المقاومة الشعبية تئن تحت وطأة الولاءات الحزبية

حجم الخط
0

من الطبيعي أن تكون المقاومة هي الخيار الأول لدى من يعاني من ظلم عام أو خاص على شخصه أو على المجموع الذي يخصه، لاسيما إذا كان هذا الظلم يتمثل في الاحتلال بما يحمله هذا المصطلح من معنى، بل من غير الطبيعي أن يكون الخيار الأول غير ذلك مهما كانت الظروف والمبررات. شأن هذا كشأن أي جسم يفتقد إلى المقاومة الطبيعية فيفسح المجال للمرض أيا كان نوعه أو قوته لكي يقضي عليه. وتتعدد الأسباب التي تدفع الإنسان المهتم بالقضية الفلسطينية، سواء كان فلسطينيا أم غير ذلك إلى تفضيل المقاومة الشعبية على غيرها من أساليب المقاومة (التي هي بالمجمل حق لا جدال فيه او عليه من حقوق الشعوب المحتلة أيا كان تاريخها أو جغرافيتها). حتى لتكاد تكون هي القاسم المشترك بين اساليب المقاومة. وهذه المقاومة تتعاظم او تضمحل في قناعات هذا الكادر او ذاك حسب تصوره لطبيعتها وإمكانياتها وطرائقها وآفاقها. ولكنها اذا ما عظمت لتصل لوضع تستطيع فيه الطرق بقوه واقتدار على الأقدام الاقتصادية والعسكرية والإعلامية للاحتلال بفعل شعبي واع بمستوياته المأمولة من (رفض ومقاومة وتعزيز صمود) بحيث تستهدف كل مكونات الاحتلال ومفاصله على الأرض الفلسطينية. من خلال حشد كل مصادر الضغط الاقتصادي والشعبي والإعلامي وغيرها بفعاليات لا يقصد منها القتل فأكاد لا أتصور او اتخيل ان يكون هناك من احد في فلسطين (يعاني ما يعانيه شعبها من ظلم وطغيان) لا ينجرف بكل جوارحه لمثل هذه المقاومة الا من كان رعديدا لا يريد ان يقوم بأي واجب تجاه حريته منتظرا من غيره ان يجلبها له. او متآمرا يرى ان هذه المقاومة ستستهدفه في يوم ما، كما تستهدف كل مكونات ومسببات الظلم والقمع الممارس ضد هذا الشعب، خصوصا حين يرى الآثار الجانبية لأساليب المقاومة الأخرى تتفوق على المرض نفسه المتمثل بالاحتلال ومع وجود النماذج الحالية من المقاومة الشعبية التي هي في كل الاحوال افضل من حالة الاحباط واليأس التي يسعى الكثير من ولاة الامر الى تعزيزها من اجل تمرير بدائلهم غير الطبيعية في ظل الاحتلال، وكذلك تبقى المحاولات الوحيدة على ضعفها التي تحاول ان تبقي على امكانية التوحد بين مكونات هذا الشعب حية في اذهان البعض. ولكنها عجزت حتى الان عن ان تكون بديلا او خيارا يعول عليه عند شعب لا يريد ان يسكت عن احتلاله ولا يريد ان يمزق بدعوى المقاومة لهذا الاحتلال. وهذا العجز ليس نابعا من نقص في الافكار او المعنويات او التكتيك لدى قادة هذه النماذج، بل نابعة من العجز في حشد الناس تحت هذه الراية، على الرغم من ان الناس يتحرقون شوقا لظهور بديل اخر على الساحة الفلسطينية يغنيهم عن مجاملة او تبعية او موالات لخيارات ثبت فشلها واصبح همها، الذي تباع القضية من اجله، لا يتعدى حدود كرسي مبتذل من كراسي السلطة الوهمية التي لم تعد تتعدى حفنة من مال غريب يحمل بين اوراقه اجندات غريبة من كل حدب وصوب الا من فلسطين. ولا يغرنكم المستوى الاجتماعي الذي تمثله هذه القيادات فالمستويات الاجتماعية الحالية التي تعتبر شرطا للقيادة الصورية ما هي الا بريق مزيف صنعته كراسي المرحلة المزيفة وان هذا المستوى الاجتماعي الوسيط والذي يحمل الان خيار المقاومة الشعبية هو الذي قاد الشعب الفلسطيني بكل اقتدار في اعظم مراحل المد الوطني والثوري والنضالي والاجتماعي والسياسي في تاريخ ثورته الحديثه الا وهو الانتفاضة الاولى. الا ان هذه النماذج وقيادتها نسيت او عجزت ان تطور دورها القيادي من مجرد التنسيق بين ماكنات الفعل القديمة التي عفى عليها الزمن (رغم شلالات تضحياتها العظيمة التي قدمتها هذه الماكنات في مراحل مجدها وازدهارها والتي لن تزول من ذاكرة شعب حملها بين جوارحه حين كان يعطيها ثقته) وقبل تدهورها في شرك السلطة واغراءاتها ودنس الاقتتال والفلتان والانقسام وبناء الدكتاتوريات على جانبي الوطن الذي ما زال محتلا. وتخاذلت قيادات هذه النماذج حين طلب منها ان تستقل بخيارها وتنأى به عما استهلك واصبح في اذهان الشعب المحتل جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل. وبدأت هذه القيادات بالترنح رغم كل النجاحات التي حققتها في فترة قياسية من عمر الحراك الفلسطيني المقاوم للاحتلال، مما جعلها عرضة للاجتذاب من قبل اطراف الفعل القديمة لتتزين بها تارة او لتناكف بها بعضها بعضا تارة اخرى. واصبحت مثارا للتندر والاستهزاء مما اثر على قوة اقناع المقاومة الشعبية للشارع الفلسطيني كخيار يمكن ان يعول عليه ويمكن له ان يتسارع ويتعاظم حتى يصبح الرافعة والبوصلة الحقيقية لقضية هذا الشعب المحتل.

ومع كل هذا تبقى المقاومة الشعبية استراتيجية ممكنة تستطيع ان تحمل الشعب الفلسطيني نحو اهدافه التي ينشدها: الحرية التي يرتضيها والسلام العادل. لا سيما ان شعوب العالم اصبحت الان اكثر قابلية لتفهم المعاناة الفلسطينية واكثر استعدادا للمشاركة في ممارسة الضغط على كل مكونات الاحتلال من اجل انهائه ويبقى خيار المقاومة الشعبية واساليبها الحاضنة التي تستطيع ان تجمع كل هذه الجهود في بوتقة واحدة والتي تستطيع ان تولد فلسطين الحرة الموحدة التي تأخذ دورها بين دول العالم بشكل انساني ومدني منفتح وديمقراطي لتساهم في بناء مستقبل الانسانية بشكل لا احتلال ولا ظلم ولا استبداد فيه. اذا ما اعادت هذه القيادات ثقتها بنفسها وقدرتها على احداث التغيير الحقيقي واعادت تصميمها على الاستقلال عن محاور السلطة باختلاف اشكالها والوانها واماكنها واعادت تعريف السلطة من جديد على انها ادارة لحياة الفلسطيني اليومية وليست قيادة لنضال هذا الشعب واذا ما استذكرت ان الثـــــــقة هي الوقــــود المحرك لنبض الناس وليس الامكانيات المادية التي وان كانت ضرورية الا انها لا ترقى لكي تكون سببا للتنازل عن أي جــــهد شعــــــبي مهما كان بسيطا. وحين تستطيعون اقناع الناس سيــــــبدل هؤلاء المتفذلكون والمزايدون الهاربون الى الامام مما لا هم لهم الا محاربة كل ما هو جديد، يدافعون عن كل ما يجرنا للخلف بجنود كنا نجهلهم.. عايد مرار مؤسس اللجان الشعبية لمقاومة الجدار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية