اللهم ليس لنا إلا باب الإفلاس وعشم الشقي

حجم الخط
0

من منا لم يقترف حراما في رمضان؟! من منا لم يعتره الغضب في رمضان؟! من منا لم يلغ في رمضان؟! من منا لم يغفل أو يسهو في صلاة أو ذكر أو قراءة قرآن في رمضان؟! من منا لم يأكل لحوم الناس في رمضان؟! كل هذا ونحن بلا شياطين فكيف عندما تطلق شياطيننا والشياطين بعد رمضان؟ نهضنا درجة في رمضان بالصلاة والذكر والصدقة والصلة، وحتى هذه لا تخلو من خلل وزلل وتقصير فكيف بنا بعد رمضان ونحن نؤخر الفرائض عن وقتها ونركن المصحف الى أن يأتي الحول القادم ونخوض في الدنيا من رأسنا الى أخمص قدمينا؟ ماذا يفعل الذين أكرمهم الله برمضان ولم يكونوا من السباقين؟ ماذا يفعل الذين قصروا مع توفر أسباب القوة والصحة والفراغ؟ ماذا يفعل الذين يرون أن عبادتهم لا تساوي شيئا في جنب نعم الله عليهم وأنها كنقر الديوك قد تُرمى خرقة بالية في وجوههم؟ لسنا بحاجة لأن نلوم الشيطان دائما فقد اكتشفنا أننا مذنبون خاطئون من طبيعة أنفسنا من دون الحاجة الى شيطان يوسوس لنا! ولكن سبحانه الودود الرحيم يتقرب إلينا بالنعم حتى ونحن عصاة ويفتح لنا بوابة للأمل، يأمر الحفظة أن يرفعوا أيديهم ساعات عن كتابة الذنب لعل العبد يعود ويستغفر، كل هذا لانه يحبنا وخلقنا لنعود للجنة برحمته لا بعملنا مهما عظم، رحم ضعفنا وقلة عزمنا، وعلم منا التضييع، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم ‘ما من عبد مؤمن الا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنا توابا نسيا إذا ذُكر تذكر’ وشبه المؤمن بالسنبلة تستقيم مرة وتخر مرة، وجعل الاستغفار سلما لله في كل الأمور والمنح ليس فقط في باب الاعتذار عن الذنوب. سجود ستين سنة لم يدخل عابد بني إسرائيل الجنة ولما وُزن مع نعمة البصر زاد عليها! فماذا تزن أعمالنا الناقصة وهل يقيم الله لها ميزانا ولنا وزنا يوم القيامة؟ هل الصيام ديدننا في رمضان وغير رمضان حتى نستحق صفة الصائمين؟ وهل نصوم كما أراد الله لنا قلبا وعقلا وجسدا بكل جوارحنا؟

هل نتوقع أن يكون دخول باب الريان الذي ينفذ الى جنة عرضها السموات والأرض في جوار المصطفى في انتظار نظرة من رب العزة لا شقاء بعدها يحصل فقط بالامتناع عن الطعام والشراب وشهوة الفرج؟ هل التوبة فقط استغفار باللسان؟ أم هي كما عرفها ابن المسيب فقال: التوبة استغفار باللسان وإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيئ الإخوان. نعم الله غفور رحيم لمن لا يلوك الاستغفار فقط بلسانه ويقترف المعاصي فيجمع مع الإساءة كذبا ويتمنى على الله الأماني! نحن مفتقرون الى الله حتى في التوبة نحتاج الى أن يتوب علينا سبحانه حتى نتوب وأن تصدر المغفرة منه جل وعلا حتى نستقيم على طريقه. قد يتعجب البعض كيف دخل أبو بكر الصديق من أبواب الجنة كلها كما بشره الرسول، ولكن من يدرس سيرته وهو يسارع الى الخيرات ويسبق إليها، لدرجة أن عمر بن الخطاب صاحب النفس الوثابة والتحدي أعلنها صراحة أنه تفوق عليه وأنه لن يسابقه الى شيء، يعلم أن في الصيام والصلاة والجهاد والصدقة أكبر بكثير مما نقدمه. فهل نفقد الأمل؟ أيكون المنفذ أن ندعو بصالح أعمالنا كأصحاب الصخرة الذين فرج الله عنهم بحسن أعمالهم؟ ولكن كيف ندعو وما عمل صالح لنا الا بتوفيق الله ابتداء وقد أثابنا بالحسنى عليه مرات ومرات بما لا نستطيع له شكرا؟ فهل نفقد الأمل؟ أم يبقى الأمل في باب واحد ليس مصنفا صراحة ولكنه كفيل برحمة الله أن يوردنا عليه سبحانه، هو الباب الذي وصفه ابن القيم في كتابه الوابل الصيب فقال ‘الإفلاس هو أقرب باب يدخل منه عبد على الله تبارك وتعالى فلا يرى لنفسه حالا أو مقاما ولا سببا يتعلق به ولا وسيلة منه يمن بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة الى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته الى ربه عز وجل، وانه إن تخلى عنه طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر الا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته’. يبقى الأمل في أجر ذلك الشقي الذي مر بالصـــــالحين فجلس إليهم وهو ليس مثلهم فلما غفر الله لهم سألته الملائكة في أمـــر الشقي فكان جواب الرحمن الرحيم ‘هم القوم لا يشقى بهم جليسهم’. يبقى الأمل في أمنية الشافعي رحمه الله أن يدخل الجنة مع من أحب من الصالحين فقال: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من بضاعته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة د.

ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية