حكومة الوحدة الوطنية: التحديات والاستحقاقات والملفات الساخنة

حجم الخط
0

حكومة الوحدة الوطنية: التحديات والاستحقاقات والملفات الساخنة

سمير جبورحكومة الوحدة الوطنية: التحديات والاستحقاقات والملفات الساخنةواخيرا ولدت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بعملية قيصرية شاقة دفع الشعب الفلسطيني ثمنها غاليا، ولكننا لا نعلم حتي الآن اذا كان المولود سيبقي سليما ومعافي وقادرا علي الصمود في وجه الأعاصير والهزّات والنوبات. ونقول هذا الكلام لأن هذه الحكومة ينقصها الانسجام التام في المواقف والمنطلقات أولا، ولأنها ستتعرض الي محاولات رهيبة وجهنمية ترمي الي اللعب علي التناقضات والسياسات القائمة فيها ثانيا، ولان التحديات والاستحقاقات التي ستواجهها تفوق امكاناتها اذا لم تعرف كيف تعزز الجبهة الداخلية وتجنّد المزيد من التأييد العربي والدولي ثالثا. ولعل التحدي الأهم الذي ستضطر الي التصدي له هو المحافظة علي لحمة الجبهة الداخلية، ورأب الصدع الذي نجم عن الانقسام والاقتتال. والواجب الاول الملقي علي عاتقها هو كسب ثقة المجتمع الفلسطيني والمواطن الفلسطيني ليطمئن علي أمنه ولقمة عيشه في ظل ممارسات الاحتلال الوحشية، انطلاقا من الحرص علي رصّ الصفوف، واقامة الدليل علي أنها تمثل جميع قطاعات الشعب من دون تحيّز ومحاباة. فهي ليست حكومة وحدة وطنية وحسب، وانما ايضا حكومة طواريء ظرفية شكلت لمعالجة أوضاع شاذة غير طبيعية. بمعني أن المشكلات الداخلية المطلوب منها معالجتها كلها طارئة وغير طبيعية ناجمة عن ممارسات الاحتلال اليومية.وربما أن الشرط الأساسي لصون سلامة الجبهة الداخلية هو التمسك ببرنامج واضح يحدد الأولويات، وعلي رأسها تحقيق الأمن، ومنع المظاهر المسلّحة وتوحيد السلاح الذي يجب ان يكون في ايدي اشخاص مسؤولين لا يستخدمونه في غير محلّه، لأن مهمة هذا السلاح الوحيدة هي توفير القدرة علي الدفاع عن النفس في وجه الاحتلال وليس للاقتتال. والأولوية الثانية هي توفير مصادر العيش وانفاق جميع الموارد والدعم العربي والدولي علي توفير المتطلبات الأساسية لجميع فئات الشعب.واستطرادا، فان التحدي الأكثر الحاحا هو العمل علي انهاء المقاطعة والحصار المفروضين علي الشعب الفلسطيني. اذ أن رفع هذا الحصار لا ينطوي علي اهمية اقتصادية ومعيشية وحياتية وحسب، وانما ايضا له مغزي حيوي لجهة اضفاء شرعية دولية علي حكومة الوحدة بعد أن عملت اسرائيل وربيبتها الادارة الأمريكية البوشية، ومعها بعض العرب مع الاسف، علي تجويع الشعب الفلسطيني في أوج عذاباته لارغامه علي الاستسلام، والتخلي عن مقاومة الاحتلال، حتي المقاومة السلمية السلبية. ومواجهة هذا التحدي تتطلّب ترشيد خطاب الحكومة الجديدة باسقاط تهمة الارهاب واقامة البرهان علي أن هذه الحكومة تمثّل الشعب الفلسطيني بمعظم فئاته، ولها مشروع سلمي وهي تعتمد خيار السلام القائم علي الشرعية الدولية والحق والعدل مع الاحتفاظ بحق الشعب المشروع في مقاومة الاحتلال بشتي الوسائل أسوة بجميع الشعوب التي قاومت الاحتلال وفق الشرائع الدولية. وينبغي تذكير الرأي العام والمسؤولين الدوليين أن اسرائيل هي آخر من يحق لها أن تتهم الشعب الفلسطيني باسره بالارهاب لأن المجموعات الصهيونية المسلحة (بكل انتماءاتها السياسية والايديولوجية) هي أول من مارس الارهاب في فلسطين ضد الانكليز لحملهم علي الرحيل، علي الرغم من دعمهم للحركة الصهيونية باقامة الوطن القومي ، وضد العرب لحملهم علي الرحيل. وهي التي اغتالت الكونت برنادوت مبعوث الامم المتحدة (سنة 1947)، وهي التي اغتالت اللورد موين وزير الدولة البريطاني في القاهرة (سنة 1944). وهي التي تمارس الارهاب ضد الشعب الفلسطيني منذ ستة عقود. وتاريخها حافل بكل صنوف القتل والأجرام والاقتلاع. ولعل من المفيد أن تحتفظ هذه الحكومة بسجل موثق يدون جميع اعمال الأرهاب التي ارتكبتها اسرائيل ولا تزال، وتعمل علي ترجمته بلغات عديدة.ّلا شك في ان المهمة الأولي الملقاة علي عاتق هذه الحكومة هي انهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال، بانشاء دولة فلسطينية مستقلة علي حدود 1967 قاطبة وعاصمتها القدس العربية. والمعروف أن هذه المهمة تكاد تكون مستحيلة في المستقبل المنظور لاسباب عديدة، وعلي رأسها انعدام التوازن في القوي بين اسرائيل والفلسطينيين، ولا سيما في غياب دعم عربي جاد. ثم أن اسرائيل لم تعتمد خيار السلام علي الاطلاق، بل لا تزال تراهن علي خيار الحرب رغم ما تعانيها من ضعف علي الصعيد الداخلي، وعلي الرغم من فشلها في تحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية التوسعية من خلال معظم حروبها. ولا يزال الاسرائيليون يستخلصون العبر من الحرب التدميرية الأخيرة ضد الدولة اللبنانية. وبالتالي، ولأسباب فنية وأجتماعية ومعنوية، فان اسرائيل لن تربح أية حرب مقبلة لانها تزداد ضعفا علي الصعيد الاجتماعي وتفقد شرعية حروبها علي الصعيد الدولي، وتثير غضب الرأي العام العالمي. وهي غير قادرة علي تغيير الميزان الأساسي لجميع القوي المحيطة بها. وربما أن العبرة السياسية التي استخلصها بعض الخبراء الاستراتيجيين الاسرائيليين والاجانب من حروب اسرائيل ان تحقيق الاهداف بواسطة الحروب التي تشنها اسرائيل من حين الي آخر لن يتم عبر الالة العسكرية، وانما بالوسائل السياسية. واكبر دليل علي ذلك أن اسرائيل حققت نصرا عسكريا في سنة 1967 لم تحلم به. وهذا النصر لم يحقق لها، لا السلام ولا الأمن ولا الشرعية ولا القبول. وعلي الرغم من مرور أربعة عقود علي تلك الحرب، فاسرائيل لا تزال غارقة في مستنقع احتلالها البغيض الذي حوّلها الي دولة عنصرية فاقت عنصرية جنوب افريقا البيضاء.وثمة سبب آخر يشجّع اسرائيل علي التهرب من خيار السلام هو الدعم الأمريكي غير المحدود الذي سيستمر بهذا الزخم حتي نهاية ولاية جورج بوش في العام 2008 علي الأقل. علما أن جميع الدلائل تشير الي أن اللوبي الصهيوني يمسك بعناق الديمقراطيين ايضا. وفور تشكيل حكومة الوحدة الوطنية اخذت المحافل الاسرائيلية والأمريكية تبث الرسائل. وأول هذه الرسائل ان الحكومة الاسرائيلية لن تتعاطي مع حكومة الوحدة الوطنية. والحكومة الأمريكية أعربت عن موقف سخيف لا يليق بدولة عظمي تتشدق بنشر الديمقراطية، بانها ستتعامل فقط مع بعض وزراء الحكومة الفلسطينية.والحكومتان الاسرائيلية والأمريكية تضربان علي الوتر نفسه وتعزفان النغمة نفسها الاعتراف باسرائيل والتخلي عن الارهاب . علي الرغم من اعلان الحكومة الجديدة عن تمسكها بالخيار السياسي. وليس من الصعب دحض هذه المزاعم بالحجج التالية:أولا ـ عندما وقعت منظمة التحرير علي اتفاقية أوسلو، فانها بالواقع اعترفت باسرائيل علي الرغم من عدم تعهدها بانهاء الأحتلال. وقد سبق للمرحوم ياسر عرفات أن اعلن عن خيار السلام والتخلي عن الارهاب بكل اشكاله وكوفيء علي ذلك باتهامه بالارهاب وتراجع اسرائيل عن معظم الاتفاقات الموقعة.ثانيا ـ اسرائيل تطالب الحكومة الفلسطينية بالاعتراف بها في حين أن اسرائيل ترفض الاعتراف بأبسط الحقوق الفلسطينية، ولاسيما حقه في انشاء دولته المستقّلة علي ترابه وحقه في العودة الي دياره. ثالثا ـ اسرائيل تطالب الفلسطينيين بالاعتراف بها. وهنا يطرح السؤال اية اسرائيل؟ وباية حدود؟ وباي دستور؟ وباية هوية؟ اسرائيل تطالب الشعب الفلسطيني بالاعتراف بالطابع العنصري للدولة العبرية دولة لليهود وليس لكل مواطنيها . تريد منه الاعتراف بحق العودة العنصري الذي يسمح لكل يهودي مجرد أنه يهودي حق الهجرة والاستقرار في اسرائيل تلقائيا، وتنكر علي اصحاب الأرض الاصليين والشرعيين العودة الي ارض الاباء والأجداد. اسرائيل تريد من الشعب الفلسطيني الاعتراف بجميع القوانين العنصرية التي سنّتها لسرقة الأرض وتهجير اصحابها لاقامة الدولة العنصرية عليها. اسرائيل تريد من العرب الأعتراف بجدارها العنصري الذي اقيم من اجل تكريس الفصل العنصري. واسرائيل تريد من اصحاب الأرض الاعتراف بالنظام العنصري الذي تريد فرضه علي المناطق المحتلة. واسرائيل تريد من العرب التسليم باحتلالها وممارساتها الارهابية اليومية.حكومة الوحدة الوطنية ستواجه قريبا فتح ملف ساخن لا يقل أهمية عن سائر الملفات، وهو حث الدول العربية في مؤتمرها المقبل علي تثبيت المبادرة العربية التي اقرت في مؤتمرها في بيروت سنة 2002، وحمل هذه الدول علي التمسك بتلك المبادرة وعدم الرضوخ للضغوط الأمريكية والاسرائيلية لتعديلها او تغييرها، لان المطلوب هو تفعيلها ولس تعديلها. لأن هذه المبادرة تعتبر اقصي ما يستطيع الشعب الفلسطيني تقديمه من أجل السلام، وهي ايضا لا تستجيب الا للحد الادني من طموحات الشعب الفلسطيني والتي تتمثل في اقامة دولته المستقلة علي جميع الأراضي المحتلة وعدم التفريط بالقدس العربية وعدم التنازل عن حق العودة. ولا يستطيع العرب هذه المرة التهرب من التزاماتهم بذرائع مختلفة لانهم يواجهون الآن الاجماع الفلسطيني المتمثل بحكومة الوحدة التي تطرح برنامجا سياسيا ليس بعيدا عن مضمون المبادرة العربية.والخلاصة، أمام حكومة الوحدة مهام جسيمة وتحديات كبيرة تتطلب المحافظة علي تماسكها والتزاماتها نحو الشعب الذي منحها الثقة. ولا ينبغي الانشغال باية مشاريع لا تلبيّ الثوابت الفلسطينية التي أعلنت عنها. وليس مطروحا في الوقت الحاضر اي مشروع مقبول وانما مطالب ليـــست لها علاقة بالحل المنشود، ومناورات هدفها تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني. وتشير جميع الدلائل الي أن الوقت ليس ناضجا للحل، الآّ اذا قرر العرب، بقدرة قادر، الانتصار للحق الفلسطيني، وهم قادرون اذا قصدوا واذا عقدوا النية علي الوفاء بالقصد واهتدوا بالصراط المستقيم. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية