضات تعمل بمبدأ: من حفر حفرة لأخيه بالتفاوض وقع فيها! لأنه بين السلطة واسرائيل لا توجد حفر ولا مطبات سياسية بل دخان إعلامي بلا نار ولا ما يحزنون. بثت قناة البي بي سي العربية هذا الأسبوع برنامج ‘أجندة مفتوحة’ الذي رافق الحدث وقد استضاف مجموعة من نشطاء السلام من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، وكان من بين الضيوف أحد الجنود السابقين في جيش الاحتلال وهو الآن محاضر في جامعة تل أبيب وعضو في منظمة ‘مقاتلون من أجل السلام’، التي كان الحضور جميعهم من أفرادها، اراؤهم بدت متناقضة أو متعجرفة وأخص بالذكر الضيفة الفلسطينية ‘ملك’! هذه لما سئلت عن تناقض مسعى الحركة مع ما هو راهن في الواقع وعن التفاؤل ‘المغشوش’ إن جاز لي فهم سؤال المقدم، لم تبال بهذا التناقض وأكدت على إصرار الحركة التقدم في عملها، ثم أنها صرحت بما يثير الريبة من هذا النشاط حيث قالت حرفيا ‘لن نتقدم خطوة إذا أردنا أن نستمع للآراء ونجلس في البيوت وهذا ما يريده الفلسطينيون’ وهو ليس خطأ اقتضاه الارتجال الإعلامي الذي يستدعي هذا النوع من الالتباس إنما جاء بعد عرض تقرير لآراء الشارع الفلسطيني مفاد أغلبها هو الانطباع السلبي عن قيمة ونتائج المفاوضات التي قطعت شوطا زمنيا وإعلاميا ولم تسفر عن شيء يذكر، وعلقت الضيفة: ‘من لا يريد السماع عنا فهذا شأنه الشخصي’ في السؤال عن النسبة التي يمثلونها غير مبالية بكمها، فماذا تبقى إن لم يكن العمل فعالا ومؤثرا على المستوى الواقعي ولا منتميا لمن يفترض أنه يمثلهم؟ لا شيء سوى الشعارات الرنانة والخطابات الإعلامية المثيرة للشبهات، ثم من قال ان الفلسطينيين يريدون منها الاستسلام للاحتلال؟ العلاقة بين خليلي التفاوض أشبه بالمصيدة والفأر وبائع الجبنة فإن كانت منظمات السلام هي المصيدة وبائعو الجبنة هم الوسطاء فإن الفأر هو التفاؤل الفلسطيني المغشوش على رأسه تفاؤل السلطة، لأن الطرف الاسرائيلي على يقين من إيقاع عباس بالفخ دون الاضطرار إلى تكلف ثمن الجبن!
انظر إلى طريقة المصافحة الأمريكية للطرف الاسرائيلي، وقل لي بربك هل هنالك عدالة في تقدير هذا اللقاء المباشر بين الطرفين؟ لقد عمل أوباما بمبدأ الواقعية السياسية على طريقة كسنجر الذي كان يرى أن الحل الأمثل للوصول إلى السلام هو الوقوف بجانب الأصدقاء ‘وهو فعلا ما حدث خلال تصوير فعاليات البدء بالمفاوضات فعباس بدا كأنه يركض لاهثا وراء بائع الجبن وصاحب المصيدة اللذين يسيران جنبا إلى جنب! صحاب صحاب! وخرج المفاوض الفلسطيني من الصورة’ out’! في ايار/مايو الماضي أطلق عريقات نيزكا فضائيا على السي إن إن العربية، ارتفعت وتيرة حرارته مجرد انفصاله عن مدار الواقع الذي لا علاقة له بما يدور على الأرض، قال حرفيا: ‘وقف الاستيطان والاعتقالات ليس إثبات حسن نوايا بل هو التزام على اسرائيل التقيد به كشرط’ شرط لماذا؟ لإطلاق صافرة البدء بالمفاوضات؟ ولكن ما حدث ناقض هذه العزيمة الإعلامية ‘الفشنج’، لأن التصريح الذي أدلى به على البي بي سي العربية الأسبوع الفائت بعد انطلاق المفاوضات دون خضوع اسرائيل لشروط التصريحات الإعلامية للسلطة الفلسطينية- يوثق لك بالصوت والصورة عبثية كل ما تصرح به عصابة المفاوضات تلك للاعلام، حيث قال وحرفيا أيضا: ‘فشل المفاوضات يعني فشل السلطة’. هل تريد وثيقة إعلامية أخرى تدلك على التخبط الإعلامي للكرملن الفلسطيني على طريقة خروتشوف: خذ التقارير التي تصدرت النشرات الإخبارية اليومية برفض عباس المضي قدما في المفاوضات وقد أعلنت اسرائيل عن الشروع ببناء مستوطنات جديدة، يعني لم تكن المغفور لها ـ اسرائيل ـ قد توقفت لما انطلقت صافرة التفاوض، فلماذا يغضب عباس وهو يتجه إلى شرم الشيخ اليوم لالتقاط المزيد من الصور مع نتنياهو؟
صافرة إنذارالجندي الاسرائيلي السابق خان آلون في برنامج ‘أجندة مفتوحة ‘لم يعترف بأنه قتل طفلا أو غيره وقد أصر على أن المشكلة ليست إن كان قتل أم لا وهو يجيب على سؤال المضيف، لأن المسألة ليست شخصية إنما المهم هو إنهاء الاحتلال، انظر إلى هذه الإجابة المحنكة التي كانت تحتاج إلى سؤال الردة والذي لم يتم توجيهه إليه: هل في الحديث عن المهمة العسكرية التي ينفذها أحد الجنود ضد الضحية شخصنة؟ ماذا تبقى للأمور العامة؟ أم أن في هذا تهربا من مواجهة الحقيقة والنفس بالجريمة التي هي الخطة العسكرية في معركة الاحتلال؟ أم هو دفاع مبطن عن تلك المهمات؟ متى لا يكون القتل شخصيا إذن؟ ما يجعلك تشك في أمر منظمات السلام تلك أن خطابها متناقض في حيثياته، فهذا الجندي الذي أدرك حسب قوله أن تصريحات الطرفين بعد توقيع كامب ديفيد 2000 بفشل المفاوضات كان زائفا ولم يكن حقيقيا هو ما دفعه لطلب إنهاء خدمته بالإضافة لأنه أصبح أبا، هو نفسه ذات الجندي الذي يقول لك أنه ليس من حقه أن يحدد للفلسطينيين شكل مقاومتهم للاحتلال في الوقت الذي يصرح فيه للبرنامج أنه يدعو الطرفين لنبذ العنف وأن الشعوب التي انتصرت اتبعت المقاومة السلمية وأعطى أمثلة على ذلك بالهند وجنوب إفريقيا، هنا خالفه مقدم أجندة مفتوحة إذ ساق له نفس المثل فقد أصدرت الحكومة البريطانية بيانا تعتبر فيه أن المؤتمر الوطني الإفريقي منظمة إرهابية، عداك عن أن اسرائيل نفسها حسب المقدم اتبعت النهج المسلح في مهاجمة الانتداب البريطاني وتدمير القرى والمساكن، فأية مفارقة لابن دولة محتلة في دعوته لنبذ العنف وهو يقول لك إنه ابن دولة ديمقراطية وهدفه من تلك الأنشطة هو النجاة باسرائيل من هذا الاضطهاد، كدولة احتلال؟ في ذات الوقت الذي يقول فيه زميله الاسرائيلي من نفس المنظمة انهم يوجهون خطابا للمجتمع الدولي واسرائيل بعدالة النظر للقضية الفلسطينية ونبذ سياسة فرق تسد؟ أما عن سؤال فتح وحماس فقد اعتبر أن إجابته عن أي شأن خاص بهما تطفل لأن هذا الوضع يخص الفلسطينيين وحدهم علما بأنه يدعو لنبذ العنف؟ فما هذا التناقض الصريح لما بين السطور في إجاباته؟ أخشى أننا لسنا أمام منظمات سلام إنما هي منظمات تطبيعية لا تقاتل من أجل ان يعم المذكور إياه السلام – لأن أحد أهم شروط هذا القتال السلمي هو شرعنة المقاومة المسلحة بدليل أن غزة والجنوب عادا بها كما أفاد مقدم الحلقة الذي بدا رائعا في مناقشة أربعة ضيوف من فصيلة سلام واحدة بكل ما أوتي من هدوء وثقافة وحنكة وواقعية وجرأة، واختلاف بالرأي، ولاحظ أنك تشاهد البي بي سي وإن كانت عربية.. إذا نطق خروتشوف!
ما على السلطة وأتباعها بعد كل هذا الانكشاف الإعلامي سوى مقاطعة الإعلام ليس لأنه المذنب فهو لا يتعامل مع التصريحات السياسية من منطلق الدبلجة على طريقة المسلسلات المكسيكية والتركية ولا على طريقة مسرح العرائس لأن هذه الشخصيات لا تحركها خيوط فضائية خفية! إنما تسير بمنطق الكرملن الروسي فكلما انطلقت صفارة إنذار ‘إعلامية’ تفضح طامة الشعب بسلطته، عملت بمبدأ خروتشوف الذي سجن أحد المعارضين شهرا لأنه اقتحم الكرملن بسيارته صارخا: خروتشوف أحمق، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات لأنه كشف سرا من أسرار الدولة! بضاعة إخبارية’وإيه يعني’ لما ينتقد الإعلامي حمدي قنديل أبو الغيط؟ و لماذا تضايق أبو الغيط من كيس الزبالة؟ أليس هنالك وجه شبه منطقي هو فعل التساقط من ثقب كيس أو ثقب سياسي في ميكرفون إعلامي؟ الإساءة الحقيقية التي تستدعي التحقيق فيها ‘التبلي’ أو الكذب، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن يتحول التشبيه إلى جناية! الحرية الصحافية ليست إلا بريستيجا أو ضربا من ضروب الإتيكيت السياسي المنافق حتى هنا في الغرب وما حصل لمدير الديلي ميرور البريطانية بيرس مورجان دليل عليه إذ أقيل بعد عشر سنوات لأنه نشر صورا قيل انها ملفقة لانتهاكات فرقة لانكشير الملكية البريطانية في بغداد فأين المفر؟ ليبرمان يقف أمام عدسات التصوير بكامل كرشه يتحدث كمن ينفخ في قربة هي ‘أذن السلطة’ واثقا من فشل المفاوضات مسبقا وهو بهذا يخلف جده موشيه ديان لما صرح للإعلام وقتها قبل معاهدة كامب ديفيد: ‘نحن أفضل بدون سلام’! الإعلام هو الوثيقة البصرية التي تؤرخ للمصيدة بالصوت والصورة، وما ذكره ليبرمان ليس إلا قرارا ولم يكن تنبؤا أو تخمينا، فأين الحدق؟ أخشى أن السلطة وقعت فيما وقعت فيه المخابرات المصرية لما كانت تعلم المواعيد الغرامية لديان ولم تعرف أنه يستعد للهجوم على مصر! شاعرة عربية تقيم في لندن