يوسف ضاهرهناك موجة ملحوظة من الإجراءات الإسرائيلية في مصادرة حق الإقامة لكثير من ابناء القدس الشرقية، السكان الأصليين للمدينة. يكفي ان ما تمت مصادرته في سنة 2008 وحدها يساوي ما تم سحبه فعليا طوال الـ 40 عاما السابقة. بالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين اصبحت هذه الظاهرة مقلقة لحد اعتبارها ازمة وجود، تنذر بفقدان ما مقداره نصف العدد الحالي على مدى السنوات القليلة القادمة.
في أعقاب حرب الأيام الستة في العام 1967 والضم الإسرائيلي غير القانوني للقدس الشرقية، اعتبر سكان القدس تحت ما يسمى بقانون ‘الدخول الى اسرائيل’ بالحالة المدنية ‘مقيمين دائمين’، وكأننا نحن الداخلون على الدولة المحتلة وليس العكس. قال المحامي يوتام بن هليل من هموكيد ‘مركز الدفاع عن الفرد والفلسطينيين’ ان الفلسطينيين من سكان القدس الذين يحملون بطاقات هوية القدس الشرقية وعددهم 250000 لهم ذات الوضع القانوني، مثل الذين هاجروا إلى إسرائيل من اليهود، ولكن لا يحق لهم الحصول على الجنسية. ويحق للمقيمين الدائمين وفق القانون الاسرائيلي الحقوق الاجتماعية، حق التصويت في البلديات (ولكن ليس انتخابات الحكومة)، يحق لهم التأمين الوطني والصحي، والاقامة يتم تمريرها للاولاد سكان القدس. المقيمون الدائمون الذين يتزوجون من سكان مناطق اخرى يجب عليهم تقديم طلب جمع شمل العائلة باسم الزوج أو الزوجة. هذه الطلبات تم تعليق البت فيها منذ سنوات عدة والواقع أليم بسبب ما يتبعها من تأثيرات سلبية على العائلة جراء تفككها بين القدس والمناطق الاخرى.
المسيحيون في القدس تنسب أصولهم إلى زمن المسيح وأتباعه. كانوا يعيشون جنبا إلى جنب مع المسلمين واليهود في المدينة حتى عام 1948، حيث فروا من منازلهم من الجزء الغربي من المدينة إلى الجزء الأوسط، ومن هناك واصل معظمهم رحلتهم الى الشتات بعد العام 1967. تبين الاحصائيات الانخفاض المستمر بعدد المسيحيين الفلسطينيين، وفقا لمصادر اكاديمية إسرائيلية كان هناك 29350 من المسيحيين في القدس في عام 1944. وتقدر مصادر أن نسبة سكان القدس من المسيحيين اليوم تقدر بـ37.5 ‘، والرقم يشمل المسيحيين غير الفلسطينيين في المدينة. وعند اجراء إحصائية بسيطة على أساس نمو 2 ‘ من السكان المسيحيين في القدس كان ينبغي أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 1979 إلى 60000، لكن الواقع هو ان اعداد المسيحيين في القدس تتناقص بأعداد كبيرة بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتدابير الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تنتهجها الحكومة الاسرائيلية ووزاراتها المختلفة وبلدية القدس ضد السكان العرب الفلسطينيين في المدينة.
ويوجد العديد من الأسباب وراء انخفاض عدد ونسبة المسيحيين في المدينة. الاحتلال والسياسات الإسرائيلية العنصرية التي تنفذها ضد السكان الفلسطينيين، بالإضافة إلى الركود الاقتصادي بسبب الجدار الذي يعزلها عن محيطها الجغرافي والاجتماعي بالضفة الغربية، وارتفاع تكلفة المعيشة، وخاصة في مجالات الإسكان والتعليم.
وزارة الداخلية الإسرائيلية تنتهج سياسة سحب الإقامة ‘الدائمة’ للمقدسيين الفلسطينيين تحت ذرائع متعددة، في حال تم اكتساب جنسية أجنبية أو تصريح إقامة في بلد آخر أو العيش خارج حدود بلدية القدس لمدة تزيد على سبع سنوات. تنطبق هذه القواعد على الأطفال أيضا. إذا اتبعت هذه السياسات على الزخم نفسه، من المتوقع أن يتناقص عدد المسيحيين الفلسطينيين في القدس من 9000 الى 5000 في السنوات الخمس المقبلة.
تهدف اسرائيل عبر التغيرات القانونية في كثير من الأحيان الى كسب أغلبية يهودية في المدينة على المدى البعيد. في عام 2010 سربت إسرائيل اخبارا عن نية اصدار قانون ترحيل الفلسطينيين من سكان القدس لأسباب سياسية. هذا القانون في حال إقراره قد يكون سببا لمزيد من عمليات الترحيل من القدس. سياسات الفصل ايضا لها الاثر الاكبر الان في نفس المجال. وقد أثر الجدار والاجراءات الاسرائيلية التي تعرقل إصدار التصاريح لسكان الضفة الغربية للعيش والعمل في القدس، إلى حد كبير في تشكيل نواة الأسرة. المسيحيون الفلسطينيون في الضفة الغربية، الذين يحرمون من الوصول إلى القدس، يفقدون فرصهم في الحصول على عمل مناسب، تكوين اسرة وباقي الخدمات مثل التعليم والعلاج الصحي الملائم. في حزيران/يونيو 2002، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قانونا مؤقتا يتم به حرمان صفة المواطنة للزوج /الزوجة من الضفة الغربية اذا اقترنا بمواطنين من القدس أو مواطنين اسرائيليين. من الناحية العملية، فإن هذا يعني أن الزوج / الزوجة، وهما من مدن الضفة الغربية، لن يتم منحهما الاقامة في ‘اسرائيل’ وبالتالي لا يمكن الانضمام إلى الزوج في القدس. هذا الإجراء غير قانوني بموجب قانون حقوق الإنسان ويؤثر بشكل كبير على المسيحيين الفلسطينيين بسبب أعدادهم القليلة في البلاد، ونظرا لضيق العلاقات الأسرية بين المقدسيين وسكان الضفة الغربية (بيت لحم بصفة رئيسية والمناطق المسيحية المحيطة بها). في الممارسة العملية، وصلت العقوبة الى تغريم احد الزوجين الذي هو شريك من الضفة الغربية الف دولار أمريكي، والانفصال عن العائلة وملازمة البقاء في الضفة. قيود السكن في القدس، الموضوعة من قبل بلدية الاحتلال تؤثر عليهم أشد التأثر ايضا مما يؤدي بهم إلى مغادرة المدينة. المنطقة المتاحة للتوسع في القدس الشرقية محدودة للغاية. تم تعيين 13′ فقط للبناء، كلها تقريبا شيدت بالفعل. الحصول على تراخيص البناء هي المشقة التي لا نهاية لها، بالاضافة الى الأعباء المالية ذات الصلة التي تتجاوز قدرة الغالبية العظمى من الناس. والتوسع الاستيطاني في القدس الشرقية يقلل كثيرا من فرص الفلسطينيين للبناء على ما تبقى من الأرض. وفي هذا الصدد، بلغ عدد الوحدات السكنية في القدس الشرقية للفلسطينيين 19056 خلال الفترة 1967-2002 في حين أن عدد الوحدات الاستيطانية إلاسرائيلية في نفس الفترة بلغت 85806، وفقا للمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، القدس كتاب، 2007. الاسوأ من كل ذلك هو السياسة العنصرية والكيل بمكيالين من قبل السلطات الاسرائيلية بحيث أن أفراد الأسرة الذين ولدوا في القدس ويجري الآن تقييد دخولهم الحدود من إسرائيل نظرا لحالة إقامتهم في بلدان أخرى أو خارج حدود بلدية القدس، في أفضل الحالات يتم منحهم تأشيرة الدخول السياحية في مدينتهم لمدة اقصاها ثلاثة اشهر، بينما المهاجرون اليهود يصلون إلى البلاد بالمئات والاستقرار فيها لاسيما في الجزء الشرقي من المدينة المحتلة وعلى الفور يصبحون هم ‘اصحاب الحق’ ويمنحون العديد من الميزات مثل الوظائف والقروض الميسرة والمنح والمنازل الجديدة كما والمواطنة في ظرف أسبوع واحد.
ونبقى بالقدس كما كنا…. لاجلك يا مدينة الصلاة’ كاتب فلسطيني