وطـن عَ وتـر

حجم الخط
0

فــاروق وادي

لا يكفي القول أن حلقات ‘وطن عَ وتر’ لهذا العام، قد تدنت في مستواها الفني عنها في العام الماضي. فالمعيار النقدي لا يكتفي بمثل هذه المقارنة السريعة للعمل بذاته، والتي تشير إلى خطّ الهبوط الملحوظ في الحلقات الفلسطينيّة السّاخرة، دون الدخول الجّاد في التفاصيل النقديّة التي تسهم في رفع المستوى الفني لهذه المحاولة المبشِّرة والواعدة على صعيد تأسيس كوميديا تلفزيونيّة فلسطينيّة تمارس النقد وتتصدى لعيوبنا ومثالبنا، السياسيّة على وجه الخصوص، وتستثير الضحكات في زمن يتميّز قهراً، سواء على صعيد استمرار الاحتلال والحصار، أو تكريس الفرقة الفلسطينيّة وزيادة انشطاراتها المرشّحة لأوضاع لا تبعث إلاّ على مزيدٍ من الحزن والأسى والحسرة.

في مثل هذه الأوضاع، يكفي للشبّان القائمين على ‘وطن عَ وتر’، شرف المحاولة، والجرأة الأدبيّة والسياسيّة، وعدم الإنجراف وراء تيار اليأس الجارف والاستسلام لسوداويّة أوضاع لا تبعث إلاّ على الإحباط. لن نُكرّر تأكيدنا على مبدأ حريّة التعبير وممارسة النقد الاجتماعي والسياسي للقائمين على المسلسل، وبالتالي، على حريتهم في ممارسة نوعٍ من النقد السّاخر دون تجريح أو ابتذال. ولأننا مع حقهم في النقد، فإننا نعتقد أن من حقّ الآخرين نقد عملهم في بنيته الفنيّة وخطابه السياسي والثقافي. ملاحظتنا الأولى تتركّز على النّص. فيبدو أن إصرار كاتب نصوص الحلقات، خلال الدورتين الماضيتين، على عدم إشراك أحد في الكتابة، ناهيك عن قيامه بالدور الأدائي الأساس فيها، أسهم في إصابة العديد من حلقات البرنامج بإرهاق فني ظاهر، خاصّة في حلقاته الأخيرة، التي لم تنج من البلادة والسذاجة والتطويل الملل، فبدت باهتة في مضمونها وباردة في شكلها، مرتبكة، أو مبتورة، أو مكرّرة، وفي أفضل الحالات مستعارة من العام الماضي. ونشير هنا إلى حلقات تلفزيونيّة نقديّة لافتة أنتجها التلفزيون العربي السوري منذ سنوات، وما زالت متواصلة دون انقطاع من رمضان إلى آخر، حملت عنوان ‘بقعة ضوء’، وانطوت على توجهات نقديّة أقل خطابيّة ومباشرة، وأكثر خفّة ظلّ، مع توافر إمكانيات نصيّة وإخراجيّة وتعبيريّة أدائيّة أفضل، وتنوُّع هائل ما زال يتجدّد عبر السنوات، وقد اعتمدت على عدد كبير من القصص والسيناريوهات المعدّة لكتّاب مختلفين. أمّا ‘وطن عَ وتر’ فقد اختارت مقاربة العمل الكوميدي اللبناني ‘لا يملّ’، سواء في توجهه النقدي، أو في تكرار وجوه ‘نجومه’ في جميع الحلقات! ولم يتوقف الفقر الذي تحكّم في ‘وطن عَ وتر’، عند النّص الذي بدا غالباً ملفقاً ومرتجلاً، بل امتد إلى الإخراج والتصوير أيضاً. فمعظم الحلقات التي عُرضت في رمضان الأخير، تميّزت بضعف الحركة، والاكتفاء، في معظم الأحيان، بمشهد أحادي يتواصل على امتداد المساحة الزمنيّة للحلقة، وتتمثّل بالالتفاف جلوساً حول طاولة اجتماعات، أو الوقوف في مكان محدّد وممارسة نوع من النقد السياسي أو الاجتماعي اللفظي أمام كادر ثابت للكاميرا، والمراهنة على تتيحه السخرية من شخصيّة سياسيّة محدّدة ومعروفة (مع استثناء من أرادت الحلقات استثناءهم من نقدها وسخريتها)، وبقدر من خفّة ظلّ لفظيّة كاريكاتيريّة تضمن انتزاع الضحكة من المتفرِّج، فتبلغها حيناً وتخفق أحياناً. ولا يبدو المخرج، في معظم المشاهد، مسيطراً على حركة الممثلين أو موجهاً لها. فهم، كما يبدو، يوجهون حركتهم من تلقاء أنفسهم، خاصّة الممثل الأوّل، كاتب النصّ في الآن نفسه، وربان سفينة الحلقات على كلّ المستويات.

أمّا المصوِّر، فقد بدا مرتبكاً، خاصّة إذا ما اقتضى المشهد حركة الممثلين. ويكفي أن نشير إلى حلقة تطلّبت الرّقص في الشارع تحت ظلال الشّجر، فكانت الوجوه عرضة لتداول العتمة والضوء دون مبرِّر فنيّ، وبعجزٍ ناجم عن ارتباك عين الكاميرا وإخفاقها عن السيطرة على الحركة، وانتفاء المقدرة على التقاطها. ولا يفوتنا التنويه إلى حلقة الحاجز الإسرائيلي الزّاحف نحو إحدى القرى الفلسطينيّة، وهي حلقة لا يضيرها استثمار وتحوير إحدى النكات المتداولة، إلاّ أنها تميّزت بحركة نسبيّة معقولة، وبخطاب سياسي أقل مباشرة وأكثر معنى، وبعمل متوازن للمخرج والمصوِّر والممثلين والفريق بكامله.

محاولة ‘وطن عً وتر’، تبقى بحاجة إلى النقد والدعم والتوجيه، ومواصلة العمل من أجل تمكين أصحابها من إطلاق الفكرة دون عائق، والوقوف معهم للحيلولة دون حصارها من أيّة جهة كانت، مع التشبث بالدفاع عن مبدأ الحريّة المسؤولة.. التي تتيح التحليق في فضاءات لا تحدّها حدود، ولا يتحقق دونها فنّ وإبداع.

كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية