كان من أجمل الهدايا التي قدمتها ايران للشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية عقب انتصار ثورتها الاسلامية بقيادة الإمام الخميني رحمه الله في العام 1979 هو قطع العلاقات جذريا مع الكيان الصهيوني وتسليم مبنى مقر سفارة الكيان الصهيوني في إيران الى بعثه منظمة التحرير الفلسطينية، ولأول مرة في كل الدول العربية والاسلامية يجري تحويل مستوى التمثيل الفلسطيني في ايران الى مستوى ‘سفارة ‘.. اضافة الى إعلان الإمام الخميني عن تخصيص 1’ من واردات النفط الإيراني دعما لجهاد الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.. وذلك كمكافأة لحركه فتح بالذات على احتضانها لمعسكرات تدريب الفدائيين الاسلاميين الايرانيين في الجنوب اللبناني ودعمها المستمر لإيران وثورتها الجديدة في ذلك الوقت.
لكن تداعيات الانتصار الايراني التي أرعبت قادة السياسة والفكر في الكيان الصهيوني وفي مختلف دول المعسكر الغربي المهيمن على المنطقة كانت أكبر بكثير من كل التوقعات، فعلى الفور جرى تشكيل قوات التدخل الأمريكي السريع (المارينز).. ثم أعقبه زيادة وجود القواعد الأمريكية في المنطقة، وخاصة في مصر وقطر ودول الخليج عموما، وهي الدول التي لم تلبث ان أنشأت ما سمي ‘مجلس التعاون الخليجي’ كمحاولة لصياغة منظومة سياسية أمنية جديدة في المنطقة في مواجهة التهديدات الجديدة.. ثم أعقب ذلك استيلاء العسكر المؤيدين للغرب في تركيا على مقاليد السلطة في البلاد بعد أن عاشت فترة غير محدودة من الحكم الديمقراطي المدني المدعوم أساسا من الدول الغربية ذاتها.. ثم فوجئت ايران بالهجوم العراقي الكاسح على اراضيها من قبل النظام العراقي، تحت حجج واهية أعلن عنها رئيسه صدام حسين، ومنها الوجود الايراني في ثلاث جزر اماراتية وضرورة انسحاب ايران منها (!).. كان التدخل الأمريكي النشيط والفعال لدى دول الاعتدال العربي، رد فعل على هذا الانتصار الكبير، يرتكز على تنمية مخاوف هذه الدول من مسألة تصدير النموذج الإيراني الثوري الى دول هذه المنطقة، وهو ما سمي لاحقا بـ’تصدير الثورة’ ولقد ساهمت بعض الأحداث العنيفة التالية، في المنطقة كحادثة جهيمان العتيبي في الحرم الشريف، ومقتل الرئيس المصري أنورالسادات في العام 1981 على يد اسلاميين مصريين في تعزيز هذه المخاوف لدى قادة دول الاعتدال، وهو ما أفضى لاحقا الى نجاح الإدارة الأمريكية في تشكيل جبهة عربية عريضة تمثلت في وقوف غالبية هذه الدول مع النظام العراقي في حربه الضروس ضد الجمهورية الاسلامية الفتية، وهي الحرب التي أكلت الأخضر واليابس وبددت ثروات هذين البلدين العريقين وانتهت في العام 1988 بعد أن استردت ايران كل أراضيها التي احتلها العراق عقب اندلاع الثورة في ايران.
أما منظمة التحرير التي لمع دورها الأقليمي أكثر بعد انتصار حلفائها في ايران فقد دخلت علاقتها مع ايران الثورية في أزمة حقيقية بعد شهور قلائل، خاصة بعد ان نجحت احدى دول الخليج ولا داعي لتسميتها في اقناع قيادة ‘م.
ت.
ف’ وعبر أحد أعضاء لجنتها المركزية المتساوق مع هذه الدولة في الابتعاد عن ايران، من خلال صرف مبلغ كبير وفوري يتجاوز المئة مليون دولار حمل شيكه هذا (المناضل) ووضعه بيد أبو عمار تحت بند دعم هذه الدولة للثورة الفلسطينية (!!).. وللأسف نفس هذا (المناضل) كانت ايران قد اتهمته بالاجتماع سرا مع احد قادة احد الفصائل الايرانية المشبوهة المعادية للثورة الايرانية (مجاهدي خلق) في باريس.. في ذروة زهوّ وتماسك العلاقات بين ‘م.
ت.
ف’، وايران الثورة..! استوقفتني.. – وأنا أتصفح مقالات المعلم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي رضوان الله عليه- مقولة رددها في سياق احدى هذه المقالات التي كتبها راصدا فيها التحولات الإقليمية والدولية المذهلة التي أعقبت انتصار الثورة الاسلامية في ايران، وهي بمعنى أنه ‘لو توحدت ثلاث قوى في المشرق من خلال برنامج عمل نضالي مشترك ‘ لتغيّر وجه الشرق برمته’.. ، وهذه القوى سماها الدكتور الشقاقي آنذاك باسمها وهي (ايران، منظمة التحرير، الإخوان المسلمون). للأسف لم تحدث هذه الوحدة ولم يظهر ذلك البرنامج الملهم الى الوجود.. فقد ذهب ‘الإخوان’ الى أفغانستان ليواجهوا الاحتلال السوفييتي هناك بدعم من أنظمة وقوى رسمية عربية وبتشجيع غربي مستور ومعلن أحيانا.. فيما تأزمت العلاقة التاريخية بين ايران الثورة ومنظمة التحرير للأسباب التي ذكرناها آنفا، أما ايران الثورة فقد كان عليها وخلال ثلاثين عاما من المقاومة والتدافع والتحديات الخطرة وغير المسبوقة أن تواجه قدرها وهو قدر كل الثورات الشعبية الصادقة المتمثل في مواجهه ومقارعة أعدائها من الداخل والخارج.. اليوم ايران تتنفس هواء الحرية المجبول بدم عشرات الآلاف من شهداء ثورتها وبعبق نسائم الكرامة بعد أن بدأت تحصد وتأكل مما تزرع وتزدهر وتقوى مما تصنع وتتسلح مما صنعته يداها بنفسها.. ايران اليوم تقف على رأس ‘المحور الملتهب’ الذي كان قد بشّر ونادى به المفكر الشهيد فتحي الشقاقي الذي يبدأ من طهران ويمر ببغداد ودمشق ولبنان وينتهي بالقدس.. ايران اليوم في بؤرة الاستهداف الغربي الصهيوني ليس لأنها تملك برنامجا نوويا مبدعا مرشحا لكل الاحتمالات كما يدعي بعض أعدائها.. ولا لأنها تملك بنية صناعية تحتية قوية مرشحة للنمو والتطور المتسارع خلال السنوات القليلة القادمة، مما يؤهلها لتصبح أقوى دولة في المنطقة على الإطلاق، ولا لأنها تملك من الأسلحة ما يرشحها اولا كي تصبح الناظم والحارس للنظام الأمني الإقليمي في منطقة تعد من أهم مناطق الثروة والنفوذ في العالم وهي منطقة الخليج.. كل ذلك قد يكون محل اعتبار، ولكن ايران في الحقيقة مستهدفه لأنها تتقن قول ‘لا’ للأمريكان.. ، لأنها تتقن فن التمرد الذكي على السيد الموهوم الغريب الطارئ.. لأنها تعلن وعلى الملأ جهارا نهارا من أن العمر الزمني لدولة الكيان قد اقترب من نهايته.. ، لأنها تصر على ان تدفع من جيب أبنائها وثورتها وثرواتها -علما ودعما- فاتورة الدفاع عن الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية وعن كل مستضعفي الأمة العربية والاسلامية وعلى كل المستويات سياسيا واقتصاديا وعسكريا..! لذلك كان الحصار وسيستمر حبله يلتف حول عنق ايران ونظامها ومعها كل حركات المقاومة الصادقة في المنطقة ما دامت تغرد خارج السرب الأمريكي الصهيوني حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.. الضربة الأمريكية الصهيونية، الموجهة لكافه البنى الصناعية الايرانية – وليس فقط النووية- تقترب، والمنطقة على حافة بركان قلّ نظيره منذ عشرات السنين وسورية الصامدة وحزب الله ولبنان الباسل ستصلهم حمم هذا البركان وربما أهلنا كذلك في فلسطين، فيما ستشهد المنطقة على أثر انفجارهذا البركان تحالفات واصطفافات جديدة.. فمع من يقف الرسالي المسلم يا ترى؟ مع المغول في مواجهه المسلمين؟ مع الصليبيين في مواجهه المؤمنين؟! مع الصهاينة ويهود الدونمة ومرتزقة الحروب في مواجهه المجاهدين والمقاومين؟!
الأيام والشهور القادمة ستكشف معادن الرجال والأنظمة والحكام أكثر.. وسيظهر أكثر فأكثر الغث من السمين، وعندئذ سيسهل على المؤمنين قراءة الحق واتباعه، وتجنب الباطل واتباعه بما يرزقهم مولاهم الواحد الأحد من البصر والبصيرة. علاء الصفطاوي