د. ريتا فرج
بعد مرور تسع سنوات على أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الدرامية، دخل العالمان العربي والإسلامي في حالة من العنف السياسي غير المسبوق في تاريخه الحديث؛ ورغم ما نلحظه من تبدل في الديكورات الجيو ـ استراتيجية منذ السقوط المدوّي لبغداد، وما نتج عنه من تناقض في الرؤى السياسية، آلت الى تقسيم العرب الى دول مارقة ودول معتدلة، وفق مقاييس رسمتها الادارة الامريكية، وصلت الى ذروتها في حقبة جورج دبليو بوش، غير أن الدلالة السوسيولوجية والسياسية للشرق الأوسط المأزوم، تشي بوجود عوامل داخلية ولدت استعصاء على مواكبة الحداثة وسياقاتها؛ وإذا كان غياب مقومات الدولة الحديثة من المحيط الى الخليج، يعتبر المعطى الأشد حضوراً لجهة تفاقم مولِّدات العنف، المنبعثة من مرحلة الاستقلالات والمنتجة لوصايات خارجية، فإن استشراء الحركات الإسلاموية منذ السبعينات، والعاجزة بدورها عن بناء الأنموذج الإسلامي في الحكم، يطرح أكثر من سؤال إشكالي، ما الذي يدفع الأنظمة العربية الهشة الى التدرج نحو العشائرية والقبلية والطائفية؟ وهل هناك بنى داخلية تعرقل مقومات الادارة الحديثة للشأن العام؟ وهل يبدي العرب ممانعة تجاه الانخراط في الحكم طبقاً لنظرية ابن خلدون عن طبائع العرب وعوائدهم السياسية؟ وهل يمارس الإسلام المتطرف دوراً في الانسدادات الراهنة؟ وما الذي يدفع بعض الدوائر الغربية الى الخروج بنتيجة مفادها أن إسلام العصر الراهن، هو إسلام أصولي بسبب نصوصيته وعجزه عن ملاقاة الأمم المتقدمة؟ لا ريب أن تداعيات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، كانت وما زالت الأشد وقعاً على ديار الإسلام، إن لجهة التوتر السياسي المتصاعد بين الطبقة الحاكمة ورعاياها، وإن لجهة حصرية العنف في محيط شرق أوسطي شديد الحِراك، تتجذر فيه الطفرات القبلية والدينية، إثر التغييب المتعمد لعقل الدولة. صحيح أن الأسباب الداخلية لديها مؤثرات سلبية تطال البناء المجتمعي بكليته، لكن للغرب الامريكي فعاليته الأنجع في تذرير القوميات وإثارة البنى ما قبل الدولتية، وإلاّ ما معنى تصاعد مستويات العنف بعد هجمات نيويورك، التي دفعت آنذاك وزير الخارجية السابق هنري كسينجر الى كتابة مقالة تحت عنوان ‘الإرهابيون خسروا معركة مهمة…. والتحدي العاجل إنذار أمريكي للجميع: معنا أم مع الإرهاب’، وما معنى الخلط الذي تبديه أدبيات ما بعد الاستشراق بين الإسلام والارهاب، مما دفع بوش الإبن الى الحديث عن حرب صليبية جديدة ـ الأدبيات الإسلامية لا تشير الى الحروب الصليبية بل تتحدث عن حرب الفرنجة ـ سرعان ما تراجع عنها لناحية توصيف طبيعة المعركة، وليس الهدف، الذي تأسس على مقولة الشرق الأوسط الكبير. ورغم أن باراك أوباما داعية تجسير العلاقات مع العالم الإسلامي، ينتهج استراتيجية خارجية أقل شراسة من الادارة السابقة، في معالجة الملف الفلسطيني والعراقي والافغاني والايراني تحت شعار الحوار وتعزيز أواصر السلام في المنطقة، يبقى للمتخيل الشعبي والرسمي الغربي، قدرة على تشويه العلائق بين الشرق والغرب. هذا المتخيل ـ الذي يعني جملة المفاهيم والتصورات التي تحملها جماعة معينة تجاه جماعة أخرى ـ هو الذي يحدد مسار الثنائيات: المسيحية والإسلام، الشمال والجنوب، الشرق والغرب، الحداثة والماضوية، العلمانية والثيوقراطية، والأهم أن الانفعال الديني والسياسي بين تلك الأقطاب، أسهم في تفعيل نمط العنف الشرق أوسطي، الذي تحوَّل بدوره الى هلال من الأزمات المتنقلة، مما يدفعنا الى الحديث عن مؤثرات ثقافية ودينية تفعل فعلها في موازاة البعد السياسي، دون أن يعني ذلك وجود كتلة غربية تمتلك رؤية واحدة تجاه الإسلام؛ فالغرب متعدد، وهناك اتجاهات جديدة ما عادت تبني عدتها المفهومية على أنقاض الاستشراق الكلاسيكي، بحيث يمكن إدراجها تحت مسمى علم الإسلاميات (Islamologie) أو علوم الشرق الأوسط؛ فالمستشرق التقليدي تحول إلى خبير ومستشار في مراكز البحث الامريكية. في هذا السياق لعب عميد المستشرقين برنارد لويس وورثته من أمثال دانييل بابيبس ومارتن كريمر، ادواراً في توجيه السياسات الامريكية في الشرق الأوسط إثر أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والأخطر أن هذا الاتجاه الجديد يعتبر أن الإسلام كله أصولياً غير قابل لمواكبة الحداثة، مع العلم ان هناك دعوات أمريكية رسمية تنادي بتشـــجيع الحركات الإسلامية المعتدلة، وتطالب بتعميم ‘الإسلام التركي’ الذي يمثله حزب العدالة والتنمية، وتعتبر مؤسسة راند أو ما يسمى خزانات التفكير الرائدة في هذا المجال. وإذا استرجعنا خلاصات برنارد لويس حين قال ‘إن على الشعوب العربية والإسلامية أن تدرك نعمة الاستعمار عليها’ لأدركنا ثقل الأنوية الغربية، التي جعلت من نفسها مثالاً يجب أن تحتذيه كافة الدوائر الحضارية الأخرى. وبصرف النظر عن التيار الغالب، الذي يقتبس مقولاته من الصورة النمطية التي رسمها رواد الحركة الاستشراقية الكلاسيكية، ظهرت طروحات علمية نجد لها حيزاً واسعاً في المدرسة الألمانية والفرنسية، ومن بينها ما تقدم هانز كونغ اللاهوتي واستاذ علم الأديان المقارن، الذي قال بالتعالي الإلهي للقرآن، ودعا المسيحيين الى الاعتراف بإمكانية حصول الوحي بعد المسيح وأنبياء بني اسرائيل، وألفريد مورابيا الباحث الفرنسي، الذي قرأ مسألة الجهاد في الإسلام من زاوية تاريخية وانتروبولوجية نفت المعادلات السابقة التي وازنت بين ‘الجهاد والعنف من أجل العنف’. طبعاً مقولات ما بعد الاستشراق تتجه ببطء نحو الموضوعية في قراءتها للاسلام، وتضع أي ظاهرة تقوم بدراستها في سياقها التاريخي، مستخدمة المناهج العلمية من علم الانتروبولوجيا وعلم الالسنيات وعلم الأديان المقارن، وهي العلوم التي عمل عليها محمد أركون في مشروعه حول نقد الفكر الإسلامي. بعيداً عن التحولات المعرفية التي خبرتها الاتجاهات الجديدة في الغرب، تجاه الإسلام والمسلمين، يتحمل الغرب الكولونيالي القسط الأكبر في تصعيد نمط العنف الشرق أوسطي، وهو الذي شنّ حروبه المتتالية، بدءاً من حملة نابليون على مصر عام 1798 وصولاً الى الحروب الاستباقية على العراق وافغانستان وربما إيران؛ ويبقى السؤال هل هي صدفة تاريخية تنامي العنف في العالمين العربي والإسلامي؟ الإجابة تحتاج الى قراءة متعددة الجوانب يتداخل فيها الديني مع السياسي، والمحلي مع العالمي؛ والأهم أن العنف الحالي، الذي يسلك أحياناً أساليب دفاعية، على خلفية دفاع الجماعة عن وجودها في مواجهة التهديد الخارجي، يحضر بقوة في المجال العربي، ومرده لا يعود فقط الى السياسات العالمية، فالأزمة عندنا، مجتمعية وثقافية وسياسية، تتطلب تفكيكاً، ومن الضروري أن يترافق ذلك مع تفعيل حركة الاجتهاد الديني لبناء إسلام متعدد، نظراً لما يحتله الدين من حيز لا إمكانية لانكاره في العقل الجمعي وممارساته الحياتية. ‘ كاتبة وباحثة لبنانية